الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “لحظات في صنعاء القديمة” روح تنقل جسد المكان في ملامح متداخلة

“لحظات في صنعاء القديمة” روح تنقل جسد المكان في ملامح متداخلة

الحياة كما يراها المصوران خميس بن أحمد الريامي وسعيد الحارثي تبدو مختلفة جدا، فهما ومن خلال هذه المشاهد المدهشة يسافران بنا إلى اليمن السعيد، حيث عين العدسة التي تنقل وقائع شتى في صور تتقاطع سلوكياتها وتختلف أفكارها، وكما قيل إن كنت تريد أن تعرف ثقافة الشعوب فعليك بالعامة منهم، حيث اقتناص حكايات البسطاء والحديث معهم في شتى تصاريف حياتهم، فالحكايات تتعدد والمشاهد أيضا تتوالى كرسائل حياة يومية، بسيطة، متنوعة، بدون إضافات أخرى إن صح القول، تأتي كما هي.
الصورة بألف كلمة كما يقال، فهي تختصر ظروف الشرح والكلام، فهي الصدق والحقيقة التي دائما ما تغيّب عن الكثيرين من البشر، الصورة هي الواقع والحال والملاذ الذي دائما نبحث عنه، هي الوقت والفكرة، واختصار المسافات، تاريخ لمفردات زمنية ربما لم نتعرف عليها بعد، وإن تعرفنا عليها فنحن نقترب أكثر وأكثر من الحقيقة، التي ما أن وجدت فإن الحال يكون مطمئنا لأننا استطعنا الحصول على المعرفة التي قد تبدو مغيبة عنا، من خلال هذه الصور نذهب في طواف بديع، وجمالي فذ، فالحرفية هي الأساس كما تبدو هنا، والالتقاط المتقن هو ركيزة المؤكدة التي تساند هذه الحرفية، إبداع جمالي وبهاء زمني ممتد حيث المكان والعلم والضياء، هنا تأخذنا الصور بهدوء والتي أتت ضمن معرض للفنون أقيم الأسبوع الماضي في مقر صالة بيت مزنة بالعاصمة مسقط، وتحت عنوان “لحظات في صنعاء القديمة” ضم العديد من الصور للحياة اليومية لأحد أبرز الأسواق الشعبية في اليمن والذي يعود إلى 2500 عام مضت. وايضا حضور مغاير للحياة اليومية العامة حيث المكان والتاريخ والزمان، هذه الصور في خصوصيتها تختصر الزمن في المباني القديمة والموروث الحضاري حيث توفر مفردات التراث العربي، فنرى التعددية في عرض المجوهرات والأقمشة والتوابل والفخار والخشب والسجاد. كما يحضر الإنسان اليمني ببساطته وعزته وشموخه من خلال تلك الأزياء الجميلة التي لا تكاد أن تفارق المخيلة، فالصور هنا تبعث برسائل شتى من حيث التصاق الإنسان بثقافة الم، ومجتمعية الفريدة.
المصور خميس الريامي يطوف بنا متجولا من خلال هذه الصور حيث العراقة الضاربة في الجذور، فمن خلال عدسته يأتي ليخبرنا بأسرار ذاك الصبي الذي يبيع الخنجر اليمني وما تكتظ به مساحة محله الأنيق الذي يسطر تاريخ يمني ممتد حيث الجغرافيا والمجتمع، فالتناسق في وضع تلك الخناجر يدل على “شطارته” في حيثيات التجارة، فاليمنيون مهرة في هذا الشأن ومبهرون حقا. هذا الصبي ومن خلال تلك الصورة أيضا يبعث فينا روح التأمل لكيفية التعامل مع الإنسان، فهو يبدو لم يبلغ الثانية عشرة من عمره وقت التقاط الصورة، ولكنه يأخذك لترى الهمة في عينيه وجمال روحه النقية والطاهرة في آن واحد.
ولم يبتعد الريامي كثيرا، فأراد أن يطوف بنا نحو التمر اليمني، والذي اشتهر بحلاوته وطراوته الأخاذة، في هذه الصورة يقف ذلك الشاب اليمني ليستقبلك بقلبه قبل قول لسانه، وبعيدا عن سلوكيات المادة فلك أن تتذوق من تلك الأطياب التي لا تعد ولا تحصى، وهنا أيضا ننتقل بين حدائق النخيل الغنّاء في اليمن السعيد، قد تبدو الصورة مألوفة بعض الشيء، ولكن لنقترب من الواقعية أكثر، أن ما يميز هذه الصور وجماليتها هو حضور الإنسان اليمني بصوته وبهائه، فهو لم يغيّره الزمان وأحب المكان وألتصق به، فحياة الشعوب دائما ما تغرس فينا الكيفية التي تختزل التفاصيل هنا وهناك، والتركيبة الإنسانية لأي مجتمع مبنّية على حضور الذات بسجاياها الاعتيادية التي تظهر الحقائق وتنقل الوقائع، وللصورة أيضا ألف حكاية وحكاية، والأمر الأجمل في هذه الصور أيضا أن كل شي يحافظ على هويته لا عبث بالحياة التي قد تبدو مبهرة وقابلة لأن نفكر فيها بنوع من جمال الذوق وروعة الدقائق، المصور خميس الريامي يأخذنا بشغف إلى بائع القبعات أيضا والتي تبدو وكأنها صنعت من سعف النخيل، فسبحان الله كيف كُرمت النخلة فأكرمت الإنسان بجودها فهي تقدم لنا كل شي حتى احتراقها يبدو جميلا، هذا الشاب العشريني أخذ من رصيف الحياة مقعدا بسيطا ورسم لوحة فنية تأخذ من الهندسة حضورا رائعا وشكلا مبهرا في الوقت ذاته. فهو لا نسمعه ينادي بصوت عال، وإنما ومن خلال تلك اللوحة الفنية التي رسمها بتلك القبعات يأتي بدليل كفاية لأن نذهب إليه أو نقترب منه حتى، كل هذه الحكايات تأتي بهدوء تام بعيدة عن العبث والضجر والتبرم، تسرد ساعات يومية لا يعكرها الزمان ولا ضيق المكان، فأنت عندما تذهب إلى مثل هذه الأمكنة تصبح مرحبا بك في كل الظروف، ترحب بك إنسانية اليمني ذلك الإنسان الذي ترك التعقيد وبقي بروح طاهرة لا غضب فيها ولا جدال. ورغم التداخل الاجتماعي القبلي في هذا المجتمع إلا انه لم يشكل أي فرق في التعامل مع هذا أو ذاك. المصور خميس بن أحمد الريامي التقط بعين كاميرته الكثير من الزوايا والمشاهد التي تبدو مبهرة بحق، فعكس التاريخ والهوية والأصالة والمكان الذي يشبه القلب في نبضاته.
المصور سعيد الحارثي، يأخذنا حيث المكان والطبيعة في اليمن السعيد، شرفات الحياة تبدو مزهوة بحضورها والتاريخ يحكي ومن خلال قباب المساجد الكثير من الروح الإنسانية للإنسان اليمني الذي عرف ببهائه وطلة محيّاه، في صور الحارثي نرى شموخ هذا الإنسان المتزن، من خلال العمارة والتي لا تعلو كثيرا إلا من خلال طبقات بسيطة ولكن شموخ الذات يبقى عاليا وراسخا، ودائما ما توحي لنا العمارة اليمنية بشيء من الهدوء المتمثل في بساطة البناء والتركيب، تلك الصورة التي تجسد البيت اليمني العتيق فهي تبعث برائحة المكان الخالد للذاكرة، وتنقل لنا كيف يكون الاتزان في التفاصيل اليومية بين الشارع والمسجد والمقهى وجمال الأحاديث المجتمعية الجانبية، ومن خلال صور عدة يطل بها الحارثي نتأمل فيها، ونرحل بعيدا بالذاكرة ونعود محملين بنظرات متأملة، ولكن في صورة ذلك الإنسان اليمني البسيط يعود بنا سعيد الحارثي ويخبرنا بالأمل القريب الذي يترقبه هذا اليمني الأصيل، فهو يعرض بضاعته ليس من أجل البيع فقط وإنما من أجل الحضارة والتاريخ والإنسان معا، وتستمر الحكاية مع الحارثي ويخرج بنا حيث الأزقة والطرقات والمسافات المتسعة في القلوب بجمالها وهدوئها وبياض قلوب أهلها، هي بصدق قصائد عشق يومية تلتقطها عيون عدسات المصورين، فتبرز الحكاية بنبض الشارع بكل أطياف.
فالصورة بحد ذاتها حمامة تحلق بالجمال في أغلب الظروف، عدا تلك التي بها من المآسي والتفاصيل المضجرة، فتعودنا على أن تكون الحمامات حاملة لرسائل محبة وسلام، هكذا تأتي الصورة أيضا معبرة ومختصرة للكثير من الوقائع، هذا الكم الرائع من الصور في هذا المعرض لم يأت صدفة وإنما هناك فكرة تخمرت وتبلورت بعد حين لتصبح كما نشاهد الآن، تصور أن تسافر إلى مكان ما بمحض الصدفة، تعبر الجغرافيا لتشرق عليك شمس جديدة غير تلك التي تعوّدت عليها في بلادك، وهنا نركز على مفردة “الصدفة”، فبكل تأكيد ستأخذ كاميرا هاتفك النقال على أقل تقدير لتسجل حضورا بهيا في تلك البلدة التي سافرت إليها، من خلال صور متعددة ومغايرة بكل تأكيد، وحينها تعتريك الكثير من المشاعر المتداخلة بين البهجة والدهشة، وحين تعود لبلدك الأم سوف تشاهد تلك الصور، فستقول حقا ما أجمل تلك اللحظات في البلاد البعيدة، وهذا فعلا ما أراده كل من الريامي والحارثي من هذا الجمال، فجسد الصورة يتنقل هنا وهناك مسكونا بروح المكان إلى ما وراء الجغرافيا والتحليق بعيدا لنراه في ملامح متداخلة، تشكل الهوية والأصالة والتاريخ الضارب في الجذور، هنا يبدو لنا أن العمل على هذا المشروع أتى بعد دراسة متأنية، ليست ككل الدراسات والأفكار، وإنما بعد تمحيص، فمثل هذه الأمكنة هي خصبة لأن تكون للصورة حكايتها وتفاصيلها.
هذا المعرض أتى باللونين الأبيض والأسود وكما أراد لها ملتقطوها خميس الريامي وسعيد الحارثي لتحتفظ بروحها، التي تسكنها.
هنا نأتي لنقول بأن اليمن يبقى مهد الحضارات الإنسانية العربية ومنه توضأ الإنسان العربي بطهر العروبة ليصلي في محراب السلام في بقاع شتى، هنا يأتي اليمن في صورة بالغة في الأهمية فهي تحلق بنا لنرى الشارع والمطر والشمس وضحكات الأطفال البريئة وجمال الروح التي تنتقل بين فضاءات رجالها الأشاوس الأوفياء، هنا نرى اليمن الهدوء والاطمئنان الذي يبعث بالألق ويعطي الطمأنينة في القلب، ويبقى في القلب متسع لكل حلم جميل. فكل ما سبق وباختصار يجسد التباين الاجتماعي الذي دائما ما يأتي ليشكل الوضوح في المجتمعات الإنسانية.

رؤية: خميس السلطي

إلى الأعلى