الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / في ضرورة أن نحتفي بالمجيدين علمياً

في ضرورة أن نحتفي بالمجيدين علمياً

يتجدد المشهد هذا العام في احتفاء صحار بنخبها من المجيدين من حملة دبلوم التعليم العام للعام الحالي وذلك عبر المبادرة التي ينظمها سعادة الدكتور محمد الزدجالي عضو مجلس الشورى ممثل الولاية. والتي تأتي امتداداً لسلسلة مبادرات سابقة توجه العناية لإنجاز الشباب وترعى منجزهم الفكري والثقافي والرياضي وتأخذ بيدهم لتحويل هذه المنجزات لمنتجات اجتماعية تساهم في رفعة المجتمع والارتقاء بقطاعاته.
ما يعنيني في هذا الشأن ليست المبادرة لذاتها كونها تمثل أحد أشكال المسؤولية الاجتماعية لأعضاء المجالس البرلمانية أو البلدية تجاه تكريم والاحتفاء بالنخب الاجتماعية في هذا المجال.
ولكن هذه المبادرة تطرح سؤالاً مهماً: ما هي النخب التي يجب أن نقدمها للمجتمع في ضوء هذه المتغيرات الداخلية والخارجية التي تفتعل مفعولها فيه؟.
أعود هنا لخطاب راسخ في الأذهان مرتسم في ذاكرة الأجيال خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في افتتاح جامعة السلطان قابوس عام 1986م حين شدد على أن “… إننا نعيش عصر العلم ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات، وإن ذلك ليزيدنا يقينا بأن العلم والعمل الجاد هما معاً وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضة قوية ومزدهرة على أساس من قيمنا الاسلامية والحضارية”.
وهو ما يستلزم منا إعلاء قيمة العلم والمعرفة والاحتفاء بالنخب المشتغلة عليها في كافة المراحل لأنها هي التي نعول عليها تهيئة السياق الاجتماعي وتأطير المقومات الداخلية للمجتمع التي تساهم في استيعاب متغيرات العصر، وتلعب دوراً في التفاعل البناء مع هذه المتغيرات بما يضمن انعكاساتها الإثرائية على حركة المجتمع في صيرورته التنموية والحضارية.
إننا حين نحتفي بالعلم ونكرم المجيدين فيه فنحن نقدم للمجتمع النخب التي يفترض أن تتبوأ أولى مكانات التقدير في السلم الاجتماعي. ونؤطر لحالة يصبح فيها العلم والمعرفة والإجادة فيهما قيمة اجتماعية عليا تنفي ما دونها من قيم تمجيد الجهل وأشكاله أو تلك الممارسات التي لا تمت للروح الحضارية بصلة، وحين نقدم الاحتفاء بالمجيدين علمياً فإننا نمهد لمجتمع يؤمن بالعلم والمعرفة ويتخذ منها عقيدة اجتماعية يستمع إلى حملة لوائها وينصت بتؤدة إلى المخرجات الناجمة عنها.
وحين يكون هذا الاحتفاء منطلقاً من الوسط الشعبي وممثلاً لقاعدة المجتمع فإن ذلك يعطي مؤشراً أن هذا التقدير قابل أن يكون ثقافة اجتماعية إلى أن يجد مكانه في سلم الفكر الإداري للدولة ويصبح ثقافة دولة متكاملة وتتبناه المؤسسات العاملة في هذا السياق دفعاً منها نحو إبراز هذه النخب وتحقيق وجودها الاجتماعي اللائق.
إن المجتمعات العربية عموماً تعاني أزمة ثقافية تتلخص في سؤال من يتصدر المشهد الاجتماعي في هذه المجتمعات.
وحين نمحص الرؤية نجد أن حملة العلم ورواد الإجادة فيه محصورون في إطار مؤسساتهم العلمية .. منعزلون عن المجتمع .. قابعون في بوتقة التخصص، مما يجعل القطيعة قائمة بين العلم كمنتج اجتماعي وبين قبول هذا المجتمع وتداوله والتفاعل معه في إطار السياق الاجتماعي وبالتالي تقدير القيمين عليه وإحقاقهم مكانتهم الاجتماعية التي يستحقون.
ومثل هذه المبادرة وما تعكسه من التفافة شعبية لتؤسس لهذا التصدير المهم للنخب العلمية وتقريبها للمجتمع بصورة أكبر.
إننا في أمسّ الحاجة اليوم أن تعلو سلطة العلم والمعرفة على أي سلطة أخرى، وأن تتصدر نخب العلم والمعرفة المشهد عوضاً عن أي نخب أخرى، وأن يكون النفاذ بوساطة العلم والمعرفة غالباً على أشكال النفوذ الاجتماعي الأخرى. وكل ذلك لا يتأتى إلا عندما ندرك أهمية المشتغلين في قطاعات العلم والمعرفة والمجيدين من مخرجات مؤسساتها وأن نعي أن هذه الفئة وحدها القادرة على صناعة ما يمكن المجتمع من هضم المتغيرات المؤثرة فيه ودفعه لأن يكون رقماً فاعلاً في ساحته العالمية.

مبارك بن خميس الحمداني
كاتب عماني

إلى الأعلى