الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى : نوايا اليونسكو الحسنة لا تكفي لحماية الذاكرة السورية

رؤى : نوايا اليونسكو الحسنة لا تكفي لحماية الذاكرة السورية

يوم 12 مارس الماضي أصدرت منظمة الأمم المتحدة بيانا نددت فيه باستخدام بعض الأطراف المتحاربة في سوريا لمواقع مدرجة على لائحة التراث العالمي كأهداف عسكرية، البيان أشار تحديدا إلى قلعة الحصن بريف حمص، وتدمر وكنيسة مار سمعان ومدينة حلب وقلعتها، أهذا كل ما تقدر عليه المنظمة الدولية لمواجهة تلك الحرب الغبية على الذاكرة السورية؟
بالطبع لا، فالبيان طالب جميع أطراف النزاع إلى وضع حد فوري لتدمير التراث !
لكن منذ عدة أيام اتخذت منظمة اليونسكو خطوة متقدمة، تتجاوز التنديد والمناشدة، حيث وضعت خطة لحماية الآثار السورية بتمويل من الاتحاد الأوروبي تطبق خلال ثلاث سنوات، وترمي إلى نزع السلاح من المواقع الأثرية المهددة ومحاربة تهريب الآثار، الخطة تعتمد على “تمويل أولي بقيمة مليوني ونصف مليون يورو 3.4 مليون دولار، وفق تصريحات المدير المساعد لشؤون الثقافة بالمنظمة فرنسيسكو بندارين في أعقاب اجتماع في مؤتمر استمر يومين لخبراء من أطراف الصراع في سوريا، بالإضافة إلى مسئولين دوليين .
وخطة مثل هذه تتكئ على قدرة المنظمة الدولية في اقناع الأطراف المتحاربة باستبعاد المواقع الأثرية في سوريا من حساباتهم العسكرية، فلا تتخذ كمواقع للتحصن بداخلها ولا كأهداف للقصف، وهذا ما تفعله المنظمة الآن، ممارسة “الضغط” على فرقاء الصراع للنأي بأسلحتهم وصراعاتهم عن المواقع الأثرية، كقلعة الحصن التي تتعرض للقصف بسبب تحصن مسلحي المعارضة داخلها، وبالطبع لا أرى أن استخدامي لكلمة “الضغط” يتسم بالدقة، فأي أوراق تملكها اليونسكو تجعل صوتها مسموعا وسط ضجيج المدافع ! لا شيء سوى الحديث عن أهمية التراث كذاكرة للأمم، فهل يمكن لأطراف ترى في التراث كفرا ووثنية أن تنصت لكلام مثل هذا ؟! وهل يمكن للبشرية أن تغفر لهم ما فعلوه بشاعرنا وفيلسوفنا العملاق أبي العلاء المعري ؟
في فبراير من العام الماضي ؟! لقد أطاحوا برأسه وأسقطوه من قاعدته في بلدة معرة النعمان في شمال سوريا، إن هذه الجماعات في ظل افكار مغلوطة تدمر الحاضر، وتغلق الطريق نحو المستقبل، فهل يمكن أن تبصر أية أهمية للماضي!
لكن المخاطر التي تهدد التراث السوري ليست فقط رهنا بالتدمير، بل أيضا بعملية النهب والتخريب والتهريب.
ويقول بندارين إن التنقيب غير القانوني عن الآثار يحدث في مدينة ماري السومرية القديمة ومدن إيبلا وتدمر وأفاميا. وقد انتهت عمليات التنقيب في المواقع الأثرية بالتدمير الكامل للموقع مثلما حدث في مدينة أفاميا التي دمرت تماما”.
والتخريب والنهب لا يمارسه فقط مافيا الآثار العالمية، بل أيضا الجماعات المسلحة المنغمسة في الصراع العسكري في سوريا، فإن كانت هذه الجماعات لا تؤمن بأهمية هذا التراث، إلا أنها قد تراه سلعة ثمينة في أسواق الآثار السرية العالمية مما يدر عليها ملايين الدولارات.
وهذا ما كشف عنه تقرير أعدته مجموعة من علماء الآثار السوريين والأجانب وسلم لعدد من المنظمات الدولية، حيث حذر من استهداف لبعض المواقع وعمليات نهب للآثار، مثل قلعة الفرسان والتي تعتبر من بين أفضل القلاع الصليبية المحفوظة في العالم، فقد قام مسلحون باقتحامها وطرد الموظفين منها وشرعوا في تنفيذ حفريات فيها، وهذا ما أكده مدير دائرة الآثار والمتاحف بدمشق بسام جاموس، حين قال إن جماعة مسلحة هاجمت أحد المتاحف في حماة وسرق أفرادها تمثالا نادرا من الذهب يعود إلى الحقبة الآرامية، لذا تسعى منظمة اليونسكو إلى إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي ينص على حماية التراث السوري المهرب عبر منع بيعه ونقله، كما تأمل في حماية التراث غير المادي للشعب السوري، كالموسيقى والمسرح والفن والصناعة الحرفية والمطبخ التقليدي.
إلا أن المشكلة الكبرى في مأساة التراث السوري تتجسد في عملية التدمير الشاملة نتاج استمرار قصف المدافع والصواريخ ، وفي مقال له بصحيفة إندبندنت البريطانية يقول الكاتب روبرت فيسك : إن التقارير الواردة من أنحاء سوريا تتحدث عن دمار يتعذر إصلاحه لحق بالمواقع الأثرية التي “لا نظير لها في الشرق الأوسط”.
حتى قلعة الحصن المهيبة ـ التي وصفها لورنس العرب بأنها “ربما تكون أفضل القلاع الباقية في العالم وأروعها” ـ تعرضت للقصف.
ويلقي خبير الآثار الألماني مأمون فنصة “من أصل سوري” بظلال من التشاؤم على الشأن التراثي في سوريا فهو يرى أن مدينة حلب فقدت جزءا كبيرا من هويتها وشخصيتها الحضارية، مشيرا إلى صعوبة ترميم ما دمر لأسباب مادية وأخرى بشرية، حيث إن ترميم المواقع الأثرية التي دمرت تحتاج إلى مليارات الدولارات، وفترة زمنية طويلة.
ويقدر”فنصة” أن ترميم الآثار التي تعرضت للتخريب في حلب قد يحتاج ما بين عشرين إلى ثلاثين مليار يورو، ولفترة زمنية بين خمس وعشر سنوات.
وهذا أحد الوجوه القاتمة في مأساة التراث السوري، فإن وضعت الحرب أوزارها، فالأولوية ستكون لتوفير الخبز والمأوى والمدرسة والمستشفى لملايين السوريين، فمن أين يمكن تدبير مليارات الدولارات لإعادة ترميم ما خربته الحرب الغبية ،؟
ويشير “فنصة” إلى أن هناك سبعة مواقع مهمة تمثل روح حلب القديمة تعرضت لتدمير كامل أو جزئي، أهمها الجامع الأموي الذي احترق قسم كبير من فنائه الداخلي في نوفمبر عام 2012 ودُمر الكثير من أجزائه أيضا وانهارت مئذنته في أبريل 2013.
أما البازار الذي تعود جذور تأسيسه للعهد الهلنستي في الوقت الذي اكتسب هويته وشخصيته المعمارية من الحقبة البيزنطية، ويبلغ طوله مع تفرعاته حوالي 12 كيلومترا، فقد أتى حريق هائل خلال الحرب الأهلية على قسم كبير منه، مما أدى إلى انهيار نحو 60 % منه.
أما دار الجوازات ـ التي تعود إلى نهاية القرن الــ19، وسبق ترميمها بدعم من مؤسسة الأغا خان فقد لحق بها الدمار، أما المساجد والجوامع القديمة فقد تضرر ما يقارب 35 مسجدا ، بينها مئذنة جامع “المهمندار”، التي تعد فريدة من نوعها في سوريا وتعود للقرن الـ13، وتظهر التأثر بفن العمارة والزخرفة في سمرقند، كما حصد الدمار ما يقارب 50% من البيوت القديمة التي يبلغ عددها حوالي 6000 ويعود تاريخ بنائها إلى ما بين القرنين 14 و18.
والحكومة السورية ـ رغم انشغالها في الصراع العسكري ـ إلا أنها تدرك جيدا أهمية حماية التراث، خاصة أن الكارثة التي تعرض له التراث العراقي عقب الغزو الأميركي، حين نهبت المتاحف ودمرت الآثار مازال ماثلا للعيان، وقد أبلغت دمشق اليونسكو
أنها أخلت 24 متحفا ونقلت عشرات الآلاف من القطع الأثرية التي تغطي 10 آلاف سنة من عمر حضارة البلاد إلى أماكن آمنة ، كما تم إنقاذ منبر الجامع الأموي وإخفاؤه بعيدا عن أعين أعداء الحضارة ولصوصها، ” ثمة مصادر تشير إلى أن هذه الأماكن الآمنة قد تكون مخازن في البنك المركزي ”
على أية حال، وكما قلت في مقال سابق، حماية التراث السوري قد يكون في حاجة إلى ما هو أكثر من “ضغوط” اليونسكو، وهي في الحقيقة ليست ضغوطا بقدر ما يمكن وصفها بالنوايا الحسنة التي تترجم إلى إجراءات لا يتوقع أن تثمر عن الكثير، حماية التراث السوري، بل والتراث في العديد من دول العالم التي تشهد اضطرابات في حاجة إلى قمة عالمية، تنتهي بقرارات ملزمة، لجميع الدول العالم لحماية التراث السوري وأي تراث آخر مهدد بالتدمير أو النهب من قبل مافيا الآثار الدولية، مع تأسيس صندوق تحت إشراف منظمة اليونسكو لجمع ما يلزم من أموال لإعادة ترميم ماخرب ودمر، وأظن أن اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، يمكن أن يتيح الفرصة لعقد تلك القمة .

محمد القصبي

إلى الأعلى