الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : تقسيم العراق لتعويض الفشل في سوريا

شراع : تقسيم العراق لتعويض الفشل في سوريا

خميس التوبي

في مقال سابق تطرقت فيه إلى أن الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة بعد المآلات الكارثية التي آلت إليها الحماقتان الأميركيتان في أفغانستان والعراق، للتدخل في الشأن الداخلي للدول تقوم على نشر الفوضى والإرهاب بالتحريض بين مختلف المكونات السياسية والمجتمعية (حكومة ومعارضة وطوائف ومذاهب)، مستخدِمةً في ذلك عملاءها ووكلاءها والجماعات الإرهابية التي أنشأتها ونمَّتها، سواء في أفغانستان أو في العراق أو سوريا وتشجيعها على تنفيذ عمليات إرهابية بهدف خلخلة الوضع الأمني وضرب الاستقرار وإنهاك الدولة من الداخل وإشغالها في نفسها بما يؤدي إلى انهيار شامل في مؤسساتها وإلى تهديد حقيقي لاقتصادها وهروب الاستثمارات وانعكاس ذلك بصورة مباشرة على الوضع المعيشي لأبناء الدولة المستهدفة وتراجع مستويات الصحة والتعليم والدخل؛ أي تحويل الدول المستهدفة إلى دول فاشلة قابلة للتقسيم.
وما يجري حاليًّا في المنطقة خاصة وبعض دول العالم هو تطبيق فعلي وحقيقي للاستراتيجية الأميركية الجديدة القائمة على الاعتماد على العملاء والوكلاء والتنظيمات الإرهابية برفقة مجموعات العملاء للاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) والطائرات بدون طيار؛ أي الاستراتيجية التي وضعها المفضوح المستقيل ديفيد بترايوس رئيس “سي آي إيه”. وهنا لا بد من أن نقدح زناد الذاكرة لتذكير من نسي أنه في بداية المؤامرة على سوريا أعلنت الولايات المتحدة وتابعتها بريطانيا أن أجهزة استخباراتهما تعمل على الحدود التركية ـ السورية لتزويد العناصر الإرهابية التي تطلقان عليها تورية وتغطية مسمى “معارضة معتدلة” بالأسلحة والعتاد اللازم، بالإضافة إلى ما أكده المسؤولون الأميركيون أن إدارة الرئيس باراك أوباما تزود العصابات الإرهابية بأسلحة فتاكة وغير فتاكة، وأن هناك مشروعًا لدى الكونجرس يدعو إلى تدريب وتسليح العصابات الإرهابية.
ولذلك فإن ما يجري في العراق من انهيار مثير للاستغراب في المنظومة الدفاعية والأمنية أمام ما يسمى تنظيم الدولة في العراق والشام “داعش” أحد مشتقات تنظيم القاعدة الإرهابي، هو نتيجة مباشرة لما يحدث في سوريا، وبالتالي لا يمكن فصل الحدثين عن بعضهما بعضًا، لكن إزاءهما وخاصة خروج محافظات عراقية عن سلطة الحكومة العراقية وسقوطها بيد ما يسمى تنظيم “داعش” يمكن الخروج بقراءة واستنتاجات كثيرة منها:
أولًا: إن هذا التطور الخطير في العراق جاء مباشرة إثر زيارة الدكتور حسن روحاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى “الجارة” تركيا ولقائه مع نظيره التركي عبدالله جول، حيث تعهد الرئيسان بمكافحة الإرهاب في المنطقة واحترام خيار الشعب السوري وإرادته واختياره من رأى فيه الكفاءة والكفاية لقيادة بلاده في هذه المرحلة. وواضح أن هناك خطًّا أحمر لدى أطراف إقليمية ودولية معادية لإيران بأن يكون لطهران نفوذ وتدخل أكبر في المنطقة من بوابة محاربة الإرهاب.
ثانيًا: الانهيار السريع لقوات الجيش والشرطة العراقية، وفشل البرلمان العراقي في الاجتماع لعدم اكتمال النصاب من أجل الموافقة على إعلان حالة الطوارئ في وقت يتعرض فيه العراق لخطر داهم، هما إحدى نتائج المحاصصة الطائفية التي حملها في جعبته المستعمر الأميركي والبريطاني إلى العراق وصورها للناس على أنها صورة من صور الديمقراطية والتي عمل على تنفيذها الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي إلى سوريا المستقيل (الذي بدأ يوالي اعترافاته عن حقيقة ما يجري في سوريا، ربما انتقامًا ـ وليس توبةً وندمًا ـ من حلف التآمر والعدوان لقضائه على ما يراه الإبراهيمي مسيرة تاريخية كانت حافلة بالنجاح). ومن نتائج نظام المحاصصة أن تحول هَمُّ أتباع كل طائفة نحو خدمة طائفتهم والبحث عن استقطابات واصطفافات وتحالفات ضد طائفة أخرى وتوسيع نفوذها وليس خدمة العراق، ولعل ما حدث مع طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي وإبعاده عن المشهد السياسي العراقي بإلصاق تهم ضده هو شكل من أشكال تحالفات الإقصاء والهيمنة والنفوذ، وبالتالي أصاب تشكيل قوات الجيش والشرطة والأمن مثل ما أصاب شركاء العملية السياسية.
ثالثًا: ما يحدث الآن هو أيضًا نتيجة طبيعية لعملية الإقصاء التي اتبعها رؤساء الحكومات المولودة من رحم الاحتلال إما انتقامًا أو اتفاقًا وتوافقًا مع المحتلين على إقصاء المسرَّحين من قيادات وضباط وأفراد الجيش العراقي الذي حله الحاكم الأميركي بول بريمر ربما لهاجس الخوف من إمكانية إعادة الجيش المنحل تجميع صفوفه، وبالتالي أضحت هذه الخبرات المتراكمة في المجال العسكري معطلة، فضلًا عن المشاعر المتولدة في أنفس هؤلاء القادة والضباط والأفراد العسكريين من سياسة التهميش والإقصاء وحرمانهم من مصدر دخل يعيلون به أسرهم، ومعروف عن العسكري أنه يرفض الإهانة والتهميش، ولذلك فإن مشاعر الانتقام ظلت تتأجج داخل النفس ولا يهم ساعتئذ مع من يتحالف حتى ولو مع الشيطان، الأمر الذي سهل اصطيادهم من قبل ما يسمى تنظيم “داعش”، حيث ظهرت الخبرة العسكرية المتراكمة لدى العسكريين في الجيش العراقي في السرعة الهائلة في التقدم، بالإضافة إلى ضعف التدريب والانتماءات الطائفية التي شُكِّلَ وفقها الجيش العراقي الجديد والتي أسهمت في تقدم “داعش” بترك القادة والعناصر من الجيش والشرطة مواقعهم في المدن المستهدفة؛ الموصل ونينوى وتكريت وكركوك.
رابعًا: الهجوم العاصف على مدن محورية عراقية في شقه الأكبر والأساس معني بما يجري في سوريا، فهو تعبير واضح عن مدى ما وصل إليه حلف التآمر والعدوان على سوريا من يأس وإحباط جراء تقدم الجيش العربي السوري وانتصاراته هناك على العصابات الإرهابية، وانتصار الشعب السوري لوطنه وتحديه المؤامرة الإرهابية بالتصويت في الانتخابات والتأكيد على أحقية الرئيس بشار الأسد برئاسة سوريا. فواضح أن معشر المتآمرين يريدون قلب معادلة الانتصار السوري بالعبث في العراق وتقسيمه إلى أقاليم فيدرالية تمنع التواصل الجغرافي لمحور المقاومة الممتد من إيران ثم العراق ثم سوريا ولبنان.
خامسًا: هذا التقسيم المبيت للعراق تقف وراءه أطراف عربية بالإضافة إلى الحكومة التركية بمباركة أميركية وهي الأطراف ذاتها الساعية إلى تدمير سوريا، وقد بدا ذلك من خلال سيطرة الأكراد على كركوك وحتى الموصل سعيًا نحو تحقيق أطماعهم في ما يسمونه دولة كردستان العراق، وسيطرة “داعش” ومن معها من قيادات وعناصر وبعض القوى السنية في المناطق السنية، وبقاء المناطق الشيعية بقبضة الشيعة. وواضح أن تلك الأطراف تهدف من ذلك بالإضافة إلى ما ذكرته آنفًا إقامة مناطق حظر طيران على الحدود بين العراق وسوريا لدعم العصابات الإرهابية، أو محاولة إرسال قوات خارجية أطلسية عربية تحت ذرائع كثيرة، وما الحديث عن اختطاف أعضاء القنصلية التركية في الموصل إلا مسرحية هدفها تبرير التدخل، بدليل أن حكومة تركيا طلبت مباشرة من الناتو الاجتماع لبحث صيغ المساعدة لتحرير المخطوفين. وهناك أنباء عن اتفاقات كردية ـ تركية ـ عربية وبدعم ومباركة صهيو ـ غربية على تحقيق أطماع الأكراد بإقامة دولتهم الكردية تضم حزب العمال الكردستاني، مع تقوية قبضة “داعش” ومن معها على المحافظات السنية، بما يؤدي إلى تقسيم العراق و”فدرلته”.
من المهم هنا الإشارة إلى أن مخطط الاستهداف لا يكتمل إلا بضرب مراكز القوة لدى الدولة المستهدفة الذي يبدأ من استهداف المؤسسة العسكرية وإنهاك الجيش لكونه القوة الحاضنة والقادرة على إفشال مخططات الاستهداف خاصة إذا كان هذا الجيش عقائديًّا كما هو حال الجيش العربي السوري والجيش المصري. وهذا ما يفسر مخطط ضرب الجيوش العربية.
الخلاصة، أن العراق كان بداية انطلاق ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي عهدت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش “الصغير” بتنفيذه إلى تركيا، وها هي تركيا بمعاونة عربية تنجح بالعراق في تثبيت أولى ركائز تدمير المنطقة وإعادة رسم خريطتها وفق ما يشتهيه كيان الاحتلال الصهيوني وحلفاؤه.

إلى الأعلى