الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة .. دور المجتمع في حفظ مقومات البلد

خطبة الجمعة .. دور المجتمع في حفظ مقومات البلد

سفينة وطنكم المبارك بحاجة إلى تعاونكم جميعًا حتى تقطع في ثباتٍ عُباب كل أمواج الاضطرابات والمحن والفتن

الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْبَغَ عَلَيْنَا النِّعَمَ، وَزَانَنَا بِالخَيْرِيَّةِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَنَا بِالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ سَعَادَتَنَا فِي الدُّنيَا وَفَلاحَنَا فِي العُقْبَى، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَنَى أُمَّةً أَسَاسُهَا الإِيمَانُ، وَقِوَامُهَا الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ وَالعُدْوَانِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر ـ 18)، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَكْرَمَ هَذِهِ الأُمَّةَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأُمَمِ بِأَنْ جَعَلَهَا فِي قِمَّةِ هَرَمِ الخَيْرِيَّةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ( (آل عمران ـ 110) وَلَنْ تَتَحَقَّقَ هَذِهِ الخَيْرِيَّةُ إِلاَّ بِالإِيمَانِ الَّذِي يَصْحَبُهُ أَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ، فَبِهِ سَلامَةُ المَجْتَمَعِ وَنَجاتُهُ، وَلِذَلِكَ ضَرَبَ نَبِيُّكُمْ مَثَلاً رَائِعًا عَلَى أَهَمِّيَّةِ الائْتِمارِ بِالمَعْرُوفِ وَالأَخْذِ عَلَى يَدِ المُسِيءِ فَقَالَ (صلى الله عليه وسلم):(مَثَلُ القَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْـفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْـفَلِهَا إِذَا استَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوقَنَا؟ فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا وَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا).
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ سَفِينَةَ وَطَنِكُمُ المُبَارَكِ بِحَاجَةٍ إِلَى تَعَاوُنِكُمْ جَمِيعًا حَتَّى تَقْطَعَ فِي ثَبَاتٍ عُبَابَ كُلِّ أَمْوَاجِ الاضْطِرَابَاتِ وَالمِحَنِ وَالفِتَنِ، وَتُحَافِظَ عَلَى تَقَدُّمِهَا وَازْدِهَارِهَا وَاستِقْرَارِهَا، وَيَتَمَثَّلُ هَذَا التَّعَاوُنُ فِي الحِفَاظِ عَلَى قِيَمِ الوَطَنِ وَأَخْلاقِهِ، وَتَفْعِيلِ أُسُسِ المُوَاطَنَةِ الصَّالِحَةِ، وَلَقَدْ وُضِعَتْ بَعْضُ القَوَانِينِ المُلْزِمَةِ مُسْـتَمَدَّةً مِنْ شَرْعِ اللهِ القَوِيمِ، سَعْـيًا لِمَنْعِ كُلِّ صُوَرِ الفَسَادِ وَالإِفْسَادِ، فَلا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ أَنَّ فِي التِزَامِهِ بِنَفْسِهِ بِتِلْكَ القَوَانِينِ وَالأَنْظِمَةِ كِفَايَةً وَغِنًى، بَلْ وَاجِبُ الفَرْدِ يَتَعَدَّى ذَلِكَ، بِأَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدِ المُخَالِفِينَ، وَيَكْشِفَ فَسَادَ المُفْسِدِينَ، وَيُنَبِّهَ عَلَى انتِهَاكِ المُنْتَهِكِينَ، وَيُحَذِّرَ إِخْوَانَهُ مِنَ اتِّبَاعِ دَعَاوَى المُرْجِفِينَ؛ عِنْدَهَا سَنَنْتَقِلُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مِنْ مَحْدُودِيَّةِ الصَّلاحِ، إِلَى أُفُقِ الإِصْلاحِ، وَبِذَا َيَنْجُو المُجْـتَمَعُ مِنْ مَهَاوِي الهَلاكِ وَأَسْبَابِ العَطَبِ. يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (المائدة ـ 105)، وَإِنَّا سَمِعْـنَا رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) يَقُولُ:)إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ(، وَقَدْ سَأَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ يَوْمًا رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): أَنُهْـلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ:(نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)، فَصَلاحُ البَعْضِ مَعَ كَثْرَةِ الخَبَثِ لا يُغْنِي شَيِئًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ تَرْكِ الإِصْلاحِ، بَيْنَمَا يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَمَا يَكُونُ لِلإِصْلاحِ وُجُودٌ وَأَثَرٌ:(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود ـ 117) وَفِي خَبَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِبْرَةٌ وَعِظَةٌ، فَعِنْدَمَا تَرَكُوا الإِصْلاحَ وَالتَّنَاصُحَ وَالأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ شَمِلَهُمُ الهَلاكُ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ:(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة 78 ـ 79).
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ مِنَ القَضَايَا الَّتِي تَتَّصِلُ بِأَمْنِ الوَطَنِ وَاستِقْرَارِهِ قَضِيَّةَ المُتَسَلِّلِينَ وَالمُهَرِّبِينَ، فَالمُتَسَلِّلُ يَدْخُلُ أَرْضَ الوَطَنِ بِغَيْرِ صِفَةٍ قَانُونِيَّةٍ، وَمَنْ يَكُنْ هَذَا حَالَهُ فَلَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ وَغَايَتُهُ نَبِيلَةً بِلا شَكٍّ، وَالمُهَرِّبُ يَسْعَى إِلى إِدْخَالِ مَوَادَّ وَسِلَعٍ لا يَسْمَحُ بِهَا القَانُونُ لِضَرَرِهَا وَخَطَرِهَا كَالمَوَادِّ المُسَبِّبةِ لِلإدْمانِ وَالمُخَدِّرَاتِ؛ فَالفَسَادُ المُتَرَتِّبُ إِذَنْ عَلَى دُخُولِ المُتَسَلِّلِينَ وَنَشَاطِ المُهَرِّبِينَ فَسَادٌ عَظِيمٌ يَنَالُ مِنْ أَمْنِ المُجْـتَمَعِ وَنَقَائِهِ وَاستِقْرَارِهِ. إِنَّ الوُقُوفَ فِي وَجْهِ هَؤُلاءِ وَالحَدَّ مِنْ إِفْسَادِهِمْ لَيْسَ هُوَ وَاجِبَ رِجَالِ الأَمْنِ وَسُلُطَاتِ القَضَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَاجِبُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا، أَنْ يَكْشِفَ عَمَلَهُمْ مَتَى مَا عَلِمَهُ، وَيُنَبِّهَ عَلَى خَطَرِهِمْ مَتَى مَا أَدْرَكَهُ وَفَهِمَهُ، لِيَكُنْ هُوَ عَيْنَ القَانُونِ الحَارِسَةَ، وَلْيَحْذَرِ الحَذَرَ كُلَّهُ مِنْ أَنْ يَمُدَّ لَهُمْ يَدَ عَوْنٍ مَهْمَا رَآهُ صَغِيرًا، أَوْ يُسَهِّلَ لَهُمْ أَمْرًا مَهْمَا رَآهُ حَقِيرًا؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ غِشًّا لِلوَطَنِ وَخِيَانَةً لِلدِّينِ (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (هود ـ 113)، وَمِنَ القَضَايَا الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَمْنِ الوَطَنِ وَسَلامَتِهِ كَذَلِكَ، وَالَّتِي يَجِبُ أَنْ نَعْمَلَ مَعًا لِلوُقُوفِ فِي وَجْهِهَا، قَضِيَّةُ الهَارِبِينَ مِنَ العَدَالَةِ؛ وَلا يَهْرُبُ مِنَ العَدَالَةِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ إِلاَّ مُجْرِمٌ يَعْـلَمُ فَظِيعَ صُنْعِهِ، أَوْ مُتَّهَمٌ يَعْـلَمُ حَقِيقَةَ جُرْمِهِ، فَعَدَمُ مُثُولِ أَمْـثَالِ هَؤُلاءِ أَمَامَ العَدَالَةِ يَعْـنِي انتِشَارًا لِلجَرِيمَةِ وَتَشْجِيعًا عَلَى الإِجْرَامِ، وَلا يَهْرُبُ مِنَ العَدَالَةِ هَارِبٌ إِلاَّ وَهُنَاكَ مَنْ يَتَسَتَّرُ عَلَيْهِ وَيُؤْوِيهِ، وَكُلٌّ مُشْتَرِكٌ بِذَلِكَ فِي الجَرِيرَةِ، وَهُوَ لا شَكَّ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ الَّذِي نَهَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة ـ 2)، وَفِي الحَدِيثِ عَنِ الرَّسُولِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:)لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا).
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْـنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَعَاوَنَ لِمُكَافَحَتِهَا، وَتَنْقِيَةِ هَذَا الوَطَنِ العَزِيزِ مِنْهَا، ظَاهِرَةَ مُخَالَفَةِ قَانُونِ العَمَلِ وَالإِقَامَةِ، وَتَتَمَثَّلُ تِلْكَ المُخَالَفَةُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا أَنْ يَعْمَلَ الوَافِدُ إِلَى البَلَدِ فِي غَيْرِ الوَظِيفَةِ أَوِ المِهْـنَةِ المُصَرَّحِ لَهُ بِالعَمَلِ فِيهَا، أَوْ أَنْ يَعْمَلَ لِحِسَابِ غَيْرِ وَلِيِّ عَمَلِهِ وَالكَافِلِ لَهُ، أَوْ أَنْ يَعْـمَلَ مِنْ غَيْرِ إِقَامَةٍ قَانُونِيَّةٍ. وَأَمْـثَالُ هَذِهِ المُخَالَفَاتِ – عِبَادَ اللهِ – أَدَّتْ إِلَى مَفَاسِدَ لا يُسْـتَهَانُ بِهَا، فَوُجِدَتِ العَمَالَةُ الهَارِبَةُ، وَتَمَّتْ مُزَاوَلَةُ أَعْمَالٍ حَسَّاسَةٍ مِنْ غَيْرِ أَكْفَاءٍ أَوْ مِمَّنْ لا تَرْخِيصَ لَهُ، وَظَهَرَ التَّسَيُّبُ العُمَّالِيُّ الَّذِي يُعَدَّ مِنْ أَسْبَابِ الجَرِيمَةِ، وَهَذَا جَمِيعُهُ يُسَبِّبُ التَّأَزُّمَ الاقْتِصَادِيَّ وَالأَمْـنِيَّ فِي البَلَدِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَافِظُوا عَلَى صَلاحِ وَطَنِكُمْ وَرُقِيِّهِ، وَلْتَعْـلَمُوا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنَّا عَلَى ثَغْرَةٍ مِنْ ثَغَرَاتِهِ فَلْيَحْـذَرْ مِنْ أَنْ يُؤْتَى الوَطَنُ مِنْ قِبَلِهِ، وَلْنَتَعَاوَنْ عَلَى دَرْءِ الفِتَنِ عَنَّا (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الانفال ـ 25).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ ذِي البَسْطِ وَالقَبْضِ، وَالرَّفْعِ وَالخَفْضِ، القَائِلِ سُبْحَانَهُ: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّـهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة ـ 251)، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ المُؤْمِنِينَ إِخْوَةً مُتَحَابِّينَ، وَعَلَى الخَيْرِ مُتَعَاوِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَيَّنَ أَنَّ لِلمُسْـلِمِ كِيَاسَةً وَفَطَانَةً، تُزَيِّنُ صَلاحَهُ وَإِيمَانَهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنَ القَضَايَا الَّتِي لا بُدَّ مِنْ تَكَاتُفِ أَبْـنَاءِ المُجْـتَمَعِ فِي الوُقُوفِ ضِدَّهَا قَضِيَّةَ المُتَسَوِّلِينَ، لَقَدْ عَمِلَتِ الدَّولَةُ عَلَى إِيجَادِ مُؤَسَّسَاتٍ خَيْرِيَّةٍ تَرْعَى المُحْـتَاجِينَ وَتَقِفُ عَلَى شُؤُونِهِمْ وَتُلَبِّي مُتَطَلَّبَاتِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ جَعَلَ التَّسَوُّلَ لَهُ مِهْـنَةً، مُتَّخِذًا تَعَاطُفَ العَامَّةِ وَحُسْنَ نِيَّاتِهِمْ مَطِيَّةً إِلَى الكَسْبِ المَيْسُورِ، بَلْ لَرُبَّمَا وُجِدَتْ تَنْظِيمَاتٌ خَفِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى التَّسَوُّلِ وَنَشْرِ المُتَسَوِّلِينَ، وَالمُسْـلِمُ كَيِّسٌ فَطِنٌ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فَلا يَنْسَاقُ خَلْفَ مُتَطَلَّبَاتِ هَؤُلاءِ، وَلا تَدْفَعُهُ العَاطِفَةُ لِتَقْوِيَةِ نَشَاطِهِمْ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ بِحَزْمٍ أَمَامَ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَيُحَاوِلَ التَّوَاصُلَ مَعَ الجِهَاتِ المُخْتَصَّةِ بِمُكَافَحَةِ التَّسَوُّلِ مَتَى مَا رَأَى لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ وُجُودًا؛ وَقَرِيبًا مِنْ ظَاهِرَةِ التَّسَوُّلِ تَأْتِي ظَاهِرَةُ النَّصْبِ وَالاحتِيَالِ خَطَرًا عَلَى المُجْـتَمَعِ، تُقِضُّ رَاحَتَهُ وَتُهَدِّدُ أَمْـنَهُ، وَتَزْدَادُ تِلْكَ الخُطُورَةُ بِاستِغْلالِ كَثِيرٍ مِنَ المُحْـتَالِينَ التِّقْنِيَّةَ الحَدِيثَةَ وَتَطَوُّرَ وَسَائِلِ الاتِّصَالِ وَالتَّوَاصُلِ، وَوَاجِبُنَا أَنْ نَتَعَاوَنَ جَمِيعًا فِي الوُقُوفِ بِوَجْهِ المُحْـتَالِينَ، فَلا يَكْتَفِي الفَرْدُ بِأَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ وَيَصُونَ مِنْهُمْ حِمَاهُ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ، مَتَى مَا عَرَفَ مُخَطَّطَاتِهِمْ، مِنْ أَنْ يَكْشِفَ عُوارَهُمْ، وَيُحَذِّرَ إِخْوَانَهُ مِنْ خَطَرِهِمْ، لِيَكُونَ مِمَّنْ تَعَاوَنَ عَلَى البِرِّ، وَدَافَعَ الشَّرَّ، وَلَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) أَنَّهُ قَالَ:)مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ؛ إِلاَّ خَذَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ؛ إِلاَّ نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ(.
فَتَعَاوَنُوا ـ يَرْحَمُكُمُ اللهُ ـ عَلَى مَا فِيهِ صَلاحُكُمْ وَأَمَانُكُمْ، وحَافِظُوا عَلَى سَلامَتِكُمْ وَسَلامَةِ سَاكِنِي بَلَدِكُمْ، تَرْسُمُوا بِأَنْفُسِكُمْ مَعَالِمَ السَّعَادَةِ، وَتَصِلُوا بِوَطَنِكُمْ إِلى َالرِّفْعَةِ والرِّيادَةِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى