الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : معركة الأقصى بين اختبار الإرادة وخيار المتاجرة

شراع : معركة الأقصى بين اختبار الإرادة وخيار المتاجرة

خميس التوبي

منذ النكبة الأم عام 1948م لم يتوقف تناسل النكبات على الشعب الفلسطيني وقضيته ، فقد أصبح تراكم النكبات الفلسطينية حالة لازمة وحدثًا ثابتًا في كل مرحلة يخطوها الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ما يؤكد أن كل ما أُجري من ماء تحت جسور المفاوضات والمؤتمرات منذ اتفاقية أوسلو المشؤومة وإلى حاضر الصراع ومستقبله لن يكون إلا ـ كما هو ثابت تاريخًا ـ محطات اقتضتها طبيعة المخطط الصهيو ـ أميركي ـ غربي لتظل المستعمرة الكبرى المسماة “إسرائيل” طعنة نجلاء لوحدة الأمتين العربية والإسلامية ولمقدراتهما وثرواتهما، ولتكون هذه المستعمرة رأس الرمح في حماية الوضع الاستعماري الامبريالي للمنطقة وللعالمين العربي والإسلامي، والمدخل الملائم والأوحد لبقاء هذا الوضع ، والسبب الأكبر الذي يجب أن يحافظ عليه المستعمِرون لإدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي التي (أي الإدارة) تضمن لهم الاستمرار في نهب ثروات المنطقة فيستمر معه دوران تروس اقتصادهم.
وفي سبيل الإبقاء على رأس رمحهم غارزًا في الجسد العربي، يمكن للمرء اليوم أن يشاهد النجاح في إدارة الصراع بنقل المعركة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى من عرفوا تاريخيًّا بأنهم صناع المعركة وقادتها ضد المحتل الإسرائيلي، وبأنهم الدعامة الأساس للشعب الفلسطيني ومقاومته، ونعني بهم هنا “العراق وسوريا وليبيا ولبنان واليمن ومصر”، ومن مدخل “القضاء على الديكتاتورية ونشر الديمقراطية الغربية والحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة”، وللمرء أيضًا أن يلاحظ الانتقال السريع بعد حرب الخليج الأولى إلى صناعة العدو البديل لكيان الاحتلال الإسرائيلي ألا وهو الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مدخل أنها تسعى إلى تصدير الثورة الخمينية وإلى نشر التشيع في المنطقة، فكانت صفقات شراء الأسلحة وتكديسها علامة دالة على النجاح.
وفقًا لذلك، فإن النجاح في إدارة الصراع العربي ـ الإسرائيلي وصناعة الأعداء الجدد البدلاء لكيان الاحتلال الإسرائيلي بات بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبًا للمستعمِرين، فقد أضحت تروس اقتصاداتهم تدور بأقصى سرعاتها، جراء الاستلاب المباشر لثروات الطاقة (نفط وغاز) وللثروات الطبيعية، وتصدير السلاح بأنواعه بحجة دعم القوى “الثورية المعارضة” ولـ”محاربة الإرهاب” الداعشي، علاوة على التغيير الديمغرافي والجغرافي، إما بالتهجير القسري لإفراغ الدول العربية المستهدفة من ثقلها السكاني، وإما بتأجيج الفتن الطائفية والمذهبية ودعم الإرهاب.
إن انعكاسات هذا النجاح في إدارة الصراع وتغيير البوصلة العربية من العدو الإسرائيلي إلى أعداء جدد أصبحت واضحة للعيان في أرض فلسطين المحتلة وأمام مرأى ومسمع العالم بأجمعه، حيث الانقضاض الصهيو ـ غربي ـ أميركي على دول المنطقة وبخاصة الدول المحورية والداعمة للقضية الفلسطينية ولمقاومتها، يقابله انقضاض إسرائيلي همجي ووحشي، بل إنه بمثابة نازية جديدة موجهة ضد الشعب الفلسطيني لتصفيته وتصفية قضيته. بل إن كيان الاحتلال الإسرائيلي تمكَّن خلال الفترة التي شهدت ما سمي كذبًا وزورًا بـ”الربيع العربي” من تحقيق تقدم ضخم في مشروعه التصفوي لفلسطين، وباتت معركته لاغتصاب القدس بأكملها وتدمير مقدساتها وهويتها، والقضاء على سكانها المقدسيين الفلسطينيين هي معركته الفاصلة نحو تحقيق الحلم التلمودي المسمى “يهودية إسرائيل” وعاصمتها الأبدية القدس.
لذلك لم تكن إجراءات الكيان الاحتلالي الأخيرة المنتهكة لحرمة المسجد الأقصى ومنع إقامة الأذان والصلاة فيه سوى بالون اختبار مدعوم فيه من قبل القوى الاستعمارية الامبريالية المتحالفة معه بقيادة الولايات المتحدة؛ لجس النبض واختبار مدى ما حققه النجاح في نقل المعركة إلى بيت المناصرين لفلسطين والداعمين لشعبها، وإلى الأعداء الجدد البدلاء لكيان الاحتلال الإسرائيلي العدو الأكبر والأوحد. وحتمًا أن هذا البالون الاختباري الذي أطلقه العدو الإسرائيلي وبإيعاز ودعم من حلفائه أعطى نتائجه التي يريدونها وهي التي ـ في ظني ـ أنها جاءت مشجعة لهم لمواصلة معركتهم نحو اغتصاب القدس من خلال مستوى رد الفعل العربي الرسمي والشعبي، ومحاولتهم المفضوحة باغتصاب النصر الذي حققه المقدسيون الفلسطينيون المرابطون بإجبار العدو الإسرائيلي على التخلي عن إجراءاته الأمنية وإزالة “البوابات الإلكترونية” من المسجد الأقصى وفتح أبوابه أمام المصلين، حيث ادعاء النصر بقدر ما شكل تشجيعًا للمحتل الإسرائيلي بقدر ما فضح المتاجرين بالقضية الفلسطينية. ولعل ما أكده الشيخ عكرمة صبري، مفتي الديار الفلسطينية السابق وخطيب المسجد الأقصى السابق يكفي لكشف الحقائق والفضائح، حين قال إن “المقدسيين والفلسطينيين عمومًا هم من حققوا الانتصار بإعادة فتح أبواب المسجد الأقصى للمصلين الخميس”. وفي إشارة إلى ادعاء الانتصار من قبل الآخرين، تساءل متعجبًا:”غريب أن بعضهم تبنى الانتصار بعد حدوثه بينما الذي صنع الانتصار هو شعبنا الفلسطيني، وهم أهل بيت المقدس الذين تضامنوا وترابطوا وتكاتفوا وقرروا أن يؤدوا ما عليهم من واجبات لمدينتهم وللمسجد الأقصى استجابة لنداء المرجعيات الدينية”؟!موضحًا أن “حشود أهل القدس، والتي فاقت المئة ألف جاءوا من كل أنحاء فلسطين وحقق أهدافه بالإطاحة بالبوابات الإلكترونية وإزالة الكاميرات والمسارات والجسور”.وهذا أيضًا أثبت إرادة الفلسطينيين التي أراد العدو الإسرائيلي أن يختبرها.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى