الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : تعطيل الأوامر السامية .. طرق نزوى ثمريت ،،أنموذجا،،

العين .. الثالثة : تعطيل الأوامر السامية .. طرق نزوى ثمريت ،،أنموذجا،،

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ما هي القوة السياسية والقانونية للأوامر السامية؟ وهل يحق لأية سلطة تنفيذية تعطيلها بأية صورة ممكنة، كتأجيلها أو تأخيرها أو تعديلها أو حتى الغائها؟ وما هي طبيعة البعد الغائي من الأمر السامي؟ وما هي انعكاسات التعطيل على المجتمع. أربعة تساؤلات مهمة نطرحها لعلنا نضع قضية عدم تنفيذ الأمر السامي فورا أو في الأجل الزمني المعقول، نضعه في سياق اللا ممكن وقوعه رغم حدوثه، فكيف بعد حدوثه فعلا، فذلك يحتم تثبيت الإحراج السياسي المرتفع للأداء التنفيذي المنوط به أصلا تنفيذ الأمر السامي لما يحمله من صفة الإلزام كونه صادرا من السلطة السياسية العليا التي هي فوق السلطات، فكيف ما دونها تملك جرأة التعطيل وهي ما أنشئت إلا من أجل تنفيذ أجندة هذا النوع من السلطات؟
ذلك أن تفريغ عنصر الإلزام في الأمر السامي أو تمطيطه بآجال زمنية طويلة يدخلنا في إشكاليات سياسية كبيرة، ويمس بالبنيان النفسي الفوقي للدولة الذي يجب عدم الاقتراب منه أبدا، والذي كان يجب تعزيزه عبر البحث عن أدوات ووسائل جديدة في عصر العولمة الذي يشطر الولاءات والانتماءات، ويحولها من مساراتها الاعتيادية الفوقية إلى مسارات أفقية تميل لصالح شركات عابرة الحدود الوطنية، فهل نعمل على الحد من نطاق التأثير أم نوسعه؟ لن نتمكن من طرح قضية عدم تنفيذ الأوامر السامية بشموليتها الحصرية ولا حتى بمجموعة أمثلة نموذجية، وإنما سنتناول موضوعا قديما جديدا يشغل الرأي العام العماني والخليجي معا وفي آن واحد، وفي مثل هذه الأيام يكثر الحديث حوله، بل الحديث حوله على مدار العام، لكنه يتصاعد أكثر ويتقاطع مع محيطنا الخليجي أثناء قدوم فصل الخريف في محافظة ظفار، إنه طريق نزوى ثمريت، المتهالك، المنتهي الصلاحية منذ عدة سنوات، وقد أصبحت أعمال الترميم والتأهيل لا تصلح فيه رغم إنفاقنا عليها بالملايين، ونرى الأموال التي تصرف فيها تبديدا للأموال العامة، وفي كل عام وبالذات في كل موسم الخريف تسقط الأرواح بفعل انتهاء صلاحيته، ولدى الكثير من العمانيين والخليجيين ذكريات مؤلمة على هذا الطريق لن تمحو من ذاكرتهم، فأحدهم روى لنا مشهد سقوط سيارته في الحفر والمنزلقات المنتشرة على الطريق مما أدى ذلك إلى تدهور السيارة ووفاة اثنين من أقربائه، وقد تولد عند هذه الأسرة عقدة نفسية من زيارة صلالة، ويمكن القياس على هذه الحالة الكثير من الحالات المشابهة .. بحيث يسجل في ذاكرة كل خريف وفيات مؤلمة ومأساوية، من المسئول عنها في ظل تأخير تنفيذ الأمر السامي؟، فالأمر السامي بازدواجية طريق نزوى ثمريت قد صدر في يوم (23) نوفمبر 2010، ونحن اليوم في منتصف يونيو من عام 2014، ولم يعرف هذا الأمر النور حتى الآن، أي أننا في السنة الرابعة تقريبا من الأمر السامي، تصوروا حجم وأبعاد وخلفيات هذه الإشكالية الكبرى، قرابة أربع سنوات ولم ينفذ الأمر السامي، لماذا؟ وهل هذا يعد أمرا فوقيا قد جاء متدخلا فوق كل السلطات لحل مشكلة كبرى تسيئ للصورة الحضارية لبلادنا وتفقد الكثير حقهم في الحياة؟ وهل يعد هذا أمرا ساميا بمفهومه السياسي والتقني إذا كان سيجمد طوال هذه السنوات، وتلكم التساؤلات تحتم طرحها فلسفة الأمر السامي وأبعاده السياسية، كما تحتمها منهجية الطرح وموضوعيته خاصة وأنه ليس هناك في الأفق ما يجعلنا نقول إنه سيعرف النور في تاريخ (ما) رغم تصريحات كبار المسئولين المختصين الواعدة بالتنفيذ، وقد رصدناها أي الوعود منذ ثاني يوم الأمر السامي في عهد الفريق الاقتصادي السابق، فعلى لسان كبيرهم أوضح أنه يجري حاليا وضع الأمر السامي موضع التنفيذ محددا شهر ديسمبر من ذلك العام لطرح مناقصة تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، وفي كل عام تتوالي التصريحات الواعدة بالتنفيذ من كبار ومتوسطي المسئولين، وقد رصدناها وجمعناها وفق تسلسلاتها الزمنية ومن مصادرها الرسمية، لن نقوم هنا بنشرها .. لأنه ليس هدفنا بعد شخصي في الإحراج السياسي وإنما لحمله على الحفاظ على مركزية ومكانة الأوامر السامية من الناحيتين الوطنية والسياسية، كما أنها واستدلالاتها قد أصبحت معلومة بالضرورة، كما أننا لا ننشد هنا سوى الموضوعية الدافعة لتحريك المياه الراكدة التي لم تؤثر فيها سقوط الضحايا سنويا على هذا الطريق الاستراتيجي الوحيد الذي يربط جنوب البلاد بشمالها، ويفترض أن يكونوا بأفضل المقاييس والمواصفات وأحدثها، لأنها إحدى واجهات البلاد الرئيسية للداخل والخارج، تصوروا كم ضحية قد سقطت على هذا الطريق خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة؟ والله يستر على خريف 2014.
لسنا ندري ما وراء هذا الطريق من أسرار غريبة وعجيبة لم يتم الكشف عنها حتى الآن، فحلم ازدواجيته قديم، وكلما تتوفر الأموال له، يتم تحريكها لبنود أخرى، فقبل الأمر السامي جاءتنا منحة خليجية (بمئة) مليون دولار لازدواجيته في عهد الفريق الاقتصادي السابق، لكنه أي هذا الفريق فضل التصرف بها لصالح مشاريع أخرى رغم أن المنحة الخليجية مخصصة للطريق فقط بعد أن وصلت رسالة الضحايا العمانية والخليجية لدوائر صناعة القرار الخليجي، ربما تكون تلك المشاريع لها الأولوية، لكن لهذا الطريق كذلك أولوية كبرى غير منكورة لكنها متجاهلة حتى الآن، كما أن تحويل المنحة من غرضها المنشئ لها أساسا إلى أغراض أخرى غير معنية بذاتها من المانح يفقد الأداء الحكومي الثقة مستقبلا في صدقية الالتزام بالمنح والمساعدات، ويعطي مجتمعنا الحق في طرح مجموعة تساؤلات كبيرة حول دوافع القصور في تعزيز الربط الجغرافي ، وجعل حلقة التواصل تكتنفها الصعوبات والتحديات إلى حد فقدان الأرواح، فكيف نتحدث عن ضرورة الذوبان النفسي والمناطقي في ظل هذا الإخفاق؟ فطريق نزوى ثمريت الذي يبلغ طوله (751) كم له حمولات وطنية أكثر وأكبر عمقا من منافعه الاقتصادية والسياحية .. فمن يظن أنه مجرد طريق كالطرق المهمة يضع نفسه في فكر المنفعة الاقتصادية الخالصة، وبالتالي يباعد بين ضرورات الاستحقاقات الوطنية الكبرى التي وراءها حمولات اجتماعية كبيرة، وهي الحمولات نفسها التي أدركها الأمر السامي قبل قرابة أربع سنوات عندما تدخل في ازدواجية هذا الطريق، فيا أيها الأداء الحكومي المعني بهذا النداء مباشرة ، كفى جنوب البلاد تباعدا عن امتداده الجغرافي الطبيعي، وكفانا سقوط الأرواح البريئة من الأطفال وكبار السن جاءوا ليستمتعوا بالرذاذ والسحاب والاخضرار، فإذا بهم يدفعون ثمن ذلك أرواحهم، والأعمار بيد الله عز وجل، فقائد البلاد ـ حفظه الله ورعاه ـ أمر فعليكم التنفيذ فورا، فعدم التنفيذ بأية كيفية يمس من هيبة ومكانة الأوامر السامية التي هي فوق المؤسسات الدستورية والقانونية في البلاد وفوق فاعليها كونها تصدر من لدن اعلى سلطة سياسية في البلاد، وتتدخل بكيفية الأمر السامي وكيفيات أخرى مماثلة كالتوجيهات السامية، تتدخل خارج نطاق آليات وميكانزمات عمل المؤسسات للاستجابة لمطالب المواطنين العاجلة .. الخ فمتى ستعرف ازدواجية هذا الطريق النور؟ نريد افعالا لا أقوالا.

إلى الأعلى