الأربعاء 16 أكتوبر 2019 م - ١٧ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : مهرجان صلالة السياحي ومؤسساتنا الصغيرة!

بداية سطر : مهرجان صلالة السياحي ومؤسساتنا الصغيرة!

خلفان المبسلي

أليس واقعياً أنه من يمتطي صهوة جواد جاره، لا يصل إلى دياره، كما أن من يتكل على حماره في نقل زاده في أسفاره خير له من أن يتكل على حصان جاره. وفي ذلك قيل في الأمثال العربية:”ما حك ظفرك مثل جلدك” لأن ظفر غيرك إن حك جلدك لربما يذهب بلحم جلدك فيصبح عرضة للعلل والأسقام فيذهب بك بعيداً عن الصحة والعافية، بل سيعتاد على أن لا يبرح الأرض حتى يأكل عنك الصغير قبل الكبير وقال أجدادنا ـ رحمهم الله ـ في أمثالهم الشعبية:”عليك أن تقلع شوكتك بيدك” كل تلك المعاني والدلالات تصب في بحر واحد نعني به أن الانسان عليه أن يفكر في غده ولا يطلق العنان لترويح نفسه والتواكل على الآخرين كي لا يسرون في دمه فيأخذون مجرى الشريان فيعبثون بكل شاردة وواردة .. فالتواكل مدعاة الى الكسل وجلب للضرر، كما أنه مدعاة للتساهل في كثير من أمور الحياة فتمشي على هوى الآخر فيتحكم في غذائنا ودوائنا وغير ذلك من المبيعات التي وقعت في أحبال كثير من الوافدين اليوم لدرجة أن كثيراً من المهن والمنتجات والسلع التي تصاغ بأيدي عمانية ماهرة ولّى زمانها فعبث بها العابثون وباتت تحت هيمنة الآخر.
تلك المشاهد من الحكم والأمثال والدلالات إنما هي واقع عشته بين ربوع محافظة ظفار في أثناء زيارة مهرجان صلالة السياحي والتي تشهد خريفاً حالما نسج بين راحتيه بساطاً أخضر تحت تساقط رذاذ الأمل والتفاؤل. أن القادم في هذه المحافظة سيكون أفضل وأجمل وأن الأفكار تنسج اليوم لمستقبل أكثر اخضراراً يعيد تاريخ أمجاد السلف. كما يصنع مستقبلاً زاخراً سوف ينقل رسالة سامية من بلاد مجان إلى سائر أقطار العالم الذين يوردون من معين خريف صلالة سحراً متألقاً، ويعكسون من وسامته جمالاً متفرداً، كما يشربون من (مشلي) الحصيلة ماء ليس كسائر المياه إلا أنها تكسر وتفتح على أيدي هي نفس الأيدي التي عبثت أناملها في البيع على طول سهل اتين بشوي اللحوم وطبخ (العيوش)، كما انها تحلب النوق والشياة لنشرب منها حليبا ظفاريا لذيذ المذاق يعيد ذاكرتي إلى عقود خلت حين تقوم أمي بحلب البقرة لنشرب من يديها حليباً طبيعياً دون منكهات ولا منغصات زاد طعمه لذة أنه من يدي أمي، بينما في الاتجاه المعاكس في (سهل اتين) ومطاعمها طعم الحليب كان مضافاً إليه نكهة أخرى أنه من أيدي نفس الأشخاص الذين يذبحون الابل ويسلخونها ويقطعون لحمها ويشوونه ويأخذون أمواله التي تغرد خارج السرب فتهاجر إلى بلاد أخرى لتنمو هنالك وتتكاثر فتتناسل دون أن نشعر بذنب رحيلها وغير آسفين على ذلك.
لا أقول ذلك من باب المزاح أو اعتباطاً حينما يقف آلاف العاملين اليوم في هذه المحافظة الخضراء التي تستقطب الاف السائحين بل أضعاف مضاعفة في كل يوم على عتبات أبواب الاقتصاد الذي نحتقر النظر اليه فبات اليوم قطاع مهم فبيع اللحوم او المشكاكيك وبيع الحليب والاطعمة .. وغيرها من ألعاب الأطفال في مواقع سياحية مثل سهل اتين وعين جرزيز وعلى بوابة ضريح النبي أيوب وعلى مشارف جبال صحلنوت الخضراء والتي ما سلمت حتى من بيع دواء البعوض ومراهمه، وحينما تصطف الاف السيارات تأخذ أدوراها في الحصيلة لاقتناء المشلي والنارجيل (جوز الهند) والليمون والمانجو والبيذام العماني وقصب السكر والموز بأنواعه والذي شكل لوحة ساحرة على مداخل تلك الحصيلة التي يذهب ريعها الى جيوب أخرى فمن يتفكر اليوم فيما يحصد هؤلاء من أموال فهل يظن أنه عاجز عن أداء مثل هذه الاعمال التي ليس فيها عناء ولا نصب بل ترويح عن النفس وكسب للرزق.
على كل حال نتساءل عن العقول المدبرة لهذه المحافظة خاصة وباقي المحافظات عامة عن مدى قدرتها على احتواء مثل هذه الازمة الصماء التي لا نشعر بها اليوم في ظل السكوت الحاد وتواصل المشوار من اليد العاملة الوافدة التي تحصد الملايين لدرجة انها باتت تتحكم في الأسعار وتسيطر على المواقع وتنهش الأخضر واليابس فتتواجد في كل بقعة نولي لها، أليس بمقدورنا تعزيز أدوار المؤسسات العمانية الصغيرة والمتوسطة على إدارة مثل هذه المشاريع أكشاك النارجيل والذبح والسلخ وشوي اللحوم وبيع الحليب، وتنظيف المواقع واستقبال السائحين، وذلك بتوظيف الباحثين عن عمل ولو في فترات الخريف بعد تكوينهم تكوينا عمليا في إدارة الاعمال الصغيرة والتي لا تتطلب جهدا او وقتا لذلك.
على كل حال .. من اتكل على زاد غيره، زاد جوعه ومن عجز عن كسب رزقة بيده، اتكل على زاد غيره، وهذا النص ليس الا نقد بناء يهدف إلى إصلاح ما أفسد الدهر في أبنائنا .. وعلينا أن نشد وثاق حبل البعير حتى لا يرعى من حيث يشاء ولا نطلق له الحبل على غاربه وأن يصبح للمؤسسات العمانية تواجداً قوياً في مثل هذه المواسم، وفي ذلك فليتفكر أولو البصائر والألباب.
*dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى