الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة الدولية من منظور إسلامي (3 ـ 4)

إذا نقض أهل الذمة العهد انتقض العهد في جميعهم من حيث المجموع ولو لم ينقض كل فرد العهد بمفرده

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (العدالة الدولية من منظور إسلامي) .. للدكتـور أحمـد أبو الوفـا ـ أستاذ القانون الدولي العام بكليـة الحقـوق ـ جامعـة القاهـرة.
4 ـ العدالة تجاه غير المسلمين تحتم تطبيق قاعدة:)لا عقاب على الأفعال المباحة في دينهم(: يعتبر ذلك تطبيقاً لقاعدة )أمرنا أن نتركهم وما يدينون(، وقاعدة (لكم دينكم ولي دين)، يقول النزوي: وإذا أصاب أهل الذمة حدوداً، أقامها عليهم بظاهر الأدلة، قال أصحابنا: يحكم الإمام عليهم فيها، بما عنده، من حكم الله، مما هم يحرمونه في دينـهم، وجاء في منهج الطالبين: وإذا زنا المجوسي ورفع ذلك إلى حكام المسلمين حكموا عليه بما أنزل الله، وإنما يهدر عنه حكم ما ركبوه على الدينونة منهم بركوبه، مثل تزويجهم الأمهات والبنات والأخوات على الدينونة منهم به، وهكذا فإن الأفعال المحرمة في دينهم، كالسرقة والقتل والزنا، يعاقبون على ارتكابها، أما تلك التي يعتقدون حلها: كشرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير فلا عقاب عليها لأنهم يعتقدون أنها حلال لهم، وقد راسل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الحسن البصري يسأله: ما بال الخلفاء الراشدين تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم، واقتناء الخمور والخنازير فكتب إليه: إنما يذلوا الجزية ليتركوا وما يعتقدون، وإنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام.
وقال الباحث: والعلة في عدم معاقبة غير المسلم على ما ارتكبه مما هو يستحله في دينه تكمن في: أننا أمرنا (أن نتركهم وما يدينون)، وأن ذلك ـ ما دام حلالًا في دينهم ـ يعني انهيار الركن المعنوي للجريمة لعدم توافر قصد ارتكاب الجرم، بل ـ بالعكس ـ الاعتقاد في إباحته وفقاً لمعتقداتهم، ففي هذا المعنى يقول الكندي بخصوص المجوس:(وإنما يهدم عنهم حكم ما ركبوه على الدينونة منهم بركوبه، مثل تزويجهم للأمهات والبنات والأخوات على الدينونة منهم به. وكذلك لو علم أن الزنا حلال في أصل ما دانوا به لو وضع عنهم الحكم فيه لأنهم إنما أخذت جزيتهم، وحقنت دماؤهم على أن يتركوا وما دانوا به)، كذلك قيل: ولا يقام على مشركي العرب حد الزنا لأنهم لا يدينون بتحريمه.
5 ـ مراعاة العدالة حتى فى حالة نقض العهد من جانب الطرف الآخر: اذا ارتبطت الدولة الاسلامية بمعاهدة دولية، وارتكب الطرف الآخر ما يشكل نقضا لها، فان ذلك لا يعنى اطلاق العنان لها فى رد الفعل، اذ عليها أن تضع دائما نصب أعينها العدالة فى رد الفعل.
واوضح الباحث بأن مظاهر العدالة فى هذا الخصوص كثيرة، نكتفى منها بذكر أمرين، هما: نقض العهد يسأل عنه فقط من ارتكبه: يحكم هذه المسألة قاعدتان في الفقه الإباضي (وبعض المذاهب الإسلامية الأخرى)، الأولى: قاعدة:(لا ينسب لساكت قول لكن السكوت في معرض البيان إقرار) (أو في المثال العامي في مصر «السكوت علامة الرضا»)، فمثلاً إذا نقض أهل الذمة العهد وسكت الباقون يعتبر سكوتهم نقضًا للعهد، لأن المقام مقام إنكار، فإن لم ينكروا اعتبروا مقرين بالنقض.
أما الثانية: قاعدة (الحكم الثابت في المجموع لا يوجب ثبوته في كل فرد) وبالتالي إذا نقض أهل الذمة العهد انتقض العهد في جميعهم من حيث المجموع ولو لم ينقض كل فرد العهد بمفرده لكن المجموع نقضوه فلم يعودوا آمنين على أموالهم ودمائهم بحكم ذلك العهد لأن الحكم هنا يثبت للمجموع، ومعنى ما تقدم إذن أن من ينقض العهد ينتهي العهد بالنسبة له، أما من يلتزم به فالعهد نافذ تجاهه، ويعد ذلك تطبيقًا لقاعدة عليا من قواعد الإسلام أعنى بها قاعدة أن (المسئولية شخصية) لأنه (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، فيجب مراعاة التقوى حتى عند نقض الطرف الآخر للمعاهدة: لا شك أن نقض أحد الأطراف للمعاهدة قد يؤدى إلى رد فعل غاضب من الطرف الآخر، ومن ثم فإن مراعاة التقوى في مثل هذا الموقف من شأنها منع مثل ذلك، فهي كالمكابح التى توقف أى تسرع أو تهور.
وقال: وقد أكد القرآن الكريم على مراعاة التقوى عند نقض العهد، من ذلك قوله تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) (التوبة ـ 7)، يقول أطفيش:(ومن الاتقاء الاستقامة لهم ما داموا مستقيمين، وقد استقام (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنون لقريش حتّى نقضوا العهد بإعانة بني بكر الذين في عهدهم على خزاعة الذين في عهده (صلى الله عليه وسلم)، ويقول سبحانه وتعالى أيضًا:(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) (التوبة ـ 4)، يقول أطفيش:(وإتمام مدتهم من التقوى وهو واجب وعدمه فسق، ولذلك ناسب ذكر التقوى هنا).
6 ـ مراعاة التثبيت فى الأمور الخاصة بالعلاقات الدولية: نظرًا لخطورة أي تصرف في العلاقات الدولية، يجب على السلطات الحاكمة عدم التسرع، إن أمكن، في رد الفعل. إنما يجب دراسة الأمور من جميع جوانبها، وتقليبها على كل مضاجعها حتى يلوح سبيل الرشاد، ويظهر التصرف الذي يتحتم اتخاذه فعلاً، ولم تغفل الشريعة الإسلامية هذا المبدأ الهام في الحياة الدولية المعاصرة، يقول سبحانه وتعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات ـ 6)، وسبب نزول هذه الآية ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجباية الصدقة، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي r خالد بن الوليد، وأمره أن يثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدًا أنهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى ما ذكروه، فعاد إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخبره فنزلت الآية، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء ـ 94)، وقد حدث أيضًا تطبيق عملي لمبدأ التثبيت في إطار العلاقات الدولية في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذلك أنه حينما بلغ الرسول (صلى الله عليه وسلم) نقض بني كعب للعهد، فقد بعث سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة وآخرين، وقال لهم:(انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فألحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس)، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين).
وقال: ولمبدأ التثبت آثاره الكثيرة في إطار العلاقات الدولية، والتى تتلخص كلها فى مراعاة العدالة وعدم ظلم الطرف الآخر، ومنها: عدم اتخاذ موقف أو رد فعل لا يتطابق والواقع الفعلي للحياة الدولية. مراعاة التناسب بين الموقف المتخذ والفعل الذي اتخذ تجاهه. عدم الغدر، ويبدو ذلك خصوصًا في إطار المعاهدات الدولية وذلك بعدم الإقدام على فسخها أو نقضها أو عدم تنفيذها ردًا على ما قام به الطرف الآخر إلا بعد التثبت من فعله.تحقيق الاستقرار والأمن القانوني في إطار العلاقات الدولية. تجنب الدولة المسئولية الدولية عن الأفعال التي قد تتخذها دون تثبت، والتي ستخالف، وفقًا للمجرى العادي للأمور، التزاماتها الدولية.تحاشي الآثار السيئة التي قد تترتب على عدم التثبت، في هذا المعنى يقول الثعالبي:(الملك القادر حقيق بالتأني في حكوماته والتثبت في عزماته؛ لأنه إن أنفذها على شبهة وأمضاها على نية لم يكن له دافع عنها ولم يخل أيضًا من مساعد عليها أما تعذر الدوافع فلقلة المجترئ عليها وأما تيسير المساعد فلكثرة التقرب إليه).
.. وللموضوع بقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى