الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / صراع حروف عربية ، لـ “عبدالناصر الصائغ”

صراع حروف عربية ، لـ “عبدالناصر الصائغ”

همستنا الإبداعية هذا اليوم ستطرق باب التشكيلات الحروفية التي تفنن الفنان العربي في إخراجها من الخط العربي الذي يمتاز بحركاته الفنية الرائعة واستمد وهج إبداعه من ذات العناصر التي نراها في الفنون التشكيلية الأخرى وهي الخط والنقطة والمساحة والحجم واللون والملمس ولكن ليس بمعناها المتحرك مادياً فحسب بل وبمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تجعل الخط يتهادى في رونق جمالي مستقل عن مضامينه ومرتبط معها في آن واحد ، واخترت للتعريف بهذا اللون من الفن العمل الحروفي الرائع الذي أبدعته أنامل الفنان عبدالناصر الصائغ هذا الفنان المتميز بأدائه المتقن والمبهر في تقديم نماذج جمالية رائعة من التكوينات الفنية المستمدة من روح الخط العربي ، وقد نفذ الصائغ العديد من الأعمال الفنية التي ساهمت في تحريك هذا المجال الفني ضمن المشهد التشكيلي العُماني ، ونلاحظ عن قرب عبر العمل الماثل أمامنا الجماليات الخاصة بهذا الفن وأسلوب النقش الزخرفي التي تناولها الفنان أسفل عمله بكل روعة وإتقان، ونلمس هنا أيضاً قدرة الفنان على إبداع نوع من الإيقاع نتيجة التضاد بين أجزاء الحروف المتكررة وتنوع الألوان، وما تحقق نتيجة ذلك من إحساس بصري بين النعومة والخشونة والتكامل الفني الناتج عن التوزيع الإيقاعي للعمل وصولاً إلى تحقيق الوحدة في العمل الفني ككل، وهذا بالضبط ما ساعد الفنانين العرب والمسلمين على استخدام الخط العربي في تشكيل تحفهم وروائعهم المعمارية عبر جماليات هذا الخط على الخامات المتنوعة كالمعادن والخزف والخشب والرخام والجص والزجاج والنسيج والورق بأنواعه، فكان الخط العربي قاسماً مشتركًا لكل الفنون العربية الإسلامية التي أعارها طابَعهُ الجمالي المنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة .
هذا التحليل جاء من الناحية الفنية الجمالية للعمل أما من الناحية الفلسفية فإني وجدت في ثناياه بُعداً فكرياً استقيته من الظروف المتقلبة التي مرت وما زالت تمر على الأمة العربية الإسلامية التي جمعتها وحدة الدين والعقيدة واللغة وكان الحرف العربي هو المدخل الأساسي في تسجيل قرآنها ومجدها وعزتها وكرامتها في زمن ما، إلا أن الوضع الذي آلت إليه الأمة العربية في فتراتها اللاحقة بسبب صراعاتها الداخلية المتكررة في شتى المناحي السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والدينية قد ألقت بأبعادها على ذلك المجد، نعم إن الصراعات الداخلية ليست ظاهرة عربية السلوك أو مكانها العالم العربي فقط ، بل هي ظاهرة دولية تربط “الإنسان ذاته” وفي مختلف بقاع العالم وتغطي معظم قارات هذا العالم الأرضي، ولكن حظ العالم العربي من هذه الصراعات غير قليل. إن الأمة العربية موحدة في معنوياتها من حيث القيم والثقافة، ولكنها مجزأة في مادياتها الاقتصادية والاجتماعية. وهذا ما أدى ويؤدي إلى بروز حقيقي للتعدد والتوحد في الشخصية العربية، والإشكالية الكبرى في الموضوع تكمن في دخول هذه الظاهرة حيز العنف والنزاع حتى وصلت في أحايين كثيرة إلى القطيعة والجفاء والتباعد والتدافع والتوتر وإذكاء مواقع الانقسام والتدخل على الأرض في الشؤون الداخلية لهذا البلد أو الفريق ضد الفريق الآخر، فدفعت المجتمعات والأفراد نتيجة ذلك أثماناً باهظة من معيشتها ومستقبلها وأمنها واستقرارها، خاصةً على مستوى إبطاء عجلة تقدمها وإعاقة تطورها ونهضتها، وتوقف خطط وبرامج التنمية فيها.. ونجد هذه الحالة من الصراع في هذا العمل قد تمثلت في الحرف العربي كرمز للأمة العربية ونلاحظ هذا الحرف وقد شابه الإضطراب وعدم الثبات ضمن المساحة المحددة له بل تخرج عن وحدتها معلنة الإنقسام والشقاق ، ومنها من لم تسعفه حاله فانقلب رأساً على عقب، ومن تلك الشعوب العربية من انعكس سلباً على نفسه فمات وأمات غيره، ومنها من كان في حالة عمياء هوجاء فظل يعصف بنفسه إلى الخارج ولم ترق له فكرة البقاء مع هذا الكيان فبرز بمنجله أو مخلبه الحاد يصارع مجتمعه غير آبه بما يصنع، ومع كل هذا الصراع تظل روح الخير في هذه الأمة موجودة وما تزال تنبت بأصل جذورها الطيبة وخيرها وجميل عطائها، ورمز لها الفنان بالزخارف التي تأتي من الأسفل وتصعد بنقاء وصفاء أبنائها إلى ذلك الكيان العلوي المتصارع لتعيده لمجده وعزته وسيكون لها ذلك ما دامت تنشد الخير وبقاء الإنسان العربي النبيل المعروف بشهامته ونخوته وفكره وثباته على الحق وتمسكه بثوابته الأصيلة التي لا يحيد عنها .

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى