الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / 10يونيو .. ذكرى وفاة الشاعر البرتغالي لويس دي كامويس

10يونيو .. ذكرى وفاة الشاعر البرتغالي لويس دي كامويس

10يونيو 1580 لشبونة تتشح بالسواد ، السوناتات الرعوية المستوحاة من عصر النهضة الايطالية ، وملحمة اللوزياد تبكيان شاعرا قوميا من مرتبة دانتي وفيرجيل وشيكسبير.
“سوداد” ( Saudade) كلمة برتغالية تصف الشجن او العاطفة الخفية المغلفة بنكهة يأس. هي نغمة برتغالية بامتياز نجدها في الفن والادب على السواء…نغمة ‘سوداد’ سبب انجذابي للغة البرتغالية التي تعلمتها وتحدثتها وأردت الانغماس في شجنها ما استطعت.
اللغة البرتغالية لغة رسمية لسبع 7 دول اكبرها البرازيل، تندرج ضمن اللغات اللاتينية الاصل، تأثرت باللهجات المحلية وبلهجات الشعوب التي سكنت “لوزيتانيا” على مر التاريخ، وتسمية لوزيتانيا مستمدة من اله ميثولوجي اسمه “لوزوس”. لغة البرتغال اقرب الى لغة جارها الشمالي الغاليسي. تختلف عن لغة الجار الشرقي الكاتالاني وتختلف عن لغة الشقيقة الاسبانية في النطق بتشديد مخارج الحروف وغلبة الشين على باقي الحروف او ما نسميه بالهسهسة التي تعطي نغمة موسيقية عاطفية شاعرية للغة البرتغالية التي لم تتغير كثيرا في البرتغال نفسها منذ نشأتها في العصر الوسيط ولو ان الاملاء قد تمّ تبسيطه في القرن العشرين.
استقرار اللغة البرتغالية لم يُحَجِّر الأدب البرتغالي الذي استمر في البروز والتطور ما بين القرن السادس عشر والقرن العشرين حيث نجده مترعا بالعاطفة اكثر من التعقل ومتشربا بالتخييل اكثر من الفكر يصب في الملحمة الغنائية وينبع من السخرية والاحساس المأساوي بالوجود…
ولد الشاعر “لويس دي كامويس” شاعر النهضة البرتغالية وقرنها السادس عشر، على الارجح سنة 1525 في “كونستاسيا” قرب “شنتمرية”، من عائلة غاليسية فقيرة، كانت مستقرة في “شافس” قبل ان تستقر في “كويمبرا” ثم لشبونة. ابوه “سيماو فاز دو كامويس” حفيد الشاعر الغنائي الغاليسي “فاسكو بيرس دو كامويس” وأمه من عائلة تنتسب للبحار “فاسكو دي غاما”.
تخلى “لويس دو كامويس” عن دراسته ما بين 1542 و 1545 ليستقر بلشبونة شاعر ا في بلاط الدوم “خواوالثالث”. وبعدها غادر الى “كويمبرا” حيث كان عمه دوم “بينتو دو مامويس” أسْقُفا. ثم غادر الى سبتة سنة 1549 سنة 1551 مع اسرة الكونت دو “لينهارس”: الدوم “فرانشيسكو دو نُورُونها”. وخلال فترة التجنيد فقَدَ احدى عـينيه بسبب سهم طائش ومن ذلك استوحى قصيدته:

( … )
عبرت البحر الطويل ، في كثير من الأحيان
كان تهديدا للحياة العزيزة
الآن اتعرض في تجربة نادرة
لغضب ‘مارس’ دون انتظار
في عيونه أراد لي أن أرى
وفي عيني ضرب الثمرة المُرّة
حتى ساحت الصباغة من لوثته.

عاد “لويس دي كامويس “الى لشبونة ليعيش حياة بوهيمية وغراميات كثيرة اشهرها علاقته ب شقيقة الملك “مانوي الاول” مما تسبب في نفيه الى “كونستاسيا”.كما تقول الاسطورة انه عرف علاقة غرامية مع الكونتيسة “دو لينهارس” مما تسبب في نفيه الى “شنتمرية”. لكن ما هو اكيد انه غادر الى الهند حيث سيعيش- حوالي 17 سنة- بدأها من “غُوا” ومنها الى “ماكاو” بسبب هجائه لنائب الملك.
في ‘غُوا’، داخل مغارة تحمل اليوم اسمه، كتب قصيدته التي خلدته”اللوسياد ” التي تغنى فيها بانتصارات البرتغال واكتشافات “فاسكو ديغاما”. بعد 5سنوات انتهى نفيه. وفي طريق عودته الى “غوا” تعرض لعاصفة عند سواحل “كوشينشين” حيث فقد صديقته “دينامين” لكنه استطاع انقاذ مخطوطة قصيدته. مطلع شهر غشت 1560 وصل “غوا” طالبا حماية نائب الملك “دوم كونستاسان دو براغانس” في قصيدة مطولة. لكنه تعرض للسجن بسبب الديون وعندها كتب قصيدة استعطاف ل دوم “فرانشيسكو كوتينهو” .
خلال رحلة العودة الى البرتغال، مرّ على سواحل الموزمبيق حيث قضى حوالي سنين عالة على اصدقائه. وفي سنة 1570 دفع له صديقه” دييغو دو كوتو” ثمن بقية الرحلة الى البرتغال.و بعد سنتين اخريين اي في سنة 1572 نشر “اللوسيداد” وأهداها للملك الشاب “سيباستيان الاول” الذي منحه دخلا شهريا مكنه من الحياة في شظف مدة 6سنوات بعدها شهد انطلاق الملك الشاب وجنده الى سواحل المغرب، طلبَ الانضمامَ الى السَّرية صوْتا لهذه الحرب الافريقية لكن الافضلية كانت للشاعر ” دييغو برناندس”. وقد كانت هذه الحملة فادحة الخسائر اذ مات 3 ملوك خلال الحرب التي دارت بمدينة القصر الكبير.
سنوات قليلة بعد ذلك، صار البرتغال جزءا من التّاج الاسباني فانتشرت اسطورة عودة الملك “سيباستيان” في ليلة غائمة لتحرير البرتغال واستعادة مجده. وفي هذه الاجواء توفي “لويس فاز دو كامويس” يوم 10 يونيو سنة 1580 في لشبونة.و يَنسِبُ اليه ” الميدا غاريت” قوله في قصيدة:(معي يموت البرتغال) .كما ان “الميغيل تورغا” رثاه بهذا النص:

( لويس دي كامويس
شاعر تعيس
اعادَ معجزةَ البعث
لوطنٍ رأى فيه النور
حين، رآه على طريق الدّفن
في قصيدة حبّ ومغامرات
لوطنه وهَب حياته
والان في هذه الفرصة الثانية
من حياته الحزينة الخالدة
صار هو اليقين الوحيد للبرتغال.)

في سنة 1856 نُصِبَ له تمثال بلشبونة، كما نُصِب له آخر في شارع ‘دو كامويس’ بِ باريس سنة 1987 نحتته “كلارا مينيريس “بينما غنّت له “اماليا رودريغس” سوناتا ‘فادو’ من تلحين “ألان اولمان”… كلمة “فادو” ترددت عشرين مرّة في مؤلف “اللوسيداد” وهي كلمة تعني القدر في اصلها اللاتيني:

“بأيّ صوت سأبكي قدري التعيس
في قسوة السّجن اسرَني
زمن خيبة الحبّ
ليته لا يترك لي الما كبيرا”

هكذا سالت كلمات “لويس دي كامويس ” شاعر النهضة البرتغالية الذي يرقد اليوم في البانتيون الوطني الى جانب فاسكو دي غاما وفيرناندو بيسوا وبعض ملوك البرتغال.

عزيزة رحموني
كاتبة مغربية

إلى الأعلى