الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل تغدو الصين القوة الاقتصادية العظمى في العالم؟

هل تغدو الصين القوة الاقتصادية العظمى في العالم؟

جواد البشيتي

”الصين وروسيا كانتا في غَفْوَة؛ ويبدو أنَّهما قد أفاقتا من غَفْوَتهما؛ وقَبْل أنْ تَفيقا، قال وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق (ومستشار الأمن القومي) هنري كيسنجر: “ما أنْ تَفيق الصين وروسيا من غَفْوَتيهما حتى يقع الانفجار العظيم؛ وستكون حربًا لن تنتصر فيها إلا قوَّة واحدة هي الولايات المتحدة”؛ أمَّا الرئيس أوباما فأعلن أنَّ الولايات المتحدة ستقود العالَم حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.”

سنة 1989، تبادلت الصين والرأسمالية الغربية الإنقاذ. وعلى ما قال وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد ميليباند، مُحْسِنًا الوصف والمقارنة، أنقذت الرأسمالية الصين إذ سَمَحَ نظامها الشيوعي لاقتصادها بتناول ما يشبه الفيتامين الرأسمالي، أي بالتزاوج مع شيء من نظام السوق الحرَّة، فشرع ينمو نموًّا تسبَّب بتنامي القلق الغربي (الرأسمالي) من المارد الصيني (الاقتصادي والديمغرافي والحضاري..) الذي خرج من قمقمه؛ أمَّا في سنة 2009 فظَهَر المُنْقَذ الصيني على أنَّه المُنْقِذ للرأسمالية الغربية من أزمتها المالية والاقتصادية الكبرى؛ وقد (بل سوف) يكتب التاريخ سنة 2009 أنقذت الصين النظام الرأسمالي العالمي.
والولايات المتحدة ما عاد لديها من خيار غير تجرُّع تلك الحقيقة الصينية المرَّة المذاق في فمها، فإنَّ وزيرة خارجيتها الأسبق مادلين أولبرايت اعترفت بهذه الحقيقة إذ قالت: كانت الولايات المتحدة قوَّة اقتصادية عظمى في نهاية القرن المنصرم؛ وقد شرعت الصين تتحوَّل إلى قوَّة اقتصادية عظمى في القرن الحادي والعشرين؛ أمَّا الخبير الاستراتيجي مارتن جاك (مؤلِّف كتاب عندما تحكم الصين العالم) فيؤكِّد أنَّ الدولار سيخلي المكان للعملة الصينية (اليوان) وستتلوَّن، من ثمَّ، الحضارة الغربية بلون الحضارة الصينية العريقة. إنَّ اقتصاد الصين العظيم المتعاظِم، بفضل مزاوجته بين مزايا الاقتصاد الاشتراكي ومزايا اقتصاد السوق الحرَّة، يقوم على التصدير، متَّخِذًا من الولايات المتحدة سوقًا كبرى لصادراته. ويُظْهِر هذا الاقتصاد، في نموِّه, ميلًا إلى زيادة الصادرات وتقليل الواردات، وإلى (من ثمَّ) بقاء كفَّة الصادرات راجحةً دائمًا على كفَّة الواردات.
وتوصُّلًا إلى ذلك, تصارع الصين من أجل المحافظة على رخص سعر صرف عملتها (اليوان) نسبةً إلى الدولار، وغيره من العملات الصعبة. ومع اجتماع هذين العاملين (زيادة الصادرات ورخص اليوان الذي أصبح منذ سنة 1996 قابلًا للتحويل) ينمو، ويزداد نموًّا، احتياط الصين من القطع النادر، وهو الآن الأعلى عالميًّا. وللصين مصلحة حيوية في أن يستمر المُنْفِقون في الولايات المتحدة وأوروبا في إنفاقهم، فهؤلاء المُنْفِقون، أو المُسْتَهْلكون، كانوا يضخُّون، قبل الأزمة المالية العالمية، أكثر من 9.5 تريليون دولار سنويًّا في الاقتصاد العالمي، ممكِّنين، صناعات التصدير الصينية من النمو. إنَّ المُنْفِقين المُسْتَهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا هم المحرِّك للنمو الاقتصادي العالمي.
قوام السياسة الاقتصادية للدولة الصينية هو تشجيع التصدير، مع ما يستلزمه ذلك من جهد دائم للإبقاء على سعر صرف العملة الصينية منخفضًا. وهذا التخفيض المصطنع يتسبَّب برفع أسعار السلع الأجنبية في السوق الصينية، فيتقلَّص حجم الاستيراد، ويزداد الادِّخار من ثمَّ.
وبسبب فائضها المالي الضخم، والمتأتي من تفوُّق حجم الادِّخار لديها على حجم الاستثمار، أصبحت الصين من كبار الدائنين للولايات المتحدة.
الصين تبيع للولايات المتحدة بضائع، فيتراكم النقد الورقي (الدولار) لهذا الشاري عندها؛ فهل تشتري به بضائع من الولايات المتحدة؟
كلَّا، لا تشتري. إنَّها تشتري به سنداتها، أي تحوِّله إلى ديون على الولايات المتحدة.. إلى ما يشبه الودائع. وإذا أحجمت الصين عن شراء السندات تفقد حكومة الولايات المتحدة مُقْرِضًا كبيرًا لها؛ أمَّا إذا أرادت الصين التخلُّص من تلك السندات، أو من بعضها، فلن تحصل في مقابلها على ذهب من الولايات المتحدة، وإنَّما على الورقة الخضراء، أي الدولار، فحسب. ويمكنها، عندئذٍ، أن تشتري بالدولار بضائع من الولايات المتحدة، أو غيرها.
دول الاتحاد الأوروبي هي الآن في تبعية قوية للغاز الروسي؛ والغاز على ما نَعْلَم هو لغة القرن الحادي والعشرين في مجال الطاقة؛ أمَّا روسيا فتستورد كثيرًا من السلع الأوروبية؛ ولو لم تكن الصين بهذه الأهمية العالمية في صُنْع وتصدير البدائل من البضائع والسلع الأوروبية، والغربية على وجه العموم، لَمَا تجرَّأت روسيا على استعمال ورقتها الغازيَّة القوية في ممارسة الضغوط على الأوروبيين، والغرب عمومًا؛ فهي الآن تستطيع إحلال المُسْتَهْلِك الصيني محل المُسْتَهْلِك الأوروبي لغازها، وإحلال البضاعة الصينية محل البضاعة الأوروبية في أسواقها؛ لكنَّ لاقتصاد الصين نقطة ضعفه، وهي الطاقة النفطية، فهذه الطاقة، التي من دونها لا تدور عجلة الاقتصاد الصيني، وصناعاته التصديرية على وجه الخصوص، هي السلعة الأهم في الواردات الصينية.
واحتياج الصين المتزايد إلى الطاقة النفطية والغازية الأجنبية هو النابض الخفي لسياستها الخارجية، ولنشاطها الدبلوماسي. وتنافِس الصين الولايات المتحدة على المرتبة الأولى عالميًّا في استهلاك النفط، فهي الآن الثانية، عالميًا، بعد الولايات المتحدة في استهلاك النفط.
سنة 2002 قرَّر الحزب الشيوعي الصيني السماح للمستثمرين الصينيين (أي الرأسماليين الصينيين) بالانتماء إليه.
وبعد نشوب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، عرفت الصين نموًّا لم يسبق له مثيل في عدد أثريائها، وحجوم ثرواتهم، فالصين اليوم هي الثانية بعد الولايات المتحدة لجهة عدد الأثرياء الذين يملكون ثروات دولارية بليونية.
سنة 2009 عرفت ثروات الأثرياء في الغرب الرأسمالي تآكلًا لم تعرفه من قبل؛ أمَّا في الصين، وفي السنة نفسها، فزاد عدد الأثرياء، وزادت ثرواتهم. وثُلْث هؤلاء هم الآن أعضاء في الحزب الشيوعي الحاكم.
اقتصاد الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) إذا تباطأ نموه شرعت اقتصادات العالَم تسير في مسارٍ هابط، واستبدَّ الذعر بالأسواق المالية العالمية.
لقد تباطأ النمو الاقتصادي في الصين، وهبطت أسعار الأسهم الصينية هبوطًا هو الأسوأ منذ 2007، فاتَّسَع وتَعاظَم بيع الأسهم في الأسواق العالمية، فهبطت وانهارت أسعارها، وتكبَّدت هذه الأسواق، من ثمَّ، خسائر كبيرة؛ وكان السبب هو خشية المستثمرين من أنْ يتسبَّب تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين (وهي ثاني أكبر مُصَدِّر للسلع والخدمات في العالَم) بهبوط في سائر اقتصادات العالَم.
الصادرات الصينية في أزمة؛ فتصريف السلع الصينية في الأسواق العالمية يُواجِه الآن صعوبة؛ ومع انكماش الصادرات الصينية لا بدَّ للقطاع الصناعي الصيني من أنْ ينكمش هو أيضًا؛ وقد انكمش. إنَّ اشتداد صعوبة تصريف السلع الصينية في الأسواق الخارجية يتسبَّب بتراجع الإنتاج الصناعي؛ وهذا التراجع يتسبَّب بتراجع التوظيف والتشغيل والاستثمار، وبتراجع الطلب الصيني على الطاقة، فيَعْظُم الهبوط في أسعار النفط.
الصين وروسيا كانتا في غَفْوَة؛ ويبدو أنَّهما قد أفاقتا من غَفْوَتهما؛ وقَبْل أنْ تَفيقا، قال وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق (ومستشار الأمن القومي) هنري كيسنجر: “ما أنْ تَفيق الصين وروسيا من غَفْوَتيهما حتى يقع الانفجار العظيم؛ وستكون حربًا لن تنتصر فيها إلا قوَّة واحدة هي الولايات المتحدة”؛ أمَّا الرئيس أوباما فأعلن أنَّ الولايات المتحدة ستقود العالَم حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.
وكانت روسيا والصين قد قرَّرتا التأسيس لسوق جديدة في القَلْب من آسيا، وإحياء “طريق الحرير (البرِّي عَبْر آسيا)”؛ وربما تنضم إليهما بقية دول “بريكس”، أيْ البرازيل والهند وجنوب إفريقيا؛ ومستقبلًا، يمكن أنْ نرى انضمام دول أخرى تَشْعُر أنَّها متضرِّرة اقتصاديًّا وسياسيًّا من نظام دولي سياسي واقتصادي تُهَيْمِن عليه، وتتحكَّم فيه، الولايات المتحدة.
وهذا القرار وُصِف بأنَّه “قنبلة”، فجَّرَتْها روسيا والصين، ولسوف تصيب مقتلًا من الدولار بصفة كونه العملة الدولية الأولى، والعملة التي بها وحدها يُسعَّر النَّفْط وغيره من السِّلَع الاستراتيجية؛ فالعملات القومية (وفي مقدمها العملتين الروسية والصينية) يمكن أن تَحِلُّ محل “الورقة الخضراء” في التجارة بين دول هذه “السوق الإقليمية (أو شبه الدولية)”؛ و”الضربة الكبرى” ستُصيب نظام “البترودولار”؛ فتجارة النفط والغاز بين هذه الدول لن تكون بالدولار.

إلى الأعلى