الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / قضايا .. جريمة انتهاك حرمة المسجد الأقصى ومحيطه من منظور القانون الجنائي الدولي

قضايا .. جريمة انتهاك حرمة المسجد الأقصى ومحيطه من منظور القانون الجنائي الدولي

مقدمة:
الانتهاكات الإسرائيلية لحرمة الأماكن الدينية المقدسة في فلسطين ليست وليدة اليوم لتصور إسرائيل أن الحائط الغربي هو البقية الباقية من هيكل سليمان في عقدهم بل إنهم يرون أن كنيسة القيامة بنيت فوق جانب منه وبني المسجد الاقصى فوق جانب اخر، ورغم أن التاريخ لا يسند زعمهم ولا الحجج القانونية تصل مداركهم لاسيما مع قرار لجنة التحقيق والمرسوم الانجليزي في شأن ملكية الحائط الغربي الصادر في عام 1931.
ـــــــــــــــــــ
غني عن البيان أن الأماكن الدينية تخضع وقت السلم للقواعد العامة المنصوص عليها في الدساتير الداخلية وعادة ما تطلق الدولة حرية ممارسة العقيدة في تلك الأماكن دون أي قيد، وتستمد الدساتير الداخلية هذه الحماية من الإعلانات والمواثيق الدولية، فقد أكدت المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عن حق كل فرد في حرية الفكر والضمير والديانة، والحق في إقامة الشعائر سواءً أكان ذلك سراً ام مع الجماعة.
وإن كان تحديد المقصود بالمقدسات من المشاكل الشائكة التي تثير العديد من الخلافات سواء على الصعيد الداخلي او الدولي وان من شأن تحديد مدلولها جواز اضفاء حماية دولية خاصة على الأماكن المصطبغة بها، وعليه يثار التساؤل بصدد المسؤولية حول انتهاك حرمة المسجد الاقصى المبارك في منظور القانون الدولي العام بما تضمنه من قواعد خاصة بحماية أماكن العبادة سواءً في وقت النزاع المسلح أو وقت الاحتلال الحربي:
اولاً: الحماية الدولية للأماكن الدينية وقت النزاعات المسلحة:
نجد ان المعاهدات أضفت نوعا من الهدهدة على انتهاك حرمة اماكن العبادة بصفة عامة والتي أبرمت في أوائل القرن العشرين، حيث اعتبرت من قبيل انتهاك قوانين الحرب هدم الاثار التاريخية والمنشآت الدينية، وإن جاءت قاصرة، فنجد في المادة 27 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنه في حالة الحصار والضرب بالقنابل يجب اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدة للعبادة، والفنون، والعلوم، وللأعمال الخيرية، وبالآثار التاريخية، والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى، وذلك جهد الطاقة وبشرط الا تكون مستعملة في الوقت ذاته لأغراض عسكرية كما تضمنت المواد الخاصة بالضرب بالقنابل عن طريق القوات البحرية نصوصاً تتعلق بأماكن العبادة بصفة عامة، فأكدت المادة الخامسة منها على أنه يجب على القائد عند الضرب بالقنابل بوساطة قوات بحرية أن يتخذ كل الإجراءات الازمة للإبقاء قدر الإمكان على المنشآت المخصصة للعبادة. وبالتمعن في تلك النصوص يتبين لنا أنها وإن استهدفت حماية أماكن العبادة بصفة عامة الا أن الهدف ظل مقيداً ببذل العناية لا بتحقيق نتيجة شريطة الا تستخدم للأغراض العسكرية، ويبدو أن الحربين العالميتين قد هزتا كثيرا مما انتهت اليه اتفاقات لاهاي، وإزاء الانفصام بين النظرية والواقع بين اتقافية لاهاي لعام 1907 والواقع الدولي الجديد أعيدت صياغة هذه الاتفاقية، وعليه فقد صيغت اتفاقية جنيف لعام 1949 والملحقان الاضافيان لها وفقاً لهذه المتغيرات، لذا لم يكن غريباً أن يوضح المقصود بأماكن العبادة في نصوص تلك الاتفاقية، إذ اقترنت تلك الاماكن بأنها تمثل تراثاً ثقافيا أو روحياً للشعوب، فقد نصت المادة 53 من الملحق الاضافي الأول على حظر ارتكاب اي من الاعمال العدائية الموجهة ضد الاثار التاريخية أو الاعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب.
كما تضمنت المعنى نفسه المادة 53 من اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية وقت النزاع المسلح، كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة 14 ما نصه ” يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الاثار التاريخية، أو الاعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحربي”.
والمتتبع لنصوص اتفاقيات جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب لعام 1949 يتبين أنها حاولت تقنين الاحترام الكامل للأماكن الدينية التي تمثل تراثاً ثقافياً أو روحياً للشعوب، وكذلك الوضع بالنسبة لاتفاقيات لاهاي لعام 1954، بيد أنها قيدت تلك الحماية بألا تقتضي العمليات الحربية ضرورة هذا التخريب مما يجعل جانباً فقهياً يضم اتفاقية جنيف لعام 1949 بالتخلف إذا ما قورنت نصوصها بحال المجتمع الدولي الان، وما الته الأسلحة الحديثة فيه، وقد اتضح من الممارسة التطبيقية الثغرات التي احتوت عليها القوانين والاعراف الحربية من حرب عام 1948 بين العرب وإسرائيل حيث انتهكت حرمة المقدسات الدينية في القدس فأصدرت الأمم المتحدة قرارها الخاص بإرسال ممثلها الكونت برنادوت، حيث تطلبت ضرورة تأمين حماية الأماكن المقدسة ومبانيها، وكذا المواقع الدينية في فلسطين، وكذلك فقد أكدت لجنة القانون الدولي عن أعمال دورتها رقم 32 يوليو/ تموز 1980 في شأن المسؤولية الدولية على عدم قناعتها بوجود تلك الضرورة الحربية، وذلك أنه لا يتصور أن يسمح للدول بعدم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ورأت اللجنة أن بعض قواعد هذا القانون تفرض التزامات لا يمكن تسويغ عدم احترامها بالاحتكام للضرورة الحربية، كما أكدت أن قواعد القانون الدولي الإنساني أساسية لحياة المجتمع الدولي، بحيث لا يتصور لدولة ما أن تخلع رداء عدم احترام القواعد القانونية تعللاً بهذه الضرورة عن الحماية الدولية للأماكن الدينية وقت النزاعات المسلحة.
ثانياً: الحماية الدولية للاماكن الدينية وقت الاحتلال الحربي:
لقد تطورت القواعد الدولية لمواكبة الاعتبارات الإنسانية المحضة التي فرضت نفسها على بساط الحياة الدولية، لذا فلقد قيل بحق إن الملحقين لاتفاقية جنيف لسنة 1977 يمثلان اتجاهاً دولياً متزايداً نحو تطبيق قواعد أكثر إنسانية. وبالبحث عن وضع الاماكن الدينية وقت الاحتلال الحربي، فمن الواضح ان المعاهدات قاطبة أولت الحماية لدور العبادة بصفة عامة، ولم تفطن تلك المعاهدات الى الاهمية الخاصة للأماكن الدينية المقدسة وحاجتها الملحة الى حماية موضوعية خاصة بها، وباستعراض تلك القواعد الجزائية لمن ينتهك حرمة اماكن العبادة عموماً فقد نصت المادة 56 من لائحة الحرب البرية لاتفاقية لاهاي لعام 1907 على ان املاك المجالس البلدية واملاك المنشآت المخصصة للعبادة والبر والتعليم والفنون لها حمايتها ولو كانت مملوكة لدولة العدو، فهي تأخذ حكم الملكية الخاصة، وكل مجزأ او تخريب أو حط متعمد لمثل هذه المنشآت محرم ويجب أن يحاكم عنه، كما وردت باتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام 1949 في القسم الخاص بالاحتلال الحربي المادة 53 التي تنص على أنه محظور على دولة الاحتلال أن تدمر أية متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالأفراد أو الجماعات أو للحكومة أو غيرها من السلطات العامة أو لمنظمات اجتماعية أو تعاونية إلا اذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب. واذا كانت اتفاقية جنيف قد أجازت استخدام القوة ضد أماكن العبادة في حالة الضرورة على النحو السالف انتقاده فإن اتفاقية لاهاي لعام 1954 في شأن حماية الممتلكات الثقافية قد وردت نصوصها على نحو مماثل، حيث حظرت بصفة خاصة في المادة الرابعة المساس بحرمة هذه الممتلكات ” تتعهد الأطراف السياسية باحترام الممتلكات الثقافية سواءً في أراضيها أو في أراضي الاطراف السياسية المتعاقدة الاخرى، وتطالب بالامتناع عن استعمال هذه الممتلكات أو الوسائل المخصصة لحمايتها، أو الاماكن المجاورة لها مباشرة لأغراض قد تعرضها للتدمير أو التلف “، إلا انها اجازت ضرب هذه الاماكن في حالة الضرورة وأن اي ضرر يصيب الممتلكات الثقافية لشعب من الشعوب يصيب التراث الثقافي للبشرية جمعاء. ويرجع الفضل لمنظمة اليونسكو في صياغة هذه الاتفاقية بلاهاي عام 1954 ومضمونها الرئيس حماية الممتلكات الثقافية.
وقد اعتبرت محكمة نورمبرج أن تعرض سلطات الاحتلال لأماكن العبادة يشكل جريمة دولية، إذ تعهد مساعد المدعي العام الفرنسي أمام المحكمة بأن بعض المتهمين ارتكبوا جرائم دولية، حيث قاموا بإغلاق أديرة، وسلب أموال الكنائس والمعابد، وانتهاك حرمتها كما ادانت المحكمة قادة الجيش الألماني في روسيا لقيامهم بتدمير أماكن العبادة والكنائس في بعض المدن الروسية المحتلة، ولذلك استقر الفقه الدولي على ادانة انتهاك حرمة دور العبادة او التعرض لها بالتدمير او السلب او النهب او الاغلاق او اي تصرف يضر بهذه الاماكن خلال فترة الاحتلال، وإن من واجب سلطات الاحتلال احترام الحقوق العقائدية الدينية للمدنيين من سكان الاراضي المحتلة، وكذلك عدم التعرض لاماكن العبادة – بصفة عامة – وبالتدمير او السلب أو النهب ينم عن تعطيل لممارسة الشعائر وطقوس العبادة.
وإن الانتهاكات الاسرائيلية لحرمة الاماكن الدينية المقدسة في فلسطين ليست وليدة اليوم لتصور إسرائيل أن الحائط الغربي هو البقية الباقية من هيكل سليمان في عقدهم بل إنهم يرون أن كنيسة القيامة بنيت فوق جانب منه وبني المسجد الاقصى فوق جانب اخر، ورغم أن التاريخ لا يسند زعمهم ولا الحجج القانونية تصل مداركهم لاسيما مع قرار لجنة التحقيق والمرسوم الانجليزي في شان ملكية الحائط الغربي الصادر في عام 1931 حيث جاء في الذيل الأول له:
” للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءاً لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين ايضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير.
إن أدوات العبادة أو غيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط إما بالاستناد لأحكام هذا القرار أو بالاتفاق بين الفريقين لا يجوز في حال من الاحوال ان تعتبر بأنها تنشئ أو أن يكون من شأنها إنشاء أي حق عين لليهود في الحائط او في الرصيف المقابل، ومن الجهة الاخرى يكون المسلمون ملزمين بعدم إنشاء أو إقامة اي بناء أو هدم أو تعمير أي بناء من أبنية الوقف ( ساحة الحرم ومحلة المغاربة) المجاورة للحائط، بحيث يتجاوزون في عملهم هذا على الرصيف او يعرقلون سلوك اليهود الى الحائط، او بحيث ينطوي ما يقومون به على إزعاج اليهود أو التعرض لهم في مواعيد زياراتهم إلى الحائط لإقامة تضرعاتهم إن كان اجتناب ذلك مستطاعاً بأي وجه كان” .
لقد كانت بداية الانتهاكات الخاصة بالحفر منذ 7 يونيو/ حزيران 1967 حيث اتفق ايتان بن موشيه مع الحاكم العسكري للقدس على إزالة كافة الاجزاء المجاورة لحائط المبكى، وقد اختار مكاناً مناسباً يستوعب حجاج الحائط انصب على الممر الذي يربط حائط المبكى بجبل صهيون، وهكذا دخل المخطط حيز التنفيذ فهدم حي المغاربة، وفي غمرة الهدم تحطم قبر الشيخ، ومسجد البراق وبقيت ثلاثة مبان متشابكة وملتصقة بحائط المبكى، وأمر موشيه ديان باستكمال تسوية الساحة ولم ينقض اسبوع حتى تغير الوجه الديمغرافي للمكان.
ومن الانتهاكات الخطيرة حريق المسجد الاقصى في واحد وعشرين أغسطس/ اب 1969 فتحقق الركن المادي لجريمة انتهاك حرمة المقدسات، تلك الجريمة التي أثارت المشاعر الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وهكذا توالت الانتهاكات فتدخلت المنظمات الدولية في المشكلة وأفروت جهودها كثيراً من القرارات والتوصيات غلب عليها نمط المناداة و”الشجب والإدانة سواءً من الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن ومجلس الوصاية ومنظمة اليونسكو التي أصدرت كثيراً من القرارات ونلاحظ كثرتها وإن غالبية ما صدر عن المنظمات الدولية في مجمله يندرج في عداد التوصيات التي لها قيمتها الادبية الا أن مضمونها يخلق وزنا كبيراً اذا ما نال تأييد أغلبية الجهاز، وان المضمون الكامل في التوصية يسمى في عقدنا ” الشرعية الدولية” بمعنى أن التوصية ترسي مركزاً للمسألة بحيث يحتج بذلك المركز في مواجهة الكافة ولا يعقل أن يصدر بعد ذلك عن الدول اعضاء المجتمع الدولي، ما يخالف ذلك المركز والأهم تصرفهم بعدم المشروعية وترتيباً على ذلك كافة ما اتخذته المنظمات الدولية من جهود صادقة ما أصدرته من توصيات لحماية الأماكن الدينية المقدسة أصبغ بجلاء الشرعية الدولية على حماية لكل المقدسات… والسؤال المطروح بعد هذا العرض الموجز للاتفاقات الدولية، وقرارات المنظمات الدولية، والانتهاكات المتكررة لحرمة الاماكن المقدسة: هل تشكل أعمالهم هذه جريمة دولية؟ والإجابة بالإيجاب.
ونقول إنه لا يخفى على الفطنة أن الوصول إلى ما يسمى بالجريمة الدولية قد مر بمراحل كثيرة شائكة لطغيان سيادة الدولة ودون خضوعها لجهة أعلى، غير أن انضمام الدولة الى المجتمع الدولي بغية الحفاظ على مصالحها الجوهرية والتزاماتها تبعاً لذلك بأحكام القانون جعلها تنحي فكرة السيادة قليلاً استهدافاً للإبقاء على كيانها والحصول على ضمان أكبر لصيانتها في كنف المجتمع الدولي، وهكذا وقر في ضمير المجتمع الدولي تصور قيام المسؤولية المترتبة عن الإخلال بقواعد القانون الدولي الامرة باعتبارها مبدأ لا غنى عنه لأي نظام قانوني، ولهذا فإن لجنة المسؤوليات التي شكلها مؤتمر السلام في 25 يناير/ كانون الثاني 1919 قد جرمت بعض الأفعال معتبرة إياها جرائم حرب كهدم الاثار التاريخية والمنشآت الدينية او الخيرية وكذا معاهد التعليم، هذا بالإضافة إلى انه بعد الحرب العالمية الثانية تم تشكيل محاكمات نورمبرج لمحاكمة كبار مجرمي الحرب في دول المحور ونصت المادة الاولى من تصريح لندن في 8 أغسطس/ اب عام 1945 على تشكيل محكمة عسكرية لهذا الخصوص، ومما هو جدير بالذكر ان المادة السادسة من التصريح قسمت الجرائم التي يحق لمحكمة نورمبرج أن تفصل فيها الى ثلاثا طوائف، وهي جرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفي 21 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 177 تؤكد فيه تبنيها للمبادئ التي أقرتها محاكمات نورمبرج لعل أهمها المسؤولية الشخصية للفرد عن ارتكاب الجريمة الدولية ومسؤولية رئيس الدولة عن الجريمة الدولية فضلاً عن إقرار الطوائف الثلاث المختلفة للجرائم الدولية. هذا وقد توجت لجنة القانون الدولي البصمات والمحاولات الفقهية وموقف دول العالم الثالث بمناسبة وضعها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، إذ أكدت في المادة 19/2 من المشروع أن الجريمة الدولية هي كل واقعة غير مشروعة ترتكبها دولة ما بالمخالفة لالتزاماتها الأساسية المنصبة على حماية المصالح الحيوية للمجتمع الدولي والذي يعد انتهاكها جريمة في منظور المجتمع الدولي، كما بينت المادة 19/3 من المشروع صوراً لبعض التصرفات التي تمثل السلوك غير المشروع المكون للجريمة الدولية.
وباستصحاب كل ما تقدم يمكن القول إن فعل الانتهاك للأماكن الدينية المقدسة يندرج في مدارك الجريمة المنصوص عليها في المادة 19/2 عن المشروع، حيث قدرت أن الفعل المكون للجريمة الدولية هو نتاج انتهاك الدولة لالتزام يحمي ويصون مصالح الساسة للجماعة الدولية، كما يندرج ضمن الأوصاف المنصوص عليها في المادة 193 والتي نصت على أن من بين الجرائم الدولية تلك الأعمال التي تشكل انتهاكاً خطيراً لالتزام دول ذات أهمية جوهرية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين وسواءً كانت الجهة التي يناط بها فعل الجريمة للدولة كشخص معنوي عام أم الى الشخص الطبيعي كما حدث في محاكمات نورمبرج وطوكيو، وهذا أيضا ما قرره وفاق إبادة الجنس البشري، فالفرد يمكن أن يسأل عن جرائم الحرب أما بخصوص الجهة القضائية المختصة بالجريمة، فإن بعضهم يرى تخويل الدول صفة الدفاع عن تلك المصالح الأساسية للمجتمع أمام محكمة العدل الدولية وبعد إقرار ميثاق قانون المحكمة الجنائية الدولية وتصديقه فإن الاتجاه يكون صوب رفع الجريمة بخصوص انتهاك حرمة الأماكن الدينية المقدسة، وفي الختام نوصي بما يلي:
1ـ ضرورة الدعوة من قبل المجموعة العربية بل أعضاء المجتمع الدولي بأسره إلى إبرام معاهدة دولية يكون موضوعها الأوحد حماية الأماكن الدينية المقدسة وتحريم ما ينتهك هذه القدسية.
2 ـ ضرورة عرض هذه الانتهاكات لدى المنظمات الدولية وتذكيرها بأن الأراضي المحتلة تحت حماية المجتمع الدولي كله، وعليه حماية المقدسات، وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة وأن الأمر ليس منوطاً بالجانب الفلسطيني والإسرائيلي، حيث إن الجانب الإسرائيلي يسبق الأحداث بترتيب الأوضاع بفرض سياسة الأمر الواقع في تهويد القدس، وفي إقامة حفريات تحت الأقصى المبارك.

د.أحمد براك
النائب العام الفلسطيني

إلى الأعلى