الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / قضايا .. “زهرة المدائن” بين فكي الاحتلال

قضايا .. “زهرة المدائن” بين فكي الاحتلال

إسرائيل تطلق مخططات ممنهجة لطمس معالم القدس والتهامها خطط الصهاينة تتضمن تهجير المقدسيين وبناء المستوطنات بالقدس منع الصلاة في الأقصى بداية للهيمنة اليهودية على المسجد والمدينة

إعداد: أيمن حسين
مقدمة:
تعتبر مدينة القدس من أهم المدن المقدسة في العالم فهي تنفرد بمكانة روحية ودينية ورمزية عبر العصور حيث إنها تحتضن أبنية ومساجد وكنائس وآثار دينية وتاريخية تعبر عن تاريخ حافل تجعل قلوب المسلمين والمسيحيين متعلقة بالقدس، وتمثل للفلسطينيين خاصة ولعموم العرب رمزا دينيا وتاريخيا وسياسيا مهما بصرف النظر عن الادعاءات الصهيونية حولها.
فالقدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين للمسلمين وتضم الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى وهي بالنسبة للمسيحيين تشغل مكانة مهمة فهي مهبط السيد المسيح ونشر فيها رسالته وتشمل كنائس ومعابد وأديرة مقدسة.
// رؤية تاريخية:
ترتكز مكانة القدس الروحية والدينية على وجود كثير من الآثار والأبنية والمعالم الدينية التي تزخر بها والتي يحج إليها المسلمون والمسيحيون، حيث تمتد هذه المكانة إذيضم ترابها رفات القديسين والشهداء والأبطال وأهل العلم والفقه والحكمة وفيها وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما فتحها المسلمون العهد العمري وهي وثيقة الأمان والتي كتبها للبطريرك صفرونيوس عام15 هجرية وأعطي المسلمون فيها الطوائف غير الإسلامية بالمدينة الأمان على أرواحهم وممتلكاتهم وكنائسهم ونظمهم القضائية سواء كانوا يهوداً أو مسيحيين .
وكان للقدس عبر التاريخ بعض الدراسات بسبب موقعها الجغرافي المتميز منذ إنشائها على يد اليبوسيين بزعامة ملكهم«سالم اليبوسي»وعرفت المدينة باسمها الكنعاني« أور سالم »أومدينة السلام وأسماهاالعهد القديم«أورشليم »وتارة أخرى بسبب الصراعات بين القبائل الكنعانية والعبرانية وفراعنة مصر وملوك بابل وأشور حول الماء والكلأ والسيطرة والنفوذ. وبسبب مكانتها الدينية والروحية ونتيجة لهذه الأسباب عرفت القدس الحصار مرات عدة وعرفت الغزاة والفاتحين بل تعرضت للدمار عدة مرات ومر عليهاالبابليون والفرس والإغريق والرومان والمسلمون الصليبيون . أخطر حلقات الغزو والحصار للمدينةالمقدسة هي الحلقة الصهيونية اليهودية التي لاتزال ترزح تحت نيرها والتي بدأت منذ بداية القرن العشرين والسنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والتي شهدت ميلاد الحركة الصهيونية وذلك بسبب علاقات التحالف المعلنة والمضمرة بين هذه الحركة وبين نظام القوي السائد في أوائل القرن وقصور حركة التحرر العربية لظروف شتي عن بلوغ أهدافها المشروعة في بناء الاستقلال وتحرير فلسطين والقدس .
وحرص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم181لعام 1947 بإفراد مكانة خاصة للمدينة، حيث نص هذا القرار على إقامة دولة يهودية وأخرى عربية أن تحظي القدس بوضعية دولية خاصة ولم تعترف الجمعية العامة ولامجلس الأمن بشرعية وقانونية القرارات التي اتخذتها إسرائيل بشأن المدينة المقدسة لاقبل عام1967ولابعد ذلك التاريخ واعتبرت الآثار الناجمة عن هذه القرارات باطلة .معالجة الموقف اليهودي والصهيوني من السيادة على القدس بمعزل عن التاريخ السياسي والحضاري لعلاقة الغرب بالعالم العربي والمشرق العربي على وجه خاص تفرضه ضرورات ذات طابع عملي براجماتي وليست ذات طابع منهجي نظري .
// ذكرى الاحتلال:
مرت مؤخرا الذكري الخمسون للعدوان الإسرائيلي في الخامس من يونيو عام 1967واحتلال إسرائيل للأراضي العربية واحتلالها على نحو خاص القدس الشرقية المدينة المقدسة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء والتي تمثل للشعب الفلسطيني المركز الروحي والثقافي والسياسي والاقتصادي قبل ضمها عقب العدوان تحت المسمى الإسرائيلي « القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية»وتحت هذا المسمى الذي يفتقد إلى الشرعية والقانونية وفق كل القرارات الدولية تعرضت المدينة المقدسة لخطط إسرائيلية من كل نوع .
ولعل الخطط الاستيطانية لإسرائيل تحركت في ثلاثة اتجاهات تتضمن توسيع القدس الشرقية من 6 كم2 إلى73 كم2 من أراضي الضفة الغربية ضمن حدود بلدية القدس التوسعية واتجاه أخر عرف باسم (القدس الكبرى)وتشمل 330 كم2 من الضفة الغربية واتجاه خارجي يشمل665كم2وتعرف بالقدس المتروبوليتانية وارتفع عدد المستوطنين إلى 140 ألف مستوطن وهذاالاستيطان الكثيف في القدس والتوسع الاستعماري في محيطها يمثل خطة تهويد كاملة عنصرية تحفل بالعديد من أوجه التمييز القائم على الرؤية الإسرائيلية .
// خطط عنصرية:
تتبع إسرائيل وكيانها الصهيوني خطط ممنهجة لاغتصاب القدس وتهجير المقدسيين تقوم على عدة نقاط :
أولاً: من أهم مظاهر الخطة العنصرية الإسرائيلية في القدس فرض قيود مشددة على رخص البناء للفلسطينيين وهدم المنازل ومصادرة الأراضي وتعديل قوانين الجنسية والإقامة بحيث يحظر جمع شمل العائلات وحرمان آلاف الفلسطينيين من الإقامة والسماح للسلطات الإسرائيلية بالتدخل في حياة الفلسطينيين الخاصة وفرض رقابة عليهم أقرب إلى التجسس لمعرفة من يقيم فعلا في المدينة المقدسة ومن لايقيم لتطبيق القواعد الجديدة التي يقرها قانون« مركز الحياة »الذي ينص صراحة على ضرورة أن يقدم راغبو الإقامة الدائمة وحاملو البطاقات الدائمة ما يثبت دوريا أنهم يقيمون ضمن حدود بلدية القدس وأن يقدموا من الأوراق مايثبت ذلك عمليا. والهدف من وراء تطبيق هذه الخطط الاستيطانية ومحاورها وتعديلات قوانين الجنسية والإقامة تشديد شروط تجديدها والفحص الدوري للمستندات بالإضافة إلى هدم البيوت ومصادرات الأراضي الفلسطينية وتطبيق سياسات التهجير ضد الفلسطينيين وذلك لتحقيق أكثرية يهودية وإضفاء الطابع اليهودي على المدينة وطمس معالمها.
ثانياً: تستثمر اسرائيل في هذه الخطط الاحتلالية مخصصات مالية كبيرة كهدف قومي كما ترتكز على العنف البنيوي والوجود الطاغي للمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في حياة الفلسطينيين والمقدسيين .
ثالثاً:بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي والذي تحدد خط سير البناء فيه خصوبة منذ عام 2002 بناء على التصور الإسرائيلي لشكل الحل النهائي مع الفلسطينيين وعلى ضوء توافر خصوبة الأراضي ومصادر المياه والمواقع الاستراتيجية والكتل الاستيطانية الإسرائيلية الكبرى، حيث باتت مدينة القدس التي أصبحت داخل الجدار معزولة عن بقية الضفة الغربية ولايتم الدخول إليها إلاعبر بوابات التفتيش وموافقات إسرائيلية على الدخول بشروط خاصة.
رابعاً: تندرج كل هذه العمليات الاستيطانية والأمنية من قبل إسرائيل في إطار تحقيق سياسة«الإزاحة الديموجرافية»للفلسطينيين المقدسيين بهدف تفريغ القدس من سكانهاوبقائهم في إطار كنتونات معزولة عن المدينة ومكتظة بالسكان وتنفيذ مخطط التهويد وتغييب الطابع العربي للمدنية وتفكيك البنية الثقافية والتقاليد الاجتماعية ومرجعيات الحماية التقليدية لدى المجتمع الفلسطيني المقدسي كالعشيرة والعائلة الممتدة بل وتفكيك الأسر والعائلات الفلسطينية على ضوء صعوبة الحصول على الإقامة لمتزوجين من أبناء الضفة الغربية من أهالي القدس وصعوبة جمع شمل هذه العائلات في إطار قوانين الجنسية والإقامة المعدلة .
خامساً: من المفارقات التي يمكن رصدها في هذه الآونة التي تردد فيهاعزم الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها إلى القدس وهو ما تم تأجيله لمدة شهور أخرى إن الأرض التي خصصت للسفارة الأميركية في القدس هي أصلا ملكية فلسطينية لمواطنين فلسطينيين والأوقاف الفلسطينية.
// مواجهات مطلوبة:
عند مواجهة العرب لتلك المخططات الإسرائيلية يجب ملاحظة عدة نقاط
أولاً: تحظى إسرائيل حتى إشعار آخر باستثنائية وتفرد لم تحظ به دولة أخرى في العصر الحديث تمكنها من تجاهل تطبيق القرارات الدولية والاستخفاف بقواعد القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي يعزز من هذه الاستثنائية تواطؤ المجتمع الدولي وازدواجية معاييره خاصة من قبل القوى الغربية الكبرى كما يدعم هذه الاستثنائية الخلل في ميزان القوى مع العرب لصالح إسرائيل .
ثانياً: إن هذه القرارات الدولية يمكنها أن تستثمر على نحو آخر من قبل الفلسطينيين والدول العربية ويتمثل ذلك في خوض معركة أخلاقية ضد إسرائيل وكشف طبيعتها العنصرية ضد العرب والشعب الفلسطيني وفضح لا أخلاقيتها بل وتنكرهاالدائم للقيم الإنسانية المشتركة ومبادئ حق تقرير المصير للشعوب وهذه المعركة رغم أنها تبدو ذات طابع سلمي قد تبدو أكثر ضراوة وتأثيرا من القوة السافرة ذاتها لأنها معركة تخاطب الضمير العالمي والإنساني والرأي العام العالمي المتعاطف مع القضية الفلسطينية.
ثالثاً: لقد خسر النظام العنصري في جنوب إفريقيا هذه المعركة وسقط عبر الحصار والمقاطعة وافتضاح أمره بحيث أصبح من العار أن تؤيده الدول حتى تلك التي ساندته من قبل. وقد تختلف الحالة الإسرائيلية في الدرجة وليس في النوع مع الحالة الجنوب افريقية ومع هذا فإن هذا الاختلاف لن تتضح أبعاده إلامن خلال الممارسات والمعركة إعلاميا ودعائيا ضد تل أبيب.
رابعاً: من ناحية أخرى فإنه في مواجهة مخطط تهويد القدس وتفريغها يعتبر صمود المقدسيين أكبر عائق في وجه هذا المخطط تمسكهم بإقامتهم ومنازلهم ووجودهم هو حجر الزاوية في أي مواجهة مستقبلية حول القدس . لكن هذا الصمود بحاجة لظهير عربي رسمي وشعبي لتعزيزه ودعمه واستمراره من خلال دعم الأنظمة والمجتمع المدني للشعب الفلسطيني بدعم مادي وسياسي ومعنوي لتمكين المقدسيين من البقاء ومواجهة المخطط الصهيوني وتنظيم شبكات للتضامن مع المقدسيين والشعب الفلسطيني مع منظمات مناهضة العولمة ومنظمات حقوق الإنسان واستخدام التقنيات الحديثة في التواصل مع المجتمع المدني العالمي وبلورة خطاب عربي فلسطيني حديث وعصري يتركز حول المساواة ومناهضة التمييز والعنصرية .
// الخلاصة:
لن تتمكن إسرائيل رغم سياساتها بفرض الأمر الواقع من التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية كعاصمة لدولته ولاتزال الدول العربية مجتمعة حتى الآن تصر على المبادرة العربية ببنودها حول الدولة الفلسطينية والقدس واللاجئين.ورغم انهيار المشهد العربي الراهن الذي يعج بالصراعات والحروب ورغم الضغوط التي مورست على العديد من الأطراف العربية لتعديل هذه المبادرة إلاأنها باقية كماهي وأي تسوية لابد أن تأخذ في اعتبارها تلك المبادرة كحد أدني لايمكن التنازل عنه بالنسبة للعرب والفلسطينيين والمقدسيين .

إلى الأعلى