الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الأخـوة الإيمانية (8)
جعل الله بلـوى الـدنيا لـثـواب الآخـرة سـبباً وثـواب الآخـرة مـن بـلـوى الـدنيا عـوضاً
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً عـن الأخـوة الإيمانية: فإنك إن استسلمت لـتـدبيـره عـلى هـذا النحـو، سـاق إلـيـك مـن وجـوه الإكـرام ما لا يخـطـرعـلى بالـك، وأعـطاك مـن الـمنـح والـمـنـن مالـم يـكـن لـديـك أمـل في نـيـلـه مـطـلـقـاً.
ولـعـل هـذا داخـل في معـنـى قـول الله تعالى:(وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..) (الطـلاق 2 ـ 3)، وقـوله تعالى:(.. وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ..) (الطـلاق ـ 3).
والحـديث الـقــدسي الـذي يـرويـه رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) عـن ربه عـز وجـل، هـو صـريح في هـذا الـمـعـنى واضـح الـدلالة عـليه وهـو:(مـن شـغـله ذكـري عـن مـسألتي أعـطيـته أفـضل ما أعـطـيه السائلـين).
فـائـدة:
قال النبي (صـلى الله عـليه وسـلم):(أيها الناس إن هـذه الـدار دار الـثـوى لا دار اسـتـوى، ومـنـزل تـرح لا مـنـزل فـرح، فـمـن عـرفـها لـم يـفـرح لـرخاء، ولا يحـزن لـشـقاء، ألا وإن الله تعالى خـلـق الـدنيا دار بـلـوى، والآخـرة دار عـقـبى، فـجـعـل بـلـوى الـدنيا لـثـواب الآخـرة سـبباً، وثـواب الآخـرة مـن بـلـوى الـدنيا عـوضاً، فـيأخـذ لـيعـطي ويـبتـلي ليجـزي، إنها لـسريعة الـذهـاب، وشـيكة الانـقـلاب، فاحـذروا حـلاوة رضـاعـها لـمـرارة فـطامها ، واحـذوا لـذيـذ عـاجـلها لـكـريه آجـلها، ولا تسـعـوا في تعـمـير دار قــد قـضى الله خـرابها، ولا تـوا صـلـوها وقـد أراد الله مـنـكـم اجـتنابها، فـتـكـونـوا لسـخـطـه مـتعـرضين ، ولـعـقـوبته مـسـتحـقـين).
ولا أتصـور أن ذاكـراً يـذكـر الله بحـق، دون أن يتـصـور بـين يـدي ذكـره لـه فاقـته وافـتـقـاره، بـل الـشـأن في الـذاكـر أنه كـلـما ازداد اسـتغـراقاً في ذكـره لله، ازداد شـعـورا ًويـقـيـناً بـذلـه وعـظـيم فـاقـته وفـقـره، وازداد مثـولاً بـين يـدي عـظـيم سـلطان الله وغـناه وعـزته وقـهـره، ثـم إنه يــزداد مـع الـذكـر ثـقة بلطـف الله وحـكمته ورحمته به، فـتـرقى به تلـك الحـال إلى الـتـفـويض والـتسـلـيم، مـوكـلاً تـدبـير أمـره إلى مـن بـيـده تـدبـير هـذا الكـون الـفـسيح كله، مـردداً قـول مـن قال عـن الله عـز وجـل.
ثـم إن الشأن فـيه إن وفــق للخـير وأجـرى الله عـلى يـديه فـضائل الأعـمال وتحلى بالخصال الحمـيـدة، أن يـزهى بنفـسه ويـرى الـفـضل في ذلك لـصـبره وجـهـوده، وآية ذلك أنه لـو قابـل مـن يتجـاهـل مـزاياه هـذه ويسـتخـف بها، يـرى في ذلك إيـذاء وأي إيـذاء له، ولـربـما قابـله بالـمـثـل عـقـاباً له وانتقـاماً مـنه، وآية ذلك أيضا أنه لا يشك في نفـسه، أنه قـد سـجـل لـنفـسه عـنـد الله مـن الـمثـوبة والأجـر عـلى طاعـاته وقـرباته مـا يضـمـن لـه الـنعـيم الـمـقـيم، والسـعـادة الأبـدية التي لا تشـوبها غـصة، وهـو إن لـم يـصـل إلى درجـة الـيـقـين بأنه سيـنال ذلك، لا يـقـصر في أن يـطـلب ذلك مـن الله تعالى، عـوضا عـن طـاعـاته وقـرباته التي اسـتجـاب لـه بها.
فالشأن في الإنسان إذن: أن يـكـون عـرضة للـوقـوع في الأخـطـاء والـمحـرمات، فإن صـح أمـره واسـتـقـام عـلى الـنهـج الـقـويـم، فالشأن فـيه إذن أن يمـنع نفـسه مـن الـوقـوع في الـدعـاوي الـعـريضة، وهـو في كـلا الحـالـين مـتـنكب في نقائص وعـيـوب خـطـيرة، ولـعـل هــذا مـن بـعـض مـا يــدل عـلـيه قـوله تعالى:(يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء ـ 28) وهـو داخـل في صـريح قـول رسـول الله (صـلى الله عـلـيه وســلـم):(كل ابـن آدم خـطـاء وخـير الخـطـائــين الـتـوابـون) ـ رواه أحمد والـترمـذي والبيـهـقي.
فـإذا تـوقـف وصول الإنسان إذن: إلى الله بـقـبـوله والـرضا عـنه، عـلى التخـلص مـن هـذه الـنقـائص التي هي مـن شـأنه، والتي تـظـل لاصـقة به، فإنه لـن يصل إلـيـه أبـداً، لأن وصـوله إلـيه مـتـوقـف، والحـالة هـذه عـلى ما لا قـبـل للإنسان به، ولا قـدرة له عـلـيه.
ولـكـن الله عـز وجـل إذا أراد أن يـوصـلك إلـيـه، أي بـقـبـوله لك وبـرضاه عـنـك سـتر نقـائـصك بما يقـابـلها في ذاته العـلـية، مـن صفات رحمته ومـغـفـرته وعـفـوه، وغـنـاه عـنـك، وســتر دعـاويـك بما يـقـابلها في ذاته العـلية مـن كـرمه وتـفضله عـليك وإن كـنت لا تستـحـق شـيئا مـن ذلك، عـلى وجـه الأجـر والتعـويـض.
فـوصـولك إلى الله عـز وجـل، لـيس باسـتحـقـاق صـاعـد مـنـك إلـيه ، وإنما هـو بتـفـضـل نازل مـنه إلـيـك، وتـلك هـي الحـقـيـقـة التي أوضحـها وأكـدها رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، إذ قال:(ســددوا وقـاربـوا وأبشـروا ، فإنه لا يـدخـل أحـدا الجـنة عـمله) قالـوا: ولا أنـت يا رسـول الله؟، قال:(ولا أنا إلا أن يتـغـمـد ني الله بـرحمته) ـ مـتفـق عـليه، ومـا يلـزم مـن الأمـور لتحـقـيقها، وهـذا ما يـقـرره صـريح القـرآن والسـنة وكان فـيه بعـض الإشـكالات نـوضـحـها فيمـا يـلي:
الإشـكال الأول: إن الـذي يـغـلـب عـلى الظـن، أن في عـباد الله مـن يسارعـون في الخـيرات دون أن يـروا لأنفـسهـم أي فـضـل في ذلك، ويـؤدون مـا افــترض الله عـليهـم مـن الأوامـر، بـل وبـما اسـتحـبه لهـم أيضا مـن الـنوافـل دون أي دعـاوي يـدعـونها، فـهـل يـدخـل هـؤلاء في عـمـوم أصـحـاب الممـتـثـلـين الطـايـعـين؟.
والجـواب الشافي: أن الشـأن في طبيـعـة الإنسان لا تخـتـلـف عـما جـاء في قـوله تعالى:(إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العـاديات 6 ـ 8)، أي الغـالب عـلى حـال الإنسان أن يـكـون عـلى هـذه الشـاكـلة، فـلا جـرم أن في الـناس مـن قـد تـحـرروا مـن هـذا الـوصف.
إن الشأن في حال الصـديقـين والـربانيين مـن عـباد الله تعالى، أن تـذوب بعـض هـفـواتهـم التي تـعـتبر مـن اللـمـم في ضـرام عـبـوديتهـم لله تعالى، وأن يكـونـوا رقـباء عـلى أنفـسـهـم ، مـن أن تـنـحـرف عـن سـوء السـبيل، ومـن أن تحـدث نفـس أحـدهـم أن يـرتكـب أي مـعـصية عـن قـصـد مهـما كانت دواعـيها.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى