الأحد 26 مايو 2019 م - ٢٠ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلتي الى بلاد الإغريق (3)

رحلتي الى بلاد الإغريق (3)

الفندق الذي نسكنه ليس بجمال وحداثة الفنادق الصغيرة في مدينة الغبرة أو الخوير أو حتى روي، ولا أظن أن فندقا في عمان كلها بلغ من القدم والضيق ما بلغه هذا الفندق، غرفة صغيرة وضيقة جدا ودورة مياهها كذلك، لكن على الرغم من كل تلك الضيق والقدم حظي الفندق بعائلة يونانية تهتم به وتوليه عناية لدرجة أن القاطن فيه لا يشعر بكبير فرق بينه وبين أي فندق حديث، العائلة مكونة شيخ يوناني في السبعين من عمره مثقل بكرش عريض متدلي أمامه وكتفان ممتلئان وأياد ثقيلة بالإضافة إلى عجوز مسنة وشاب ثلاثيني بدا من سلوكهما وابتسامتها المتوردة من أفواههما أن الحاجة أوجدتهما للتكفير والتعويض عن الانطباع السيئ الذي قد يبعثه ذلك العجوز في نفوس الزوار، لكنهما لم يكونا على كل حال يملكان من أمر إدارة الفندق شيئا طالما العجوز حاضرا بغطرسته وصوته المجلجل، والحق أن في أغلب الأحيان ينحو بعض الموظفين في مثل هذه الأماكن إلى أن يكونوا لطفاء جدا في حضرة زميلهم المتعجرف ليس طلبا لرضا الآخرين أو للاعتذار عن حماقته وإنما الغاية من ذلك هي النكاية فيه فليس هناك أكثر برهانا وإيضاحا على سلوكه المسيء من مقارنته بسلوك القرين الصالح، لذلك كنت أرى في دماثة خلق هؤلاء برهان واضح على فداحة خطأ زميلهم وإنكارهم له، هذا وإنني ظننت لوهلة أنهم عائلة واحدة وأن الشيخ هو زوج هذه المرأة وأب لذلك الشاب، دس العجوز مفتاح الغرفة في يد حمد قائلا وهو يلوح بجهازي تحكم التلفزيون والمكيف أمام عينيه وفي وجهه عبوس وجمود كريهان :
- هذا مفتاح غرفتكم، وهذا جهاز التحكم بالمكيف وهذا جهاز التحكم بالتلفزيون .. يجب أن تحافظوا عليها جيدا، هل فهمتني؟ الإفطار من الساعة ٦:٣٠ حتى الساعة ٩ ولن يستقبل المطعم أي أحد بعد التاسعة، يجب ان تفهموا هذا جيدا.. ، حسنا الآن انتم الثلاثة اصعدوا إلى الغرفة أما هذه الفتاة فغير مسموح لها أن تصعد معكم .

لم يكن يحسن الحديث باللغة الإنجليزية إطلاقا وإنما كان ينفث كلماته التي حفظها عن ظهر قلب نفثا ممزوجا بلعاب الفم، لكني مع ذلك استفهمته قصدا لإثارة غضبه:
-هل هذه هي الفتاة الوحيدة التي لا يسمح لها بالصعود الى غرفتنا أم جميع الفتيات؟
فتجهم وجه العجوز تجهما شديدا وبزغت عيناه بزوغا واضحا حتى خشيت عليه من الانفجار وقال بصوت مرتعد وهو يلوح بيده المشدودة يمنة ويسرة واللعاب يتطاير زخات من فمه:
- لا ضيوف، لا ضيوف في الغرف
لقد شعرنا بحمم غضبه تثور في كل حرف وكل حركة من يده وصدره ينتفخ من الغيض وكأنني أشعلت فتيل الانفجار، فما كان من (هيلين) الا ان تداركت الموقف واعتذرت له بصوت مذعن خافت عطوف أخبرته أنها لم تكن أصلا تنوي الصعود معنا بل إنها كانت تود انتظارنا في الأسفل، حدثته بلسانها الرطب وقلبها الطاهر فهدأت سرائره وسكن الزفير من صدره وسكت راضيا.. ، وصعدنا دون أن نقول أي كلمة أخرى ..
صعدنا إلى الغرف وطلب حمد منا الاجتماع فورا، كنت متأكدا كل التأكد ان سبب طلبه الاجتماع هو أنه ينوي تأنيبي على حماقتي التي ارتكبتها مع صاحب الفندق، لذلك ظل تفكيري منشغلا في الحمام بإعداد رد رصين مفحم، كان رأيي قد استقر على أن أرد عليه بأن سؤالي لم يكن لغاية استثارة غضب الرجل وإنما كان ممارسة أحد حقوقنا كنزلاء واعتراضا على سياسة الفندق التي لم يتم اطلاعنا عليها مسبقا فمنع إدخال الضيوف الى غرف النزلاء يتعارض تعارضا كليا مع توجهاتنا ومخططاتنا، .. ، لكن ما حصل في الاجتماع هو غير ذلك تماما، كان يريد أن يخبرنا أن هناك تعديلا في الخطة حيث أن (هيلين) وأصدقاءها يرغبون في اصطحابنا الى تناول العشاء في أحد المطاعم الشعبية الشهيرة في العاصمة أثينا الذي سنلتقي فيه هناك بفتاة صينية هي الأخرى كانت زميلة لهما في الجامعة وقد جاءت رأسا من ميونيخ بصحبة صديقة لها صينية أيضا من أجل المشاركة في حفل الزفاف ثم قال لنا وقد تصاعدت إمارات الجد على وجهه: إنهما فتاتان محترمتان جدا ومثقفتان.. .
ابتسمت ابتسامة تشي عن ارتياح وعن خبث دفين، وقلت لهما طالما أن الأمر كذلك فأرجوكما تقدماني إلى قاعة الاستقبال وأنا سألحق بكم لأقدم الهدايا (لهيلين) .. ، نظر خالد الي نظرة اشمئزاز وسخرية: ها.. نورجولد
بادلته بنظرة تحد وابتسامة الوثاق دون أرد عليه بكلمة، ثم ذهبا ..
أنكم تعلمون سلفا أن خالدا كان غاضبا مني طوال الطريق بسبب هذه الهدية التي كلفني بشرائها نيابة عنه من سوق مطرح، وقد اشتريت له هدية قيمة فعلا بثلاثين ريالا عمانيا وبذلت عناية كبيرة في اقتنائها، راعيت فيها الخصوصية النسائية والأصالة العمانية والفخامة، واخترت أيضا هدية مني قيمتها لا تزيد عن خمس ريالات عمانية ولكن فيها من المعاني والحضارة والتراث ما لا يقيمه أي كنز في الدنيا ، أنني أؤمن في نفسي أن الهدية معنى وليست ثمن حاولت ألفت فهمه الى هذا لكن دون جدوى، بل هو من أفهمني جيدا أنه يريد هدية قيمة تليق به كرجل عماني أصيل ومثقف ومحترم ومقتدر هدية تليق بعرس فتاة يونانية رقيقة وعذبة، أراد من هديته ان تكون لائقة بشاب أنيق ذلل الصعاب وقطع آلاف الكيلومترات من مسقط إلى أثينا، أراد هدية قيمة تمثل كرم وأصالة الشعب العماني، لكنه عندما رأى الهدية التي اخترتها له أصيب بخيبة أمل كبيرة وأسماها نورجولد، لا أدري ماذا يعني نورجولد ، لكنني عندما أطلعته على هديتي هانت مصيبته وضحك وسخر مني أيضا وشكك في صحتي العقلية بل مضى يطلق علي لقب (حنا السكران) طوال الرحلة إشارة الى إحدى شخصيات الغبية في رواية توفيق الحكيم.. ، على كل حال لجأت إلى حمد لأستعين برأيه لتهدئة روع خالد الا انه أيضا عبر عن خيبة ظنونه في انتقائي للهدايا كان يتمنى لو انتقيت أشياء ثمينة لصديقته لتعبر على الأقل عن كرمنا وامتنانا لدعوتها واستضافتها لنا في أهم يوم في حياتها .. ، لتلك الأسباب كلها كان علي ان أحمل على عاتقي مسؤولية تقديم هذه الهدايا السخيفة، أما حمد فقد حرص على أن يقدم بنفسه هديته الثمينة التي اختارها بنفسه..
وحينما عدت الى قاعة الاستقبال كان الجميع جالسين على مقاعدهم مستغرقين في أحاديثهم المختلفة، وحين دخلت حل صمت غريب عليهم وتوجهت أنظارهم الى الكيس المعلق في يدي، كان علي من اجل كسر هذا الصمت والترقب أن أقول شيئا أي شيء ..، لذلك وبدون اي تردد تقدمت إلى هيلين وقلت: اسمحي لي أيتها الآنسة اللطيفة أن أقدم لك هديتين بسيطتين مني ومن أخي خالد تعبيرا عن … تعبيرا عن .. هديتين بمناسبة زواجك السعيد.
- يا الهي .. ، شكرا جزيلا أنت جدا لطيف يا جمال .
- لا لا ليس كل هذا مني انا .. ، إن كل واحد منا قد أحضر هدية خاصة به ، سأبدأ أولا بهذه الهدية من عند خالد وهي عبارة عن طقم من المجوهرات العمانية التراثية التي تلبسها العرائس في عمان ليلة زفافهن، انظري ..
- أووه حقا إنها جميلة جدا شكرا جزيلا خالد .
- لكنها في الحقيقة ليست ذهبا حقيقيا لا تفرحي كثيرا لا أريد أن أكذب عليك أو أخدعك ..
ضحك الجميع وضحكت معهم وأنا أراقب ابتهاجها بالهدية، بينما صمت خالد غضبا وقال لي بالعربي :
• لماذا اشتريت هذه الهدية المزيفة إنها فضيحة ، نورجولد !! يا لك من أحمق
• إنها مجرد هدية يا صديقي انظر إلى الفتاة كيف طارت من الفرح بسبب هديتك
شتمني مرة أخرى، ثم قدمت لها هديتي وكانت عبارة عن مبخار على شكل برج، المبخار المشيد أعلى جبل حديقة ريام، وأرفقت معه جمرا وعلبة فيها نوع من البخور والعود واللبان، وقد انفرجت أساريرها من الفرح والغبطة، حتى أن حمد نفسه شرع يشرح لها كيفية استخدام البخور بالطريقة العمانية الأصيلة، لكن ما أفسد الفرحة هو أن المبخار كان مكسورا الى نصفين بسبب سوء نقل الحقائب.
أما حمد فقد تقدم بنفسه وناولها هديته، لا أعرف ما هي بالضبط ولكن من أسلوب اهتمامه بها وطريقة تقديمه جعلني أشعر من أعماق قلبي أنها ثمينة حقا، كانت عبارة عن نوع من اللباس النسائي الشرقي المرصع بأشياء لامعة وملونة، أما هيلين فقد اكتفت بهز رأسها بكل برود شكرا، حتى انها أشاحت بنظرها بعيدا عن عينيه، كانت تحدق بعينيها الى اللباس المزركش في يدها وتقلبه، إنها تفعل ذلك بشكل غير ارادي، لا بد انها تخفي شعورا ما، وتكتمه خوفا من ان يتبنه من لا يجب ان عليه ان تبينه، كم هي غريبة تلك العلاقات الصامتة بين الأصدقاء إنها أجمل ما كتب في الروايات جمالا وحبكا وتضحية لكن أحدا لا يستطيع قراءتها أو فهمها لأنها أيام وصفحات بيضاء لم تخط ولا يمكن أن تخط، هل تدرون الان لماذا لم أحفل كثيرا بثمن الهدايا، إنها مهما بلغت من سعر ومهما اشتملت عليه من ألق وافتتان فإنها لا تعدو الا ان تكون رمزا في العيون الطاهرة الكريمة للنفس المهداة.. ، لذلك وبعد ان استقر بنا الحديث وانطفأت الأحاسيس جمعنا أشياءنا ومشاعرنا ومضينا مسرعين الى مطعم في وسط البلد، ولضمان سرعة الوصول قرروا أن نستخدم المترو فهو رخيص وسريع أيضا، كما أن المطعم الذي نقصده يقع أمام إحدى محطاته، والشيء الآخر وهو الأهم بالنسبة لنا نحن العمانيين أننا لا نعد المترو وسائر المواصلات الجماعية مجرد وسيلة نقل بل نعتبرها أيضا مزارا سياحيا نحكي تجربته لأصدقائنا وأقربائنا عندما نعود، حكيت ذلك لثاسنيوسيس الصديق اليوناني الذي يضع نظارة، فأصابته دهشة من كلامي وانفلتت من فمه ضحكة انتبه لها ركاب المترو الذين كانوا يقفون في محاذاتنا في نفس الكبينة ، والمترو يجري بكل شجاعة وقوة تحت أنفاق مظلمة أسفل الأرض يلتهمها التهاما وهو يزمجر بصوته الحديدي المخيف، وكنا كلما اقتربنا من المحطة المقصودة زاد عدد الركاب وتزاحمت الأكتاف وتلاصقت السيقان، العجزة والأطفال كانت لهم الأولوية في اخذ المقاعد، أما الشباب فإنهم يقفون على أقدامهم، أخبرني ثاسنيوسيس ان المحطة التي سوف نترجل فيها هي محطة الاكلوبوليس وهي المحطة الرئيسية في أثينيا ، تنطلق منها جميع المسارات وفيها مبنى الإدارة ، كما أن فيها متحفا أثريا يمكن للسياح التجول في بعض اماكن المتحف مجانا، وعلى كل حال رسوم المتاحف هنا ليست باهظة الثمن جدا، حتى الاكلوبوليس نفسه يمكنك ان تشاهده من الباحة الخارجية للمحطة دون الحاجة الى دخوله، شد انتباهي كلمة الاكلوبوليس فسألته متعجبا:
• ما هو الاكلوبوليس ولماذا كل شيء هنا يحمل اسم الاكلوبوليس؟
مط حاجبيه باستغراب شديد، وانفرجت شفتاه وكأنه أراد أن يقول شيئا سخيفا ثم وبعد تدقيق تراجع ، صحح من تموضع نظارته وقال لي بكل هدوء:
• الاكلوبوليس هو أشهر مكان في اليونان وهو المزار الاول لجميع السياح، إنه أهم الآثار الإغريقية القديمة في اليونان كلها، بني منذ آلاف السنين.
• كم سنة يعني ؟
• لا أدري حقيقة دعنا نسأل فطوينسويس لاحقا عندما نصل، إنه يعرف كل شيء لأنه يقرأ كثيرا
• بالفعل ، باين من شكله.. ، ألم يكن يدرس معكم في اليونان؟
• نعم لم يكن معنا، إنه متخرج من إحدى الجامعات المحلية يسكن ويعمل هنا في أثينا..
• أها ، وانت أين تسكن
• انا وهيلين نسكن في مكان بعيد من هنا ، سوف تراه عندما تأتي الى حفل زفافنا..
أصابني صدمة أنا الآخر من جملته الأخيرة، فحتى هذه الساعة لم يخبرني أحد أن ثانسويس هذا يمكن أن يكون خطيبا لهيلين، ولم يكن من اللائقة ان أسأله سؤالا كهذا بعد أن قضينا نصف يوم بأكمله نتحدث ونتبادل الهدايا، لكن تصريحه هذا فسر لي الكثير من المواقف، أجبته محاولا أن أعلل اندهاشي:
• لم أكن أحسب انك وهيلين من القرية نفسها..
• لا لا لسنا من القرية نفسها ، ولكنني أسكن في قرية قريبة، كلاهما يتبعان المحافظة نفسها
• أها ، هكذا اذن ..
حاولت أن أتدارك الحديث حتى لا يعود ويسألني : هل أنا متزوج أم لا ؟ ، كنت ارى السؤال يلح في عينيه وهو يخفي ابتسامة خبيثة حينما ينحو حديثا نحو الزواج والعرس، لهذا فضلت السكوت والتظاهر بالانشغال، كان الوقت متأخرا ولم يكن في وسعي أن ابتكر المزيد من الحيل ..، ثم أن المترو قد توقف في محطة الاكروبوليس، والحق أن ما يقلقني في هذا الموضوع هو أنني في حقيقة الأمر متزوج ولكن أحد صديقي هذين في هذه الرحلة قدم لي بعض النصائح المهمة ، وقد طبقت جميع نصائحه وتوصياته الا هذه النصيحة التي تطلب مني أن أكذب فأقول بأني غير متزوج، أليس الكذب سبب كل الشرور، أليست جميع الجرائم والأفعال السيئة نوعا من الكذب أو ثمرة منه. لذلك عندما قلت لثانسيوس أنني غير متزوج شعرت بخيانة عظمى لنفسي ولعائلتي ولمبادئي، ووددت لو أنني لم أفعل ذلك إذ لم تفتأ هذه الكذبة هذه تلاحقني كلما رأيت ثانسيوس هذا لقد غرست في صدري مرارة سيئة المذاق لا يمكن ان تزال، وقلت في نفسي يجب علي ان أتوقف عن الكذب طالما أن أحدا غير مهتم بموضوع زواجي وطالما أني لا أقوى على الكذب..
لم يكن المطعم أحد أفضل مطاعم اثينا الفاخرة حسب ما اخبرني ثانسويس الصديق اليوناني بل كان مطعما بسيطا مزدحما ويقدم طعاما محليا شهيا وأسعاره في متناول الناس، جلسنا في المقاعد الخارجية حيث يمكننا أن نشاهد الاكروبوليس في أعلى الهضبة وهو يضيء ألقا في ظلام السماء كلؤلؤة براقة في ثوب حريري أسود، جلست وجلس الجميع، ووزعت علينا قوائم الطعام، وطلبت من ثانسيويس ان يختار لي أي وجبة شعبية يحبها الجميع فاختار لي بعد طول تفكير وجبة السولافيكا بالدجاج ، فأحضروها وكانت شيئا أشبه بالشوارما لكن بالخبز اليوناني الثخين، وهي لا تطوى طيا وإنما يطبق بنصفيها على ما دس فيها من دجاج وخضراوات وزيت زيتون واجبان، منظرها جذاب وشهي ، أكلت واحدة وأكل ثانسيوس اثنتين ، ثم حضرت الفتاتان الصينيتان اللتين كان الجميع في شوق لرؤيتهما، رحب بهما الجميع ترحيبا في غاية السعادة والبهجة ورحبت بهما بابتسامة وتحية شبه رسمية وعيني على حمد كي لا أخيب ظنه فأتجاوز حدود الأدب، بالرغم من أن اسميهما مثيران للضحك، فالأولى كان اسمها ون ون أي نفس الرقم الإنجليزي والاخرى اسمها هو ذات اسم العملة الصينية ين ، لكني مع ذلك التزمت الأدب ولم أضحك وتجنبت الحديث معهما سدا للذرائع ثم لاحقا نسيت اسميهما وهي إحدى عاداتي السيئة ، وجلسن وأكلنا وقضينا وقتا ممتعا طويلا لولا أن ثانسيوس أعاد موضوع الزواج مرة أخرى عندما كانوا منهمكين في الحديث عن علاقة الرجل العماني بزوجته ، فجأة أشار حمد نحوي بيده وقال اسألوا جمال فهو أدرى..!
فبدت الصدمة في وجوههم وفي وجهي أيضا، كانت فعلا صدمة كبيرة ولكم أن تتصوروا حجم الورطة التي أوقعت نفسي فيها، وهتف ثانسيويس : ولماذا نسأله؟ أمتزوج هو؟ ، عندها شعرت بقشعريرة تسري في جسدي فتهزه وتهوي به لقد تمنيت لو أن الارض تنفرج فتبتلعني كي أنجو من هذا الموقف، كانت الأنظار جميعها تحدق في تنشد إجابة أو حلا لهذا اللغز..، لقد كنت في موقف لا أحسد عليه وبعد ان عقدت عزيمتي وتجرعت ريقي واسترجعت شيئا من ثباتي قلت لحمد: نعم لماذا تسألني أنا؟ اسأل خالد أو أي حد آخر؟ ، كان حمد قد فطن لما ورطت نفسي فيه فغير مجرى الحديث ..
عندما عدت الى الفندق في تلك الليلة ضحكنا وتلاسنا بالحديث كثيرا، لقد اتضح أن حمد قد أعطاهم سلفا نبذة عن شخصياتنا فهم تقريبا يعرفون كل شيء عنا قبل حتى أن نصل اليونان. ، أما ثانسيوس المحتال فقد كان يخفي علي أنه يعرف كل شيء عني .. تبا له، غدا سيكون لي لقاء آخر معه..

جمال النوفلي

إلى الأعلى