الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ” فكرة ” .. البحث عن الحرية و “رغيف الخبز”

” فكرة ” .. البحث عن الحرية و “رغيف الخبز”

تعد “الحرية” من أهم مقومات الحياة البشرية، مثلها مثل “رغيف الخبز” الذي لا يستطيع الإنسان العيش بدونه، إلا أن مفاهيم حرية الفكر والتعبير تتباين من شعب إلى آخر، فما نجده عند الآخر متاحا ومسموحا، يكون لدى الآخر عكس ذلك!.. حسب طريقة التفكير أو المنظومة القيمية التي تتحكم في المجتمع!
غريب أمر “الحريات” الذي أشعل فتيل الثورات العربية، حيث علت صيحات المناداة بالديمقراطية، والتي أصبحت مجرد شعارات واهية لتضليل الشعوب والأمم، لذا بحث عرض “فكرة” عن تعريف ثابت لمفهوم الحرية، وهو من تأليف بدر الحمداني والمخرج الشاب محمد المعمري.
ويقدم هذا العرض عبر لوحات متتالية، يمكن متابعة أحداثها الباحثة عن الحريات ، ولقد جرد الكاتب شخصياته وحصرها في بعض صفاتها بما يتوافق مع الموضوع ، حيث ظهر جنديان يقومان بالحراسة ليلا، الحارس الأول اسمه “ربع” والثاني ” نصف”: “هل ترى شيئا مريبا؟”…وإجابات النفي مستمرة بالنفي “لا”…بطريقة ساذجة” …و بعد ظهور شخص من بعيد…فإن صيغة السؤال تغيرت إلى :” هل ترى ذلك الشيء المريب؟…. نعم .. نعم اني أرى شيئا مريبا يقترب منا يا غبي .. انظر هناك ركز جيدا .. هل ترى ذلك الشبح؟” ..كما يتضح من خلال العرض تكامل الشخصيات مع بعضها البعض، حيث ظهرت شخصية “ربع” وهي شخصية تخاف وتتردد، فهو يخاف الأشباح ..في حين شخصية “نصف” واثقة وشجاعة . ويمكن تتبع أبعاد الشخصيتين من خلال الحوار التالي:
“ربع: أقوياء و شجعان؟ وماذا تنفع مظاهر القوة والشجاعة أمام الأشباح الهائمة في الليالي المظلمة .. المتربصة بالمساكين أمثالي؟ “باكيا” ويلي سيأكلني الشبح حيا ويقرمش عظامي.. صدقت خالتي المنحوس منحوس ولو لبس ريشة طاووس ….نصف: يالك من جبان عرديد يا ربع .. تمالك نفسك ..تشجع .. انظر .. أصبح الشبح على بعد خطوات منا”
ويمكن تلمس ذلك من خلال الحوار الذي دار بين الشخصيات والذي مال نحو العبثية، وخاصة عندما شاهدنا “حراس المدينة ” يسمحون بتمرير الممنوعات، بينما يصادرون صاحب “الفكرة” ….. كما من المقطع التالي : “نصف: “بكل ثقة” باحتراف…ربع: “وقد أخرج كيسا من الحقيبة” ما هذا الشيء الغريب الذي في الكيس؟…المسافر: “مرتبكا” لا .. لا ..لا شيء .. مجرد حشيش…ربع: آه حشيش .. “لنصف وهو يعيد الكيس الى الحقيبة” فعلا لا توجد في حقائبه أية ممنوعات….نصف: اذا أنت برئ”
وفي موقف آخر: المسافر: ما هذه الممنوعات التي فتشتم عنها في حقائبي؟….نصف: الأفكار….المسافر: الأفكار؟!!!..نصف: نعم الأفكار .. كل الأفكار ممنوعة لماذا تسأل؟…ربع : قل لنا بصراحة ولن نخبر أحدا .. هل تحمل في حقائبك أية فكرة .. لا سمح الله
وجاءت المشاهد أقرب إلى الحركات السريالية العبثية عند طرحها للموضوعات، والتي صورت مشهدا بشعا للقرية التي سلبت منها الحرية ، وأصبح حال الناس فيها أقرب إلى الحيوانات التي لا هم لها سوى أكل الشعير!.
كما يمكن ملاحظة الناس وهم يتحولون إلى كائنات بشعة، ويصابون بتشوهات ويتصرفون بطريقة غريبة . ويتفاقم الوضع عندما يظهر لكل منهم عاهة سواء في الجسد أو الوجه أو الرأس .. فهناك من فقد ذراعه أو ساقه، بينما الغرباء يحاولون الالتفاف حولهم كالجوارح .
والحال بالحال يذكر، فهناك موقف ساخر آخر يتمثل في “قرية السعداء”، والتي هي في الحقيقة تعيش تعاسة مزرية، تعكس حالة التشتت والتناقض …وخاصة عندما تتقاطع حريات الشعب مع الأنظمة القمعية، مقابل رغيف الخبز “الشعير”…كما هو الحال في المقطع التالي: “المنادي: تقرر منذ أزمنة بعيدة .. في هذه القرية السعيدة .. قانونان عادلان كالسيف صارمان .. القانون العادل الصارم الأول .. هو أن لا يغادر القروي المخلص حدود قريته السعيدة مهما كان الأسباب عنيدة .. أما القانون العادل الصارم الثاني .. فهو أن ترفع عقوبة الفكر الى مرتبة عقوبة الكفر .. فاعتبارا منذ الأزل الى أن نبلغ وإياكم الأمل .. كل مفكر مرتد .. يجب أن يقام عليه الحد .. والناقل للأفكار مرتكب لفاحشة نكراء فجرمه عظيم .. عظيم جدا جدا جدا”.
ملمح آخر للوحات السريالية الساخرة التي يسردها العرض المتمثلة في موقف رجال الدين، والذين يتحدثون بلسان السلطة، في حين يتخذون الدين درعا لهم للسيطرة على الشعب، لتنفيذ أوامر السلُطة عليهم، حيث يمكن مشاهدة ذلك في المشهد الذي يقول فيه: ” الشيخ طناف:” لا لا للتفكير .. نعم نعم للشعير …. هذا العفن الذي يعشش في الأدمغة الخربة .. الواحد منهم لا يعرف حتى كيف يتوضأ ويريد أن يفكر! ..عزام :.. ويعلنها للملأ كي يفقهوا الحكمة النورانية أن لا لا للتفكير نعم نعم للشعير .. أريت؟ مهما حاولنا الذهاب بعيدا بخيالنا .. نعود من جديد لنعتنق الشعار المقدس الذي يوحدنا جميعا في هذه القرية السعيدة .. لا لا للتفكير نعم نعم للشعير”
*الموقف الساخر الآخر، الذي يتمثل في شخصية طارق “الأعمى” الضرير، والذي يقول الحقيقة التي يجهلها المبصرون ، وهو يدعو الناس إلى التفكير وعدم الاستهانة بما يحدث :
“طارق الأعمى: ما هذا الخبال! .. لا لا للتفكير نعم نعم للشعير .. مهزلة مضحكة مبكية .. اننا نغرق في مستنقع من التهريج واللامعقول .. نهرب من واقعنا المر المفروض علينا من عدونا المتربص الى واقع أكثر مرارة وقسوة نصنعه بأيدينا الغافلة.. ” …كما أنه يؤكد واقع القرية البائس : “ألا ترى الوضع البائس الذي آلت اليه قريتنا التعيسة؟! أصبحت الآه خبز يومي .. و صارت رائحة الغباء لا تحتمل .. ”
كما تتضح روح التمرد في شخصية “الأعمى” التي تحرض الشعب لترك أكل الشعير والتحليق إلى عالم الحرية : “طارق الأعمى:” يجب أن نخرج لضوء الشمس لنفتح أجنحتنا ونحلق بعيدا عن هذا البؤس المستوطن فينا .. يجب أن نلقي بقانون الشعير الأحمق الأزلي في المزبلة ونصنع قانوننا الخاص قانون الحياة لا الموت”.
وتتطور الأحداث ويقبض على “الأعمى” لتمرده على قانون الشعير الأزلي ومحرضا للناس … هكذا أصبح الشعب أسيرا للجيش والشيخ طناف اللذين يمثلان السلطة في قرية السعيدة ، لذا يهدد الشيخ بقطع رقبته في حالت أراد التعبير عن رأيه!
وهكذا تظل الشخصيات تدور في لجة الحوار والجدل الأزلي، بينما تأخذ السلطات مجراها في التحقيق مع طارق “الأعمى ” ، والذي بدا متشبثا برأيه، مما جعله يقترب من شخصية البطل التراجيدي الذي يرفض التنازل عن رأيه …ويمكن أن نلمح ذلك في حواره :
طارق ” ان أذعنت لشعاركم السخيف فأنا أبيع عقلي بشعيركم الطازج اللذيذ ، يا له من ثمن بخس .. أنا لا أؤمن بفلسفة الشعير الحمقاء التي تحاولون فرضها علينا بحد المقصلة .. لا أريد شعيركم الطازج اللذيذ .. كلوه أنتم واستمتعوا للأبد بطزاجته ولذته كالحمير ..” كان المشهد الثالث بعنوان “ولادة الفكرة” كنوع من التشبيه الاستعاري الذي يعبر عن توالد الأفكار تتوالد كما يولد الجنين من رحم أمه …ولعل وقت الأزمات يجعل الأمم والشعوب تبحث عن مفكريها ، ولكن هذا عكس ما حدث في القرية السعيدة …لذلك كانت “القرية السعيدة” على موعد مع هجمات الغربان التي تعرضها للهلاك: “منظار: موعد هجمة الغربان الزرق المفترسة قد حان ولكني لا أرى لها أثرا على امتداد الأفق….الشيخ طناف: حدق جيدا يا غبي .. لا نريد ان أتفاجأ بالغربان الزرق وهي تحوم حول جثتي الهامدة”
وتتوال صور كثيرة تؤكد الخطر القادم الذي يهدد القرية السعيدة ، إلا أن الزعيم لا زال يحرص على التذكير بأهمية الشعير: “الزعيم: لا لا للتفكير نعم نعم للشعير…الجميع: لا لا للتفكير نعم نعم للشعير…”يبكي الشيخ طناف ونعيم من شدة التاثر .. ثم ينتفض الشيخ طناف هاتفا ومرددا بحماس ثوري منقطع النظير: نعم نعم للشعير .. نعم نعم للشعير .. نعم نعم للشعير “.
وتتقارب هذه المسرحية في موضوعها مع مسرحية “الخرتيت” ليوجين يونسكو، وخاصة عندما يتحول الأهالي إلى قطعان “الخرتيت”، وبالمثل فإن الناس في هذه المسرحية يتحولون إلى قطعان يأكلون الشعير ، وخاصة عندما يقوم أحد الحراس بأخذ كيس الشعير ويوزعه على الناس، دون أدنى فرصة للتفكير: “الزعيم :بورك حماسك الثوري يا شيخ طناف يا بطل .. هكذا يكون الاخلاص…الجميع: نعم نعم للشعير .. نعم نعم للشعير .. نعم نعم للشعير .. .”

ولعل أشد اللحظات ضراوة هي تلك اللحظة التي يتحول فيها أهالي القرية إلى تماثيل، بعد أن جمدت الحكومة أفكارهم وجعلتهم أقرب إلى “التماثيل”، فوجودهم لا يسمن ولا يغني من جوع . كما برز في النص الفساد في الهياكل الحكومية، حتى عندما حاول الحاكم معرفة انطباع شعبه …إلا أن البطانة الفاسدة أكدت له أن كل شيء على ما يرام: “الزعيم: يا أبناء قريتي السعيدة .. ها نحن نجتمع كعادتنا لتدارس أحوال قريتنا السعيدة .. فمن كان عنده مشكلة أو اقتراح فليأتي به خدمة لقريتنا السعيدة .. الشيخ طناف: لا توجد لدينا اية اقتراحات ولا أية مشاكل يا زعيم .. كل شيء على خير ما يرام….نعيم: صدقت يا شيخي .. كل شيء على خير ما يرام”
وتتوالى الأفكار في سرد أحداث “القرية السعيدة “، وخاصة عندما يلغى فعل “التفكير” عن الأهالي، ويعين مستشارين ومفكرين بدلا منهم!: منظار: ليس كل شيء على خير ما يرام يا زعيم .. هناك مشاكل كثيرة…ولماذا تكلم الشيخ طناف دون أن يؤذن له يا مفكرجينا؟…المفكرجي: تلك نقرة وهذه نقرة .. ما قال الشيخ طناف الا الخير…منظار: وأنا هل قلت شرا؟ أم أن الحقيقة غير مرغوب فيها هذه الأيام؟”
وتتابع الأحداث عندما يزداد خطر الغربان الزرقاء، دون الأخذ بأفكار أهالي القرية، وعندما يأتي الغريب بفكرة للتخلص من الغربان، فإنهم يرفضون أفكاره حتى قبل أن يعرفونها …رغم خطر الغربان أصبح قاب قوسين أو أدنى : “دساس: يا زعيم .. بما أنه غريب عن القرية .. فلماذا لا نسمع فكرته لعلها تنقذنا مما نحن فيه من بلاء….المفكرجي: هذا تطاول على قانون القرية ولا يكن قبوله بتاتا البتة”
الشيخ طناف: احترموا مفكرجي القرية السعيدة….الزعيم: لا .. دعوهما “للمفكرجي” كلامهما للاسف حق يا مفكرجينا .. منذ آخر فكرة باضتها عبقريتك لم تأت بجديد .. صارت القرية السعيدة جحورا كما فكرت ولم تجد نفعا .. مازلنا نتعرض لهجوم الغربان المتكرر ولازلنا نعاني .. فلماذا لا تبيض فكرة جديدة؟”
*وهكذا ظل الجميع يعيشون دوامة الخوف والتوتر أولا من السلطات التي تقمع تفكيرهم، وثانيا من الغربان التي ستقضي عليهم ، حيث منعوا من التفكير أو البحث عن الخلاص يخلصهم …”منظار: والأفكار يا زعيم .. بالرغم من كل ما حدث فنحن ما زلنا في أمس الحاجة لأفكار جديدة، التي يمكن تنقذنا من هجمة الغربان الزرق التي باتت وشيكة ”
الزعيم: أجدني في حيرة كبيرة بين حاجتنا للأفكار الجديدة ومركز مفكرـ جينا الذي يجب أن يحترم جزاء له على اخلاصه….المقصلجي : لا داعي للعجلة .. فمازال مفكر-جينا بخير وسيعود لولادة الأفكار متى ما تحسنت صحته .. فلننتظر بعض الوقت”
وختاما، يأتي اليوم الموعود الذي تهجم فيه الغربان على “القرية السعيدة”، فيما يحاول الأهالي الهرب والصراخ مستغيثين.. .. ثم يغرق المسرح في صمت وجودي.. سرعان ما تضيء الخشبة لتظهر الجثث المتناثرة في كل مكان .. وآثار الخراب والدماء التي تجعل المشهد أكثر كآبة.. فيما ظلت الاضاءة خافتة باستثناء بقعتي الضوء. ويبقى السؤال الذي يطرحه المؤلف من خلال العرض ، هل الغربان التي غدرت بأهالي المدينة أم مصادرة الفكر المتمثل في السلطة ….وهذا جعل الأهالي لا يفكرون في التخلص من الغربان؟ ….سؤال فلسفي … جعلنا نمعن النظر في الكثير من القضايا العالقة في أذهاننا، وخاصة عندما نتذكر واقع الشارع العربي، الذي ظل لفترات طويلة ساكنا في الوقت الذي كان يغلي من الداخل ، وعندما انتفض وقع في فخ آخر الفوضى والعنف .
….وتنتهي المسرحية بنفس البداية مما يؤكد حلقية الاحداث، وتداخلها في توال مستمر، مما جعل المتلقي محاصرا بسوداوية الموضوع الساخر والذي بدأ يلتف حول رقبة الشعب المسحوق ، والمتمثل في موت الأفكار واجهاضها حتى قبل أن تخرج للحياة !… وأن الشعب عليه أن ينشغل بقوت يومه “الشعير”، وألا يفكر أو يستخدم عقله ….!….تبدو معادلة صعبة، ولكنها في حقيقة الأمر تقوم على سياسة تجويع الشعوب، وجعلها تنشغل بطلب الرزق، فيضيع مصيرها في ايدي السلطة التي تحكم هذه الشعوب بلا رحمة.
ومن جانب آخر، فإن العرض لم ينحرف عن مسار النص، والذي بدا نسخة متقاربة مع النص، نظرا لغياب الرؤية الإخراجية، فيما اعتمد المخرج بشكل كبير على مدرسية الأداء التمثيلي. .. ولم تستطع الرؤية الإخراجية إبراز الشخصيات والاحداث المهمة … فهناك على سبيل المثال شخصيات أساسية مثل ” الأعمى، شيخ الدين، الزعيم ” ، ولكنها غيبت عن العرض، وانصهرت في الاطار العام مع بقية الشخصيات …ناهيك عن عدم استخدام أدواتها الحقيقية كالصوت والالقاء والظهور على الخشبة .
وبدت الرؤية البصرية لهذا العرض متصالحة مع النص بشكل كبير، ووقع العرض في المباشرة الصريحة عندما عبر عن أفكار وأخذ يكررها ويزيد فيها، ويمكن تلمس ذلك في منتصف المسرحية، فقد قال المؤلف كلمته، والأحداث ظلت تسير على مستوى أفقي يوازي المنصة، وكذلك بقية مكونات الفضاء المسرحي المغرقة في الواقعية والتي استعانت بالديكور التقليدي .
فيما ظلت “الإضاءة” على مستوى واحد، ولم توظف بالشكل الصحيح الذي يخدم العرض، باستثناء مشهد “المقصلة” حيث سلطت البقعة الضوئية على الشخصيات بشكل كبير ….فيما اعتمد العرض على المؤثرات الموسيقية ذات الرتم الواحد ، وهذا بدوره جعله ينتهج رؤية أفقية على مستوى الموضوع والإخراج المسرحي… مما أثر على إيقاع العرض والذي يفترض أن يجعل المشاهد متابعا يقظا له ، ولكنه جعله يقع في لجة الاحداث التي بدت ذات نبرة تشاؤمية ساخرة إزاء واقع لا يمكن تغييره.

عزة القصابية
كاتبة وناقدة مسرحية

إلى الأعلى