الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في التصدي لظاهرة التطرف فكريا وثقافيا 2-1

في التصدي لظاهرة التطرف فكريا وثقافيا 2-1

كاظم الموسوي

” بالرغم من المشتركات الكثيرة بين التطرف والإرهاب في كل أبعادهما، إلا أن هناك أوجه اختلاف بينهما، تبدأ من ارتباط التطرف بالفكر والثقافة وارتهان الإرهاب بالفعل والممارسة العملية، ولذلك نرى أن القانون العام في أغلب البلدان لا يعاقب على التطرف باعتباره نوايا وأفكارا وتصورات، يصعب تحديدها او تجريمها مسبقا، بينما يعاقب على الإرهاب المنظم والفعلي، رغم عدم الاتفاق على تعريف موحد له،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصبح التطرف، سلوكا وموقفا وظاهرة وممارسة، ومفهوما، من أكثر القضايا إثارة للجدل والاهتمام، رسميا وشعبيا، وفي أكثر من مكان على المعمورة، خصوصا في الدول الديمقراطية، في الغرب أو في الشرق.. لأسباب كثيرة، معروفة الآن، او مفسرة بما حدث فيها أو يمارس فعليا، ولان التطرف لا ينحصر فقط في التطرف الديني, كما يشاع او يبرز للعيان، فهناك كما هو معروف تطرف فكري وسياسي واجتماعي وثقافي وغير ذلك، بالتأكيد. ولكل تجسيداته أو عناوينه الملموسة وشعاراته المعروفة. وهو ما يزيد في الحذر منه أو الحيرة فيه.
بلا شك أن نمو ظاهرة التطرف عموما وانتقالاتها أو تمظهراتها المتعددة، تتطلب قراءة أكثر جدية لها ودراستها بعمق، وبذل جهود مكثفة عبر مراكز أبحاث وندوات ونشاطات أكاديمية واجتماعية توظف لاستكمال رؤية مكافحة التطرف وتقديم البدائل المقنعة والمغايرة للظاهرة.. بصيغ أو تحولات لا تسمح للتطرف أن يفرض نفسه في أي من مجالات الحياة، وتخفف أو تبعد خطر التطرف حين ينتقل من طور الفكر والثقافة النظرية، إلى طور الممارسة والتطرف السلوكي، او الابتعاد عن الاعتدال والحوار وفرض الفكر والرأي بالقوة والذي يعبّر عنه بأشكال مادية من أعمال قتل وتفجير ودهس وطعن وحرق بوسائل العنف المادي المختلفة بشكل فردي أو جماعي، اي بمعنى آخر التصدي له ووقف أن يصنع له بيئات حاضنة او التعشعش في حاضنات مهيأة له، فيتحول اصطلاحا ومفهوما الى مصدر او أساس للإرهاب المنظم.
بالرغم من المشتركات الكثيرة بين التطرف والإرهاب في كل أبعادهما، إلا أن هناك أوجه اختلاف بينهما، تبدأ من ارتباط التطرف بالفكر والثقافة وارتهان الإرهاب بالفعل والممارسة العملية، ولذلك نرى أن القانون العام في أغلب البلدان لا يعاقب على التطرف باعتباره نوايا وأفكارا وتصورات، يصعب تحديدها او تجريمها مسبقا، بينما يعاقب على الإرهاب المنظم والفعلي، رغم عدم الاتفاق على تعريف موحد له، باعتباره سلوكًا عنفيا وإجراميا، يعتدي على حرية الآخر ويهدد حياته، وهو مدان قانونيا وأخلاقيا من الأساس.
في توضيح آخر فإن التطرف والإرهاب والعلاقة بينهما.. كمفردتين او مفهومين، هما مختلفان عن بعضهما في التعريف إلا أنهما تؤديان الضرر نفسه والأخطار ذاتها في المجتمع والدول، في نهاية الأمر، لما يسببانه من أعمال لن تخدم المجتمع والدول.
يعرف مفهوم التطرف لغة هو “انتحاء أطراف الأشياء، مكانا أو زمانا او أجساما، ميلا أو ابتعادا عن أواسطها”، أو هو كل ما يؤدي إلى الخروج عن القواعد الفكرية والقيم والمعايير والأساليب السلوكية الشائعة في المجتمع، مُعبراً عنه بالعزلة والانتحاء أو بالسلبية والانسحاب، أو تبني قِيَم ومعايير مختلفة قد يصل الدفاع عنها أو تبنيها إلى الاتجاه نحو العنف في شكل فردي أو سلوك جماعي منظم، بهدف إحداث التغير في المجتمع او الضغط على الأفراد وفرض الرأي بقوة على الآخرين، أي أن التطرف يعني الغلو والتشدد والتعصب في جميع نواحي التفكير اتجاه المعتقدات والأفكار, أو معتقدات وأفكار وآراء تجاوزت المتفق عليه سياسياً واجتماعياً ودينياً داخل المجتمعات والدول، وفي حالة تصاعدها وتبنيها لأساليب عنفية ضد أفراد او جماعات من داخل او خارج المكان والزمان المحيط والواقع، تنشأ ظاهرة الإرهاب، ويصبح حينها التطرف مقدمة مسببة للإرهاب، كما ذكرنا. حيث الارتباط بينهما ممكن ومتوال اذا لم يتصد له وقائيا.
ويبقى أن نؤكد أن التطرف بمعناه الأوسع هو؛ اتخاذ الفرد أو الجماعة، موقفاً متشدداً إزاء فكر أو أيديولوجيا أو قضية، قائمة او موضع جدل ونقاش او مستمدة من التاريخ وممتدة في الراهن، أو معارضة قيم او قواعد اجتماعية وأخلاقية عامة، ومحاولة البحث عن مكان متميز في بيئة هذا الفرد أو الجماعة. لاسيما حين يلجأ إلى تكفير الاخر ومحاربته لاختلافه معه في هذه الأفكار أو القضايا. لا سيما في المجالات الدينية أو الثقافية عموما.
بهذا التوصيف تسبق شبكة الانترنت كوسيط مفتوح في مخالفة القيم والتعبير عن/ او الدعوة لها من خلال بث الأفكار التي يرى صاحبها أهمية ايصالها للناس، صوتا أو نصا، وعبر أشرطة فيديو مبرمجة، وغيرها، أو بمعنى آخر هي فضاء مفتوح يفتح شهية المتطرف للتعبير عن مفاهيمه وأفكاره خلالها، خصوصا اذا اطمأن من عواقب تلحقه منها، ولذا يتفنن في معرفة أصولها وفنونها وامكانيات استخدامها بطرق تخدم مراميه.
بالتأكيد هذا التطرف يستدعي حالا مكافحته والتصدي له ومعالجته بما يرفع تحولاته، ويدفع شرّه، ومن خلال التجربة يتم التصدي عبر طريقين، الأولي هي استخدام المعالجة الأمنية. في الواقع لم تعد هذه الوسيلة كافية في مواجهة التطرف وإنهاء الظاهرة، بوحدها، فالدور الأمني يتلخص في منع المتطرفين أو تحجيم تأثيرهم ومراقبتهم وتحذيرهم وحتى حجزهم مؤقتا، أو مجابهتهم بصورة مباشرة باستخدام أساليب عنفية مضادة ومواجهات قد تصل إلى صدامات لا تعرف حدودها والأسلحة التي تستخدم فيها بشكل مسبق او مقصود. أما الطريق الثانية وهي الأجدى عمليا، فتتم عبر التعامل مع التطرف بروية وحنكة وتفهم على مدى زمني طويل، يستند على استراتيجية بناء فكري مدروس ومنظم وموجه. ومستند الى أبحاث ودراسات وتحقيقات واستقراءات متواصلة للظاهرة وحجمها ونموها وتطوراتها، زمكانيا وتداعياتها الفعلية والتوقعات بمآلاتها.
لابد من القول إن ظاهرة التطرف وجدت في كل المجتمعات عبر التاريخ، وتأخذ أشكالاً متعددة، وكظاهرة عموما تتكون او تتفاعل من فعل استجابة أو رد فعل على ظاهرة الاستبداد أولا أو الضغوط المختلفة على التركيب والتكوين الاجتماعي ثانيا، او الحرمان من قيم الحرية والتحرر، ثالثا، بشكل منفرد او بمجموعها في أن واحد، ومنها ما يحصل أفرادا أو اجماعا، مثالا في:
- الحروب والصراعات الدموية والأهلية، وخطط أعمال الغزو والاحتلال، وما تحدثه طبيعتها أو تنتهجه مساراتها.
- تأسيس الأحزاب الفاشية والنازية، وتنفيذ برامجها ومواقفها وسياساتها ومنظماتها.
- التعصب الديني، وبروزه عند الجماعات المتطرفة والمتشددة التي ترفع شعارات دينية عداءية ورايات معبرة عنها، تتسم بالكراهية لغيرها مهما كانت الصلات أو المرابطة بينها.
- التمايزات الطبقية الحادة، وآثارها الاجتماعية، او الصراعات السياسية وانعكاساتها المتشددة. وطبيعة العلاقات في ارتباطاتها، والتحكم فيها، كما حصل ويحصل في احياء الفقر او المهاجرين في ضواحي المدن والعواصم الغربية، او أحزمة الفقر والحرمان في البلدان الأخرى.
وهذا يفسر لنا ان التطرف ليس صفة مقرونة بدين بعينه، او بفئة اجتماعية محددة، او ببلد معين. واحسن مثال يمكن الاستشهاد به صعود منظمات اليمين المتطرف والمجموعات العنصرية في بلدان أوروبا الديموقراطية، أو الجماعات الدينية المتشددة في البلدان التي تزعم تطبيقها أو التزامها الدين ذاته. كما أن الفساد والمحسوبية والتجاوزات في التفاوتات الاجتماعية، تعمل على توفير مجالات التطرف والتعصب. وكذلك سياسات التهميش والاقصاء والتمييز تفعل فعلها في صناعة التطرف والتشدد ورد الفعل العنيف.

kalm2011@live.co.uk

إلى الأعلى