الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / صالح الشكيري لأشرعة: -تركت كل شيء من أجل الفن التشكيلي ولست نادما على ذلك

صالح الشكيري لأشرعة: -تركت كل شيء من أجل الفن التشكيلي ولست نادما على ذلك

يرى أن العلاقات أمر مهم في العمل الفني فهي جزء من التسويق الناجح للأعمال الفنية الفنان التشكيلي

– أختلف كثيرا مع العقول التي تحد من استمرارية الإبداع ولا علاقتي لي بالشخوص

– أحاول جاهدا أن أكون أكثر واقعيا فيما أقدمه وأهتم كثير بالبحث من أجل أعمالي

حوار ـ خميس السلطي:
ينطلق الفنان التشكيلي صالح الشكيري مؤثثا حكاية إبداعه الفني من خلال اتجاهات حروفية متعددة، حيث السفر في الخطية الأصيلة، والتيارات الحداثية في الخط العربي لتبرز تجلياتها في الآيات القرآنية والحروفيات، فتجربته الفنية التي تأسست في التسعينات تأتي لترسم خارطة مميزة من حيث المشاركات في العديد من المعارض الداخلية والخارجية إضافة إلى حصد كبير للجوائز الدولية التي تزخر بها مسيرته التشكيلية … الحديث معه ذو شجون، فهو يقدم الكثير من التفاصيل، ومحاولا جعل واقعه الفني أكثر وضوحا وشفافية..
فكان الحوار التالي :

- لنبدأ معك من حيث انتهيت في مشوارك الفني مؤخرا، خذنا إلى الجديد الذي قد نتعرف من خلالك مع والقارئ الكريم.
- في الوقت الراهن لدي اشتغال فني على معرضي الشخصي في عالم التشكيلات الحروفية قد تصل عددا لوحاته من بين 30 لوحة وربما أكثر، أعكف على إعداده بصورة مغايرة ومختلفة نوعا ما في الرؤية الإنتاجية وطريقة العرض، تتمثل في عملية تقديمه للمتلقي، وهنا أؤكد على رسالته التي تتمثل في إظهاره كنوع فني جديد وإيصاله ليكون جزءا من مشاركاتي التي لا أحبذ تكرارها الشكلي المعتاد مع خطة لعرضه بين السلطنة واستراليا وعسى أن أوفق في هذا الطرح الفني المغاير.
- معارضك الفنية في أكثر من عاصمة ودولة حول العالم، أهمها مشاركتك في معرض رسالة الإسلام الذي تقيمه السلطنة ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ما هو رؤيتك لمثل هذه المعارض؟ كيف وجدت ذاتك فيها؟
- أخبرك قولا بأن رسالة الإسلام هي تعني الانفتاح على دول العالم حيث التحضر والتطور ومعرفة الآخر والحوار معه، حيث انطلقت رسالة معرض الإسلام من هذا المنطلق، وما وجود الجانب التشكيلي كجزء من هذا المعرض إلا دليل على التوجه نحو الانفتاح، فعندما يكون هناك ركن للفنون التشكيلية على سبيل المثال معنى ذلك إنني أوصلت فكرة رائدة من أفكار هذا المعرض، خاصة إذا ما علمنا أن التاريخ الإسلامي قائم في مدوناته ووثائقه على الخط العربي وجمالياته، تراه حاضرا في كل شيء ولا يمكن فصله، فشاركت في عدة دول التي زارها المعرض من أهمها فرنسا بمنظمة اليونسكو، بروناي، ألمانيا، جنوب أفريقيا، سنغافورة.
- لو نعود إلى مسيرة الفنان صالح الشكيري وتفكيك التراكم الفني الطويل كيف تخبرنا عنه؟
- ثمة بنقطة مهمة في واقعي الفني الممتد لأكثر من 30 سنة، أنا لا يمكن أقوم بعمل فني دون البحث والتقصي في تفاصيله، لا أخفي قولا، العمل الفني دون بحث أو معرفة يصبح باهتا غير مقبول، ناقصا في عمقه، لذا توجهت لأن أعرف كل شيء عن أي شيء أقدمه ومن ثم الاشتغال على لوحاتي الفنية، فيما يتعلق بالمواد الخام والألوان وحقيقة ما أقدمه مع طريقة التنفيذ، خاصة إذا ما علمنا أننا في مواجهة المتابع المثقف والناقد، والحمد لله حصلت على جوائز محلية ودولية وأهمها حصولي على الجائزة الشرفية في بينالي بنجلاديش 2008 بين 45 دولة مشاركة وايضا ولله الحمد حيث توجت أعمالي في الحروفيات في 2013م كأول عماني يدخل مزاد عالمي الذي أقيم حينها في بريطانيا مع مجموعة كبيرة من الفنانين العالميين، تقدمت بلوحتين وتم بيع واحدة وهذا بحد ذاته أعتبره إنجازا وشرفا لي.

- فيما يتعلق بإيصال الأعمال الفنية وتقديمها في الداخل والخارج، على ماذا اعتمدت في هذا الشأن؟
- لنركز هنا على عبارة (العلاقات الإيجابية)، فعلى المبدع أو الفنان أن يشتغل على مضمون هذه العبارة، التي سينطلق من حيثياتها لنقل صور تجربته وأهدافها، يأتي مفعول هذه العلاقات في تكوين أسرة فنية صديقة لي وللأعمال أقدمها مع التواصل المباشر مع هذه الأسرة والمشاركة في ما تقدمه هي الأخرى، من ثم العمل على التسويق الفعلي المحفز على هذه التجربة، فعلى المبدع أن يقدم أعماله بأفكار مغايرة وغير تقليدية مع اكتساب وكسب جميع الوسائط الفاعلة من حوله لتكون محل إسهام في إيصال هذا الإبداع، جميع تلك العناصر وجدتها مهمة جدا لإيصال أي عمل أقوم به ليكون في يد المتلقي.
- التجريب بلا شك إنه أمر مهم في حياة كل فنان، ماذا عنه في مسيرتك؟
- أنا لا استطيع العمل دون أن أجرب، التجريب مهم في حياتي وواقعي الفني، وقد يتجاوز ذلك ليكون في حياتي اليومية العادية، النجاح لا يمكن أن يكتب له أن يتحقق أو يكون دول المرور الفعلي حيث مراحل التجريب، على سبيل المثال لدي أعمال منذ سنوات طويلة لم تنته لليوم لأني ما زلت أمارس التجريب عليها، والتجريب عموما حافزا ملهما ومنشطا لأن تقدم الأفضل، لأن تفكر بهدوء وتمارس عملك بكل أريحية وحذر في الوقت ذاته، فعلى سبيل المثال عرض العمل (المطبوع) وبصورة خيالية، هذا أمر لا يمكن تقبله في الساحة الفنية العمانية والخليجية، لكن لو عدنا إلى التجريب في هذا العمل سيكون هو التحدي لطلب سعر خيالي فيه، يجب علينا أن نتجاوز كل التعقيدات التي من شأنها لا تؤسس لمفهوم حقيقة هذا التجريب وندرك تماما أن بسببه قد نصل إلى غايتنا الفنية المرجوة.
- الواقع الإلكتروني كيف استفدت منه وتوظيفه كأداة مسوقة لأعمالك؟
- يعود هذا لدراستي الجامعية، فأنا درست التسويق وهذا أوجد لي حافزا مؤثرا في حياتي الفنية، أن تتحدث عن عملك وتسوق إنتاجك الفكري والفني هذا يعني أن تكون محترفا لأجل ما تقدمه، أنا حاولت استغلال جميع وسائل التواصل الاجتماعي للتعريف بفني، لن تجد في صفحاتي في هذه الوسائل المتاحة أي موضوع شخصي إلا ما ندر، ستجد أعمالي والمعارض التي قدمتها أو قمت بتنفيذها بها أو رحلة فنية تربط بمجال العمل ذاته، ولأجل هذا كانت النتيجة أكثر من إيجابية، يجب أن ندرك أن العلوم في الواقع الفني تحتاج إلى دراية واسعة في التوصيل والتثقيف، وعلينا أن ندرك قيمة هذه الوسائل لأن نتجاوز جغرافيا المكان وتفاصيل الزمان وأن نشعر الآخر بأن ما يقدم يستحق الاعتناء به والتفاعل معه.
- من خلال هذه التجربة الفنية نلت على الكثير من الجوائز العالمية، بداية ماذا أضافت لك هذه الجوائز في مشوارك الفني؟ إلى أي مدى نستطيع أن نقول إنها أداة إيجابية تؤسس لمفهوم الفن لدى الفنان المبدع؟
- ليكن الفنان أو المبدع على علم ثابت ويقين ظاهر، أن كل جائزة يتحصل عليها في مشواره الفني هي بداية لمسؤولية جديدة، وأداة لا جدال عليها لأن يبدع من خلالها الفنان في أعماله اللاحقة، كما يجب أن ندرك تماما أن كما للفنان غرور الوصول والتربع حيث النهايات والتتويج، هناك جهة أخرى يقف عليها المشاهد والمتلقي لمراقبة أعمال الفنان ذاته بذات الغرور حيث الشغف لمعرفة الأفضل والأجمل والأعمق في حياة الفنان الذي يحب أن يرى له أعمالا متجددة ومتتابعة، إذن فالجوائز هي حافز لاكتساب مسؤولية قصوى لأن توجد الأجمل.
- القلق أمر حتمي في حياة الفنان، إلى أي مدى أنت قلق أمام لوحاتك الفنية؟
- أرى أن القلق إيجابي بقدر ما هو مرهق نوعا ما، أقف قلقا أمام لوحاتي الفنية عندما أراها عصية علي، لا تريدني أن أنتهي منها، قد تكون الأسباب تعود للصراع الفذ والجميل في داخلي الذي لا بد أن ينتج عملا مدهشا، وهنا يتضح القلق الإيجابي.
- ما حقيقة الطلاسم والرقي في أعمالك الفنية، هناك اتهام قد لا يكون بريئا تم توجيهه إليك في هذا الشأن؟
- أعترف لك .. هذا الأمر قد بدا شائعا نوعا ما، ولكن هو مجرد (فرقعة) فنية إن صح القول أن أطلق عليها، أنا بنفسي من أوجدت هذه التسمية فقط لمجرد التسمية، وما أقدمه كعمل يشكل نموذجا جيدا ومتقبلا من المشاهد والمتلقي لا يمكن أطلق عليه (طلاسم)، لندرك أن التشكيلات الحروفية هي رحلة أدبية فنية رائدة تأخذك حيث العمق والبساطة في آن وحد، تسافر بك لتنقلك إلى الزمن البعيد ثم تعود بك لتوقظ حواسك بذلك الإبهار، توصل رسالة الإنسان وعلاقته بأدبياته وتاريخه وإنجازاته عبر العصور، يكفي لنا فخرا بأن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وغيرها من العلوم والأعمال التي لا تزال تحتل مكانة واسعة في عالمنا اليوم نقلت عبر التأريخ بالخط العربي والفن التشكيلي، محفوظة بأساليب متقنة، وهذا ما تقوم به المؤسسات المعنية في واقع الأمر، علاوة على ذلك عندما تكون في زيارة لأي معلم تاريخي في السلطنة وأخص بالذكر هنا القلاع والحصون والمساجد القديمة ترى ذلك التاريخ المنقول عبر التشكيل الحروفي وهذا يعطي المشاهد انطباعا عن المكتسبة لهؤلاء الناس وطريقة حياتهم ومعيشتهم وما مر عليهم من أحداث استثنائية، والمسيرة متواصلة في نقل كل ما هو يستحق أن يصل للمتابع حتى بعد سنين بوعي فني تام.
- من خلال قراءاتي ومتابعاتي لك أشعر وكأن فكرة لا تزال تراودك منذ سنين لم تنفذ للآن .. ما هي؟
- لنقول إنه مشروع توثيقي يأتي ضمن كتاب، يسجل تاريخ الخط العربي والتشكيلات الحروفية في عمان عبر أجيال متعاقبة، الفكرة ليست وليدة الأمس، وإنما تجاوزت العشر سنوات، نحن في السلطنة وعبر العصور القديمة مرورا بالعصر الحديث الحالي نمتلك تاريخا أدبيا وفنيا في هذا المجال، وأرى إنه بحاجة لأن يوثق، مع الاشتغال على المادة العلمية للفن التشكيلي الحروفي وإظهار الإنسان الفنان العماني بالصورة التي يجب أن تصل للناس، مع معرفة طرق تفكير هذا الإنسان وصناعاته المتعددة في واقع التشكيل الحروفي ويدخل في هذا الإطار ما يتعلق بالحبر وكمياته والأقلام المستخدمة وأنواعها، مرورا بأنواع الأوراق والجلود التي كانت متوفرة في ذلك الوقت، هي فكرة تحتاج إلى نشاط وبحث وأتمنى أن ترى النور قريبا.
- تركت كل شيء لأجل الفن.. هي مغامرة حقيقية ، وتهديد لحياتك الاعتيادية ، لنتفحص هذه المغامرة معك؟
- نعم .. وما زلت تاركا كل شيء لأجل الفن، وهذا وقع منذ 2007م، حينها سألت نفسي سؤالا مُلحا ألا وهو (ماذا قدم الفنان صالح الشكيري لنفسه)، مع اسئلة أخرى محفزة للإبداع، ذلك السؤال الرئيس انبثق من إيماني العميق أن حرية ابداعي وفني في التفرغ والاهتمام بما أقوم به، جاءت الإجابة إن ثمة تقصيرا فيما أقدمه على جميع المستويات في مشواري الفني، يجب أن نتجاوز تلك العُقد التي تظل عائقا أمام الإبداع، يجب أن نوجد من الإبداع وسيلة نحيا ونعيش بها، من قال إن الفن (لا يؤكل عيش)، هذا الكلام غير منطقي بتاتا، دعنا نشتغل على الإصرار ونتفاعل بقوة الصبر ونتهيأ لأجل التصادم مع العقبات في هذا الجانب، يجب أن نتصدى لتلك الأفكار العالقة في أذهاننا، أن نقتحم أحلامنا بشيء من العزيمة ونقول إن الفن هو الحياة، نعم أقول إنها مخاطرة وتهديد حقيقي أن تترك وظيفة تدر عليك راتبا شهريا ثابتا في مجتمع قد لا يأبه للفن في أحيان كثيرة، لكن وبفضل الله استطعت التغلب على هذا الواقع الذي يحد من وهج الفن وتدفقه، وعلى العموم الفنان أن يكون مختلفا عن غيره وأن يصب ما أوُتي من قوة عقلية في تشكيل محوره الفني وتقديمه ضمن أوراق حياتية مقبولة.
- أشعر أنك تحمل شارة عدم التصالح مع المؤسسات المعنية بجوانب الفن في السلطنة، ما تفسيرك لهذا القول؟ وما محل (الأنا) في واقع عدم التصالح هذا؟ هل نقول بأنك تسعى دائما لأن توجد لذاتك شخصية مستقلة بعيدة عمن هو (الآمر ـ الناهي) في مسيرتك الفنية؟
- ليس لدي مشكلة مع المؤسسات المعنية بالفن وإنما مع الفكر والعقول التي تدير هذه المؤسسات، أقولها صراحة لا علاقة لي بالأفراد، اختلافي هنا في آليات تقديم الفن، على الرغم من أننا نمتلك كل الإمكانيات التي قد لا تتوفر لغيرنا، منذ زمن بعيد وغيرنا يرفض أن نقدم أعمالنا بالصور التي تلائم واقعنا، هذه العقول للأسف لا تقبل أي جديد، نحن لا نزال تحت نمط عاف عليه الزمن ومنذ سنين، بكل أسف نحن نواجه مشكلة في هذا الجانب، مع أمنيتي بأن نرى اختلافا في هذا الواقع، أما فيما يتعلق بـ (الأنا)، فهي ليست من طرفي، هي من طرف أولئك الذين يعطلون مسيرة الفن ولا يودون تحقيق مآربه وما يقدم في الساحة الفنية الآن وللأسف ما هي الا فقاعات واشباه فن، كل ما أطلبه هو عدم السماع للمطبلين وإنما قيام بتغيير جذري للآلية الحالية وإعطاء الخبز لخبازة، أما فيما يتعلق بالشخصية المستقلة، نعم أسعى لأجل ذلك من خلال اشتغالي على أعمالي الفنية وإقامة معارضي الشخصية والتي حققت نجاحات ملموسة وأنا راض تمام الرضاء عنها.

إلى الأعلى