الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنان الأردني محمد المهدي

قراءة في تجربة الفنان الأردني محمد المهدي

ينتابك كملتق وأنت بصدد أعمال الفنان التشكيلي محمد المهدي هذيان جميل ما بين الماضي الطفولي وأشهر اللوحات التي وسمت تاريخ الفن من جهة وشخصية الفنان الحاضرة من خلال كل ما اكتسبته من ذلك الماضي المختلف المشارب والتأثيرات وعلاقاته الانسانية المتعددة. حيث لا تحس وأنت بصدد أعماله بالنمطية فخياله الخصب كخيال طفل عابث كفيل باخراج موضوعات لوحاته عن المألوف الى مجال النسج التخيلي، أين تتحدث شخصياته القديمة والمألوفة لدينا داخل فضائه التصويري الجديد أبجدية الفنان الخاصة، وتتموقع وفق تصوراته وحبكته اللامتوقعة والتي يصدم من خلالها المتلقي بأسلوب جمالي قادر على اكتساح ماضيه وذاكرته ومخيلته. إنه نوع من تحويل الوجهة يمارسه الفنان محمد المهدي باسلوب نوعا ما كاريكاتوري ساخر على شخصياته الواقعية والكرتونية وحيواناته و ابطال اللوحات الكلاسيكية لتتسكع بأسلوب جديد ومتخيل داخل ارجاء لوحاته. فهو يسير على غير منهج بالنسبة للمتأمل للوهلة الأولى بسبب كثرة الاستطرادات الجمالية والدلالية حيث الأمر برمته مشهدية مختلفة من لوحة الى أخرى، وحوادث متفرقة ومقابلات شتى بين أمكنة متعددة وأشخاص متباينة يلوح نظامها مهمشا، شخصيات وحيوانات ومشاهد طبيعية وأخرى استعادة للوحات عالمية كما بورتريهات لأكثر من 300 فنان عربي وعالمي تتأرجح ما بين الاكتمال وعدمه، ما بين تلك العفوية والتلقائية وذك التحكم والقدرة والبراعة، كاريكاتورورسم مائي وبقلم الرصاص وبالكريليك وكولاج …في ضاهرها تزاوج الاشكال والاساليب المتباعدة وغير المتجانسة وباطنها فسيفساء مشفرة الرسائل جماليات ذات أبعاد سياسية واجتماعية وانسانية يدرجها الفنان داخل مشهده المفكك بأسلوب ساخر. فالشخصيات من عصور مختلفة وأجناس متنوعة حيث يكاد محمد المهدي يكون خلوا من كل مقدرة على ربط الأشياء ببعضها بعضها لكن ذلك يعكس المقدرة الهائلة على تفكيك المركب الذي يعد اصعب من عملية تركيب المفكك، فهذا التجرد من البناء المحكم ليس حكما اعتباطيا بل فيه صرامة تشكيلية هشة تبشر بجماليات الهش والمفكك. أعتبر شخصيا أعمال الفنان ردة فعل نفسية على الصرامة العقلية التي تسم العالم والعلاقات التي تنسج في الخفاء وراء هذه الفوضى التي تعم المكان.
هذا النظام المهمش وذلك المشهد المفكك الذي تلوح اجزاوه مبتورة ولامكتملة هو مقصد جمالي يرفض التكلف، مجموعة من المواد البصرية التي تصل حد الفجائية من حيث المواضيع والتقنية المعتمدة، هذه الاخيرة أضفت على الاعمال لونا اعتباطيا غذته التلقائية في الرسم وفي التعامل مع الالوان والخطوط وذلك الاسلوب الكاريكاتوري الساخر الذي يتسلل بعمق الى باطن المواضيع فيلامس لب وجوهر ما يسكن فكر وذاكرة الفنان.
هذا الطفل العابث على فضائه التصويري كان مولعا بابطال الكرتون الخارقين الذين تتمثل مهمتهم في انقاذ العالم وتخليصه من الاشرار والانحياز دائما الى الاخيار، استحضرهم ليخبرنا بانهم خيبوا ظنه وهاهم اليوم في لوحاته شهود على ما تعانيه الانسانية من انسحاق وحروب ودمار مشاركين في الفعل فيتوسط باطمان الكثير من اللوحات بضحكة ساخرة يمكنها أن تفسر خيبة الامل التي بقيت قابعة داخل قلب ذلك الطفل وهاقد جاء اليوم الذي أصبحت لديه الأليات لترجمتها.
كما كان الفنان دائما يريد اعادة تمثل عدة لوحات مهمة في تاريخ الفن واستطاع باسلوبه الخاص والمتفرد من استحضارها ونجح في اعطائها ذلك الطابع العفوي والذي يدل عليه من الوهلة الأولى، فلم تكن استعادتها محاكاة بل ابداعا وهذا حسب رأي أهم من محاولة تقليدها حيث فتح المجال للمخيلة لتبدع وتسرح بعيدا. فليس من السهل اعادة تمثل الاعمال المميزة في تاريخ الفن باسلوب خاص هي ألية لا يمتلكها الكثيرون فيلجأون عادة الى التدخل على الصورة الفوتوغرافية او ادماجها ضمن ما يسمى بفن الفيديو وغيرها من الاساليب التي تعد حسب رأي سهلة وفي متناول اي شخص يجيد التعامل مع التطورات التقنية والتكنولوجية حتى وان لم يكن فنانا.
اللوحة لدى محمد المهدي إذا نص بصري ومشهد حيّ فيه مد وجزر بين عدة معاني وفنون وتقنيات ورسائل لا تكتمل الا بذلك النسق المفرط في العبث الجميل. اللعب الذي يسكن روح الطفل التي لم تغادر جسد الفنان وهذا لمسته أثناء تواجدي معه في ملتقى متحف بيت الغشام الدولي للفنون بسلطنة عمان حيث كان أسلوب الفنان مميزا وعابثا بدراية وحكمة بالغتين. فالتداخل بين مختلف المسائل والقضايا ميزة من مميزات الفنان الساعي الى التنويع في مواضيعه وتقنياته وتطوير نفسه والعمل دائما على عنصر المفاجأة وطرق أبواب مغلقة بعد، وبعض من المبالغة المحببة، يعد أسلوبه بين المتوفر حاليا غريبا وكثير العثور على البديع والاستعارات والاحالات وهذا ما يجعل حسب رأي لوحاته عادة عويصة المعاني مكدودة الافكار تعيي قارئها ببعد اشاراتها وقلة طلاوتها. وهذا ما يخلص القارئ من اشكالية التعاطي مع ذلك “الاستنساخ الباراع للاشياء كما هي موجودة في الطبيعة” على حد رأي هيقل في كتابه المدخل الى علم الجمال. هذه التلقائية الفوضوية النقية والحكيمة في أعمال الفنان هي حماية للذات من تلك اللعبة والعبارة لهيجل ايضا في نفس الكتاب” لعبة تظل نتائجها على الدوام دون ما تقدمه الطبيعة ذلك ان الفن المحدود في وسائل تعبيره لا يستطيع ان ينتج سوى أوهام احادية الجانب ولا يمكنه ان يقدم سوى ظاهر الواقع لواحدة فقط من حواسنا”، ومحمد المهدي هنا تجاوز وهم المحاكاة حتى في أقرب المواضيع الى قلبه وقدم حلولا تشكيلية وتقنية متنوعة كفيلة بمخاطبة جميع الحواس ومحفزة للعديد من التساؤلات من خلال أسلوب السخرية في شكله مضمونه ومقاصده ووظفه بعمق وجد بالغين في شكل رسالة بصرية تثير الالتباس والاشتباه بحكم انها تفيد المعنى وضده ونقيضه تفيد معنى الامتلاء والفراغ في ان.
مفارقة عجيبة حينا بين ما كان يثير في النفس الفرح والسرور وتواجده اليوم بين انقاض هذا العالم للتعبير عن خيبة امل، واستحضار طفولي عابث لاشهر اللوحات العالمية لاعطائها بعدا اخر جديد يجعل النفوس تتوق للعب حينا اخر، انها سخرية المشهد من خلال ذلك المزج بين المواقف الجادة والساخرة والتي تسكن روح الكاريكاتوري في كل عمل جديد فالابداع هنا هو ضرب من التناص”تداخل الفنون” بهذا المعنى فالخيال تركيب ابداعي فني لعناصر حقيقية واخرى خيالية هو خيال ملم ومشتق باسلوب استرجاعي، ومضة ورائية ورجعة فنية. هذا التناص يبني حوارا جماليا جمع بين الامتاع والمؤانسة والسخرية والنقد للتعبير عن موقف. فتفكك علاقات الفنان وتدهور مثله وقيمه وجدت في السخرية ما يتجاوز كونه شكلا تعبيريا او عنصرا اسلوبيا او اختيارا فنيا وانما موقف ذاتي يكشف عن مرارة وألم وبالتالي فالهزل وظيفي وهادف حيث يقول الجاحظ في هذا الاطار في البخلاء”ومتى أريد بالمزح النفع وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا والضحك وقارا”.
أعمال الفنان محمد المهدي اذا جمع بين الاجناس الفنية وانماط التعبير وتواتر الاستطرادات الجمالية، التعبير لديه عملية واعية وبناء ذهني مراقبين بالعقل رغم كل تلك العفوية هي ليست فوضى بل عمل مفكر فيه يظهر التداعي ولكن في العمق يخضع الى طريقة ونهج واستراتيجيا مدروسة، فالفنان هنا واع بمستلزمات الرسم ومتحكم في فنه فهو من يبدع البناء العام ويبني انسجامه الداخلي.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى