الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مؤشرات الذوق العام وآلياته

مؤشرات الذوق العام وآلياته

د. محمد الدعمي

يشكل هذا الأمر وإدراكه إدراكًا جيدًا التحدي الأخطر لبرامج التنشئة والتربية نظرًا لأن أولادنا وبناتنا لم يعودوا يسهرون معنا في غرفة جلوس العائلة لمشاهدة “فيلم السهرة” العربي (بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف)، كما كنا نفعل مع آبائنا وأمهاتنا أواسط القرن الماضي، ذلك أن لكل واحد من أبنائنا الآن جزيرته الخاصة المنقطعة (أي غرفة خاصة به)، وهي جزيرة غير مأهولة بسواه ولكنها لا تخلو من جهاز تلفاز وحاسوب (كمبيوتر) وسواهما…

لست أقصد بعبارة “الذوق العام” ما يسيء للرائي أو للناظر من سلوك شاذ أو لا أخلاقي يضطلع به فرد أو جماعة؛ ولكني أقصد في سياق هذه المقالة الظواهر الفنية والسلوكية، بل وحتى الظاهرية الشكلية (المتعلقة بالملابس والأزياء) التي تبز سواها مما ينافسها من ظواهر على مستوى الشيوع والهيمنة بين الجمهور في مرحلة زمنية معينة.
للمرء أن يرصد الظواهر التي تشيع وتنتشر متفوقة على سواها في مرحلة معينة من خلال رصد شهرة “أغنية” أو “تقليعة” ملابس تنتشر على نحو فوري وكاسح بسرعة تفوق سرعة الصوت، حتى تغدو “كلام الناس” حرفيًّا: فلا يخلو منها البث الإذاعي أو التلفازي، كما أنها تمد أذرعها إلى الصحافة ووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، والأخيرة تضطلع بدور سحري تعمل في شيوع تلك “الظاهرة الذوقية” أكثر فأكثر، كما هي الحال في هيمنة أغنية معينة أو نوع من الملابس والأزياء أو حتى تقليد اجتماعي وافد على نحو شامل يجعلك تمل من تكراره، بغض النظر عن ميول الجمهور إليه. بيد أن الملاحظة المهمة هنا تكمن فيما تفعله أصابع خفيفة من عمل سحري في تصعيد ظاهرة ذوقية دون أخرى، على سبيل دفعها صاروخيًّا إلى الأعالي. وفي هذا الموضوع شيء من السرية التي لا يسمح لأمثالنا من الناس البسطاء الاطلاع عليها ولا على أهدافها الحقيقية بدقة كافية، بالرغم من أنك، متابعًا أو متابعة، تشعر بأيادٍ خفية تعمل بمثابرة وبإنفاق واضح على تقديم وإشاعة هذه الظاهرة من سواها من الظواهر المنافسة. زد على ذلك مسألة عالمية أو عولمة الظاهرة الذوقية التي لا يمكن أن تتحقق عمليًّا دون الارتكان إلى وسائل إعلام عابرة للقارات وقنوات تواصل اجتماعي عنكبوتية عالمية التشابك والتشبيك.
هذا، بالضبط، ما يواشج بين الظواهر الذوقية الشائعة، من ناحية، وبين السيطرة على الإعلام والقدرة على توجيه مسارت خطابه الأساس. وقد وصل الأمر درجة إشاعة قطعة موسيقية أو أغنية عالميًّا على نحو غامض الدوافع والأهداف بقوة خفية لا يمكن سوى أن تثير الشكوك حول حيادية الشهرة وطرائق التشبث بها. وإذا كانت الظواهر الذوقية الفنية محدودة في دواخل الآنية الاجتماعية المتجانسة في حدود دولة أو إقليم سابقًا، كالعالم العربي سابقًا، فإنها الآن تكسر جميع الحدود لتغدو “أغنية بلا حدود”، أشبه تمامًا بمنظمات كونية من نوع “أطباء بلا حدود”.
يشكل هذا الأمر وإدراكه إدراكًا جيدًا التحدي الأخطر لبرامج التنشئة والتربية نظرًا لأن أولادنا وبناتنا لم يعودوا يسهرون معنا في غرفة جلوس العائلة لمشاهدة “فيلم السهرة” العربي (بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف)، كما كنا نفعل مع آبائنا وأمهاتنا أواسط القرن الماضي، ذلك أن لكل واحد من أبنائنا الآن جزيرته الخاصة المنقطعة (أي غرفة خاصة به)، وهي جزيرة غير مأهولة بسواه ولكنها لا تخلو من جهاز تلفاز وحاسوب (كمبيوتر) وسواهما من نوافذ الاتصال التي يصعب على الضوابط الاجتماعية أن تسيطر عليها، بل ويستحيل السيطرة عليها أن تفعل شيئًا حيالها.

إلى الأعلى