الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاستعمار الثقافي للأمة ,,, من المواجهة إلى تقبيل اليد

الاستعمار الثقافي للأمة ,,, من المواجهة إلى تقبيل اليد

محمد بن سعيد الفطيسي

”نعم …. نحن نعلم ان هناك العديد من العقبات والقيود التي يعاني منها المثقف والمفكر والأديب في كل أنحاء العالم، وليس عالمنا العربي بالطبع بمنأى عنها، دفعت ببعضه في كثير من الأحيان إلى الهجرة والفرار بجلده خارج وطنه، أو البقاء فيه في كثير من الأحيان مرغما كمرتزق خائن وعميل للاستعمار وأعوانه، وهي حقيقة لا بد ان تعترف وتقر بها الحكومات العربية،”
ـــــــــــــ
منذ عقود طويلة من الزمن وهذه الأمة الكريمة قد ابتليت بموجات متتابعة من أشكال الاستعمار الأجنبي القذر، منه ما هو عسكري وآخر سياسي واقتصادي وثقافي، وبالطبع فإن جميع أشكال ذلك الاستعمار قد تغلغل إليها كنتيجة طبيعية لتراجع وضعف دورها الحضاري والقيادي الكوني، والذي بدوره قد تسبب بانهيار متتال ومتواصل لمختلف قطاعات الحياة الرئيسية فيها، بداية من ضعف الإرادة السياسية والتبعية للغرب في اتخاذ الكثير من القرارات المصيرية الخاصة بها، إلى تراجع القوة العسكرية والحربية الصناعية واعتمادها على الدول الأجنبية في توفير المعدات والآلات العسكرية وقطع غيارها.
مرورا بمنظومة الاقتصاد التي أصبحت تعتمد بشكل شبه كلي على الصناعات الغربية في توفير حاجات الفرد ومتطلباته السلعية اليومية، وليس انتهاء بالاستعمار العقائدي والثقافي والفكري الخطير للغاية، والذي بات ينخر كالسوس في كثير من العقول التي تعول عليها الأمة أمر نهضتها وعزتها، والتي داست ـ وللأسف الشديد ـ على فكرة الانتماء الحضاري للأمة وعقيدتها ككل، ولنبضها العربي على وجه الخصوص، فأثر ذلك كثيرا في توجهاتهم الثقافية والفكرية الإسلامية والعربية القومية، نحو فكر موجه ومتهم باتباع فكر مهزوز متهافت واستعماري.
ومن وجهة نظري الشخصية فإن الأخير منها ـ أي الاستعمار العقائدي والثقافي والفكري ـ هو أخطرها وأقذرها على الإطلاق، بل وأشدها فتكا بهذه الأمة العظيمة ومقدراتها وخيراتها وثرواتها البشرية والطبيعية، كونه يستعبد العقول والنفوس فيدفعها إلى الاتجاه الخاطئ في الحياة والبناء، وثانيا كونه ـ أي الاستعمار العقائدي والثقافي والفكري ـ كان وما زال وسيظل معول الهدم الرئيسي، لمختلف تلك القطاعات الحياتية التنموية الأخرى لأي امة في التاريخ، فالعقول المستعبدة أصلا لأيادي الاستعمار وأعوانه، هي أحوج ما تكون لتحرير نفسها منه، فكيف بها ان تقدر وتستطيع تحرير غيرها من عبوديته وقيوده وأغلاله؟.
فالاستعمار يدرك تمام الإدراك، بأنه إذا ما نجح بتدمير عقيدة المسلم وثقافته الدينية وأخلاقه وثوابته وقيمه الفاضلة، فإن ما دون ذلك من البناء الحضاري والتنموي سينهار تلقائيا، فكيف به إذا ما نحج بتدمير عقيدة وعقل الصفوة من أبناء مجتمع الفكر الإسلامي والعربي؟ من كتاب وأدباء ومثقفين ومفكرين وغيرهم، والذين تعتمد عليهم الأمة في الدفاع عنها، وعن عقيدتها وبنائها وكل جوانب الحياة فيها، فهم بالنسبة لها بمثابة القلب النابض، والرئة التي تتنفس بها الهواء النقي، فكيف إذا توقف القلب عن النبض؟ ولم تعد الرئة تتنفس غير الهواء الملوث؟ فليس بعد ذلك إلا موت ذلك الجسد وانهياره.
إننا اليوم .. نعيش ونعايش عودة أحد أخطر أشكال ذلك الاستعمار الثقافي، والذي يدب في الخفاء خلف الظلال المتحركة في عقول أصحاب الأقلام ومحرري الشعوب ومحركيها إلى الحق والنور ” كما يفترض بهم”، دفع بها الغرب الاستعماري الحاقد تحت مسميات ومصطلحات منمقة كثيرة وغريبة، إلى كيان هذه الأمة وقلبها العربي النابض، كنا قد تصورنا بأنها ـ أي هذه الأقلام الارتزاقية المأجورة الخائنة ـ قد وعت وانتبهت لذلك المخطط الاستعماري الفكري والثقافي الأجنبي، والذي طالما سعى بكل وسائله وأساليبه السياسية والفكرية إلى جذبها إليه، كما تجذب الجيفة المتعفنة الذباب والطفيليات إليها،
فهم ـ وللأسف الشديد ـ من جهة، أبواق لذلك الاستعمار الثقافي في هذه الأمة، وتحديدا في قلبها العربي العزيز، أما من جهة أخرى، فلم يكونوا كما يفترض بهم إنسانيا وفكريا، شموع تحترق لتضيء للآخرين طريقهم، بل حرموا أنفسهم من شرف ذلك، ليكونوا مجرد مرتزقة يتمنون كل صباح (ان لا ينتهي الصراع العربي الإسرائيلي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ حتى لا يضطر الواحد منهم الى تسكير دكانه!).
نعم …. نحن نعلم ان هناك العديد من العقبات والقيود التي يعاني منها المثقف والمفكر والأديب في كل أنحاء العالم، وليس عالمنا العربي بالطبع بمنأى عنها، دفعت ببعضه في كثير من الأحيان إلى الهجرة والفرار بجلده خارج وطنه، أو البقاء فيه في كثير من الأحيان مرغما كمرتزق خائن وعميل للاستعمار وأعوانه، وهي حقيقة لا بد ان تعترف وتقر بها الحكومات العربية، إذا ما أردنا ان نصل إلى شاطئ الأمان بأمن هذه الأمة وأوطانها ومجتمعاتها ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، وكما عبر عن ذلك سارتر في دفاعه عن المثقفين وفي تعريفه لهم، باعتبار المثقف نتاجا تاريخيا لامته ووطنه ومجتمعه، وهكذا فإنه لا يحق لأي مجتمع ( ان يتذمر ويشتكي من مثقفيه، وكتابه ومفكريه وأدبائه من دون ان يضع نفسه في قفص الاتهام ، لأن مثقفي هذا المجتمع، ما هم إلا صنعه ونتاجه) الطبيعي والتاريخي.
ولكن ذلك بالطبع لا يعطي مثقفي هذه الأمة بشكل عام، والعرب منهم تحديدا، الحق أو الضوء الأخضر في مهاجمة أوضاعها المتردية بطريقة هي أكثر اعوجاجا وترديا، وذلك بالتعاون مع أيادي الاستعمار وأعوانه في كل أنحاء العالم، فإذا كنا غير قادرين ـ ككتاب وأدباء ومثقفين ومفكرين ـ بطريقة ما على مواجهة الاستعمار الثقافي ومحاربته وكسر شوكته والقضاء عليه في هذه الأمة ككل، وفي كيانها العربي تحديدا، فعلينا ألاَ نقبل يده، او نجعل أنفسنا له شماعة يتعلق بها، او بوق ينفث من خلاله سمومه في جسد هذه الأمة الغالية، وكما أننا لا ندعو للدفاع عن الأنظمة او الحكومات والزعماء، فكذلك لا يجب أن نكون قفازا ليد الاستعمار القذرة، وذلك من خلال السعي إلى محاربتها بأساليب فوضوية وغير بناءة، جل هدفها نشر الفتن والنعرات الطائفية والمذهبية والشعوبية، وغيرها من وسائل التدمير والتخريب وزعزعة الاستقرار والأمن.
لذا فإن مجتمع الفكر الثقافي والعربي اليوم، كونهم الركيزة والأساس الذي يصنع الأمن الثقافي القومي لهذه الأمة وقلبها العربي النابض، مطالب بوقفة استدراك وتأمل في الكثير من الاتجاهات الفكرية والثقافية التي يشجع عليها ويسعى لتحريرها، وخصوصا تلك التي دفعت بنا في كثير من الأحيان إلى أحضان الغرب والاستعمار الثقافي الأجنبي، فلا حرية لهذه الأمة وجزء من كيانها مستعمر للغرب ثقافيا، وأي كيان ذلك، انه القلب النابض لها.
وكما قال المفكر سيد قطب بان: ( ارض العرب كلها جزء من ارض الإسلام، فإذا نحن حررنا الأرض العربية، فإننا نكون قد حررنا بضعة من جسم الوطن الإسلامي، نستعين بها على تحرير سائر الجسد الواحد الكبير)، فإذا عجزنا في يوم من الأيام على ان نصنع لأمتنا أولا، ولأنفسنا ثانيا منظومة أممية سياسية قوية ومستقلة، تملك قرارها ومصيرها وإرادتها السياسية بشكل كامل، فلا يجب علينا ان نعجز ـ نحن المثقفين كما ندعي ـ ان نتكتل فكريا في كيان ثقافي أممي وحضاري خاص بأمتنا، ننطلق من خلاله نحو فجر جديد من الحرية والعدالة والمساواة في مختلف قطاعات الحياة وميادينها، ونكون من خلاله يدا ضاربة تواجه الاستعمار وتحمي هذه الأمة وشبابها من الوقوع في براثنه وفخاخه، فإذا عجزنا كذلك عن تحقيق ذلك، فلا يجب علينا أن نكون الأفواه والأصوات التي تسبح بحمده ليل نهار، وتقبل يده في بلاد المسلمين والعرب وخارجها.

إلى الأعلى