الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المسرحية العربية .. الحقيقة التاريخية والزيف الفني

المسرحية العربية .. الحقيقة التاريخية والزيف الفني

المسرح صورة مباشرة للتفاعل الفنى مع الجمهور
الفن المسرحى العربى يركز حاليا على التشخيص الشعبي
عرض ـ حسام محمود:
كانت النظرة الفنية والجماهيرية للمسرحية العربية طويلا نظرة ترفيهية وكوميدية بدون مضمون حقيقي ، إلا أن هذه النظرة ما تلبث أن تتغير بمجرد صعود الممثلين على خشبة المسرح حيث يفاجأ الجمهور بلغة حوار حتى لو تضمنت كوميديا في البحث عن أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية , وتطور الأمر إلى المضامين الثقافية والتاريخية ، الأمر الذي أثرى المسرح العربي عبر تاريخه الطويل في البحث عن الذات والمضمون والهدف , وهناك صور متعددة لفنون المسرح أبدع فيها الفنانون العرب , كمسارح الدولة , ومسارح العرائس والأراجوز ومسارح خيال الظل , والمسارح الشعبية , ومسارح القطاع الخاص إلا أن اللافت تفرد الرسالة المسرحية بكونها تعبر عن طفرات فنية تشكل مضون قضايا المجتمعات .
المسرح الشعبي
يركز مؤلف كتاب “المسرحية العربية .. الحقيقة التاريخية والزيف الفني” عصام الدين أبو العلا ، الذي نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، تحت رعاية مهرجان القراءة للجميع الدائم بالقاهرة، على رؤية المسرحية الشعبية في الساحة الفنية , فقد اتسمت لفترات طويلة بأنها رؤية متعالية من قبل دارسي الفن المسرحي حتى قامت الدعوة إلى إقامة مسرح عربي ذي هوية قومية في أوائل الستينيات من القرن الماضي ، وقد وجه أصحاب هذه الدعوة نداءهم إلى الباحثين والفنانين والمؤرخين ليحثوهم على البحث في التراث العربي الفني لمعرفة المقومات التي تمثل خصوصية المشاهدة عند العرب ، وبذلك اعترف معظم الدارسين بأهمية الفنون الشعبية عند العرب من خيال الظل والأراجوز وصندوق الدنيا وشاعر الربابة , فهذه الفنون تمثل بداية لتاريخ ابداع المصريين والعرب على الساحة الفنية والمسرحية ، فاعتبرها النقاد بذورا لفن المسرح ، وأطلق عليها آخرون ظواهر مسرحية تراثية خالدة لا يجب تركها تندثر , وقد أفردت الدراسات الفنية والنقدية حول الاختلاف بين الفنانين والباحثين حول عروض المسرح الشعبي التي تدل على العروض الفنية الأكثر رواجا بين الشعوب المختلفة بملامح مشتركة بين الدارسين والمتلقين والجمهور, فالكل يبحث عن روعة الابداع وكيفية توصيل رسالة الفن السامية للجميع عن طريق المواهب . ويختلف الفن المسرحي عن فنون صناعة السينما في كون المسرح يحوي بين جنباته شكلا جماليا فريدا وجوهرا فكريا وفيضا من المشاعر والأحاسيس عبر تجاوب مباشر بين الفنانين والجمهور , يصقل عقول ويشحن ذاكرة المتلقين عن علاقة الفن بالمجتمع ، ولغة الحوار المباشر هذه يتميز بها المسرح عن السينما التي تستخدم فيها كاميرا جامدة لا تنقل المشاعر حية ولكن مسجلة على شريط , والحركات تكون بطريقة غير تفاعلية , وبأسلوب تجاري كقص ولصق من خلال شاشة عرض ، فالسينما تكون كشراء معلبات الغذاء فهي تعرض أفلاما جاهزة للمشاهدة بدون عناء لأن المجهود يكون أثناء تصوير الفيلم , أما المسرح فهو كالوجبات الطازجة التي تغني بالفن السامي عن الانحدار فى مفاهيم البحث عن المال من خلال دور العرض السينمائى , خاصة بالنسبة للأفلام التجارية الاستهلاكية التى يمر عليها الموسم الصيفى أو الاعياد فتنسى لأنها بلا قيمة حقيقية سوى غاية التمويل والربح والترفيه , فتغذي المادة المسرحية السامية العقل والقلب ، فمجهود الممثل المسرحي يومي على خشبة المسرح التي يطؤها بحثا عن تفاعل مباشر بدون (رتوش) أو قيود مع جماهيره التي يكتظ بها المكان , ومن المفارقات تماماً صبغ العمل بلون محلي أو عالمي أو شعبي ، ويضفي له عامل الخصوصية ، والمتفرج يفرض طبيعة عملية التلقي ، وآليات المشاهدة . فقد يعبر عن سعادته واستحسانه عن طريق التصفيق أو التصفير أو نثر الورود وكلمات الفرح أو حتى بالإنصات التام , كما يعبر المتفرج عن رفضه التام بهجرة العرض وعدم تقديره , أو بالصياح والسباب , أو إلقاء الممثلين بالطعام والفضلات والأجسام الصلبة . وهذه تفاعلات تحدث على كافة المسارح في العالم وليس المسرح العربي فحسب . كما تلعب الظروف الاقتصادية والحضارية دورا مهما في تبني المتفرج بناء فكريا وجماليا خاصا ، وهي نفس الظروف التي تجبر الفنان المبدع علي ضرورة تيسير قنوات إبداعه في حدود التفاعل الفكري والجمالي للمتفرج .
فكر الفنون
يؤكد الكاتب أن عماد العملية المسرحية الفكر والموضوع إذ لا يمكن تخيل فنان يؤدي دراما إلا إذا توافر فكر عميق حول شخصيات العمل والتناغم الدرامي للقصة والفكرة هي جوهر العمل , فالهدف من المسرح توصيل مضامين حول حقيقة المتغيرات التى تدور فى فلك الحياة التى نعيشها , وتلعب فيها الشخصيات وهم الأبطال والجمهور الذي يضع نفسه فى موقف هؤلاء الأبطال دورا فى إذكاء دور المتابع الجيد للفكر الفنى , وتحويله إلى بانوراما حياتيه تعالج المشكلات المطروحة للتشخيص , فالممثل الجيد لا يمكنه الإبداع بدون مضمون فني صائب يقوم علي كيفية توصيل الموضوع كشعور مشخص ومخلص إلي المتفرج . حتى أن أسرار الشخصيات الشريرة تحظى بتقدير الجمهور لأنها تصور كيفية صناعة الوعى بأهمية الحرص من معدومى الضمائر , ولعل بعض هؤلاء الأبطال الأشرار يصل بهم درجة الاعجاب لدى الجمهور بتقليد ذكائهم ولكن فى الخير وليس فى الشر , وبالتالى تجمع المسرحية بين التعاطف مع الأخيار , ورفض الأشرار , وتعلم الذكاء الانسانى فى التعاملات والمراوغة الكلامية , وهذا الذكاء يستعمل فى أعمال الخير من خلال توضيح النهاية السعيدة للمحبين والأخيار , وكيفية القصاص والنهاية السوداوية لأصحاب الضمائر الزائفة ولمعدومى الضمير , لتعلو المثل العليا من خلال مسرحيات شعبية واجتماعية تعلى شأن القيم والمبادئ , وهذا ما يجب أن يكون عليه الهدف المنوط من المسرح العربى . إن الرسالة الفنية للمسرح رسالة سامية يجب إدراكها من خلال شخصيات العمل والموضوع والتفاعل مع الجمهور , وأتاحت مساحة للإبداع حتى لو بلغ الأمر استخدام الخدع المسرحية والمعارك المصطنعة على خشبة العرض حسب ظروف التشخيص والتمثيل , وينهض العمل المسرحي من خلال عدة أعمدة هي الممثل والمتفرج والفكرة ، والموضوع والمكان واللقاء الحي ، وهي أساسيات نهوض المسرح العربي والعالمي , وكذلك الحال بالنسبة لفن الأراجوز القديم الذى لا زال يستلهم اعجاب الصغار والقديم وكان يقدم فى القرى المصرية , وشأن الأراجوز شأن شخصية ممثل خيال الظل بأن يتمتع بموهبة متعددة الجوانب ، فتوضيح النص يتطلب أصواتا مختلفة ، وغالبا يتطلب الأمر الغناء أيضا ، وتمثيل أصوات عراك وصفعات وضجيج تعبر عن الأداء والقصة , ويعتبر التمثيل الصوتي مهم جدا في تلوين الفن للتعبير عن مختلف مواقف جميع الشخصيات الممثلة بعناية ، كما أن فنون الأراجوز تتطلب أن يكون الممثل ماهرا أيضا في التعبير بيديه أثناء تحريك الدمية والقفاز ، بشكل يتزامن مع خروج الأداء التشخيصي الصوتي ، لتبدو دمية حية تتحرك لتعبر عن الشخصية قدر المستطاع ، وفي حالة شاعر الربابة والحكواتي , فإن الفنان يقوم بتقمص شخصيات مختلفة بلهجات وانفعالات , وبحركات مختلفة ليؤدي المواقف , والقصة التي تعبر عن الشخصيات تماما كما يعبر الممثل في السينما والمسرح عن ذاته في تشخيص القصة وأبطالها .

إلى الأعلى