الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / فإذا الأرضُ اهتزّت وربت

فإذا الأرضُ اهتزّت وربت

لا أدري لماذا يخول الكثيرون ، منا ، لأنفسهم الحكم بخروج نص ما ، لا يعير الوزن والقافية بالا ، والوزن تحديدا ، من دائرة الشعر . وكأن الشعر ليس إلا وزنا وقافية !!!
بيد أن تعريف الشعر على أنه كلام موزون مقفى تعريف قديم ، بائد ، بال ، وعفا عليه الزمن .
ليس الشعر هو الكلام ، إنما هو ظل الكلام البعيد والمتطاول ، فوراء الأكمة ، كما يقال ، ما وراءها ، إنه ما وراء الكلمات ، تداعياتها ، تشظيها ، حمولتها الشعرية .
يخطئ ، يخطئ من يحصر الشعر في وزن وقافية
وهو العصي على الحصر
وهو العصي على التعريف
كائن لا يمكن إحتواؤه ، وليس بمقدورنا اختزاله
الشعر مكمن اتفاقنا جميعا ، وبؤرة اختلافنا جميعا ، أيضا
نختلف عليه ، ونتفق عليه ، في آن الوقت
إنه الرهان الصعب ، والتجديف للبعيد ، والمخاض المؤلم
ننظّره ، نؤطّره ، نصنع له القيود ، ونضع أمامه الحواجز ..
ولكنه دائما ما يأتي جارفا ، كسيل عارم ، فوق التنظير ، وفوق التأطير ، يكسر كل القيود ، ويزيح ، من أمامه ، كل الحواجز والمعوقات ، ليصنع قانونه الخاص ، وحالته الخاصة
ليشكل فسيفساءه المختلفة ، ومنمنماته البديعة
ليمارس هطوله الأنيق ، وانفراعه السخي
فإذا الأرض ” اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ” (1)
واستبدلت بثوبها الأغبر ثوبا قشيبا ، زاهي الألوان ، بديع
يأتي الشعر ليشعل الكثير ، الكثير من الحرائق – إذا ما جاز لنا استعارة اللغة النزارية – (2)
من تلك الحرائق التي لا تنطفئ ، والتي كلما صلتنا بنارها العذبة ، تأوهنا ، صائحين :
يا نار “لا تكوني ” بردا وسلاما .
يأتي الشعر لينفض عن الكلمات غبار السنين ، وليعطي للغة رونقها ، وبهاءها ، ونظارتها .
يأتي ليعيد ترتيب الأشياء والأولويات ، ليكسر المسلمات ، والقواعد ، ويتمرد على كل الأعراف ، وينسف حكمة السائد .
يأتي ليدلق جنونه ، ويشعل نزقه ، ويبعثر قلقه في كل الجهات ، وإذا حدث ولم تستوعبه الجهات ، وهذا ما يحدث غالبا ، استحدث جهات أُخر ، خامسة وسادسة وتاسعة .
أيها الشعر :
سر ، سر كفاتح عظيم ، ولا تبـال ، وأدلف من البـاب الواسع الكبير ، فأنت ، أنت ، من يقود النـقد ، ويوجه مساره ، ويرسـم خطـوطـه العريضة ، لا هو ، والنـقد ” يعيش على ما يقدمه المبدعون “(3) ، مبدعوووووك أيها الشعر .
سر ، فأنت الكلمة الفصل .
سر ، ولا تكترث ، بهذه الجلبة أو تلك الجعجعة ، فما هذه ولا تلك سوى ظلالك بكل تدرجاتها اللونية ، وبكل تمازجات الظل والضوء .
سر ، فلولاك ما كتبت لها حياة ، ولا كان لها وجود ، فأنت من وهبتها من حياتك الخالدة حياة ، وقاسمتها من وجودك وجود .

وأدلف من أوسع الأبواب ، كفاتح عظيم .

الهوامش :

(1) سورة الحج ، الآية الخامسة ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت …)
(2) نسبة للشاعر الراحل نزار قباني
(3) شوقي بزيع

حمود الحجري
hadakeh44@hotmail.com

إلى الأعلى