السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد : قمر الدين

ثلاثي الأبعاد : قمر الدين

ترك بلاده وهو في سن المراهقة لديه من التعليم ما يمكنه من القراءة والكتابة فقط ، هدفه جمع المال لتحظى عائلته بحياة كريمة تتوفر لها متطلبات الحياة الأساسية لم يكن يمتلك من المهارات التي تمكنه من أداء أي عمل إلا كوب شاي الكرك الذي تعلمه من أمه التي كانت تعده له كل صباح هو وأخيه الأكبر الذي غادر قبله لإحدى البلدان العربية، إلا أن المال الذي كان يرسله اخوه لم يغط المصاريف التي تحتاجها الأم عندما دخلت في وعكة صحية فأجبرته الظروف إلى تركها بعد أن عثر على عمل يمكن أن يساعده أحد معارفه في تلك البلد لتعلم ولو مهارة بسيطة تجعله قادراً على مواصلة العمل وبالإصرار أصبح معلماً لمهنة الطبخ التي تعلمها بل أنه أصبح غير قادر على ترك عمان التي تربى فيها ونال من خيرها، فخلال فترة تواجده ارتبط بشريكة حياته وانجب منها البنات اللواتي أسماهن بمسميات بنات العائلة التي ما زال يعمل معها منذ 1985م فأصبح فرداً من العائلة يعتني بالأطفال ويهتم بشؤون المنزل ويعول عليه الكثير وعلى الرغم من كبر سنه إلا أنه لا يود فراق عائلته العمانية التي عاش معها أكثر من عائلته الهندية فهو يذهب فقط لحضور حفلات أعراس بناته اللواتي لم يمكث معهن إلا شهرين كل سنتين أو ثلاثة ويتلقين اتصالا منه مرة أو مرتين في الشهر فهو لا يجيد استخدام التقنية الحديثة التي يمكن أن تبقيه على اتصال دائم معهن بينما إذا ذهب في إجازة لا يمر عليه أسبوع دون أن يتواصل مع عائلته العمانية التي لا ينساها من الهدايا عندما يعود من إجازته، قمر الدين لم يطلب في يوم من الأيام زيادة في راتبه إلا إذا تفضلت عليه عائلته العمانية بذلك، يحزن لحزنها ويفرح لفرحها فأصبح غير قادر على فراقها بل أنه لا يستطيع أن يتأقلم مع عائلته الهندية فهو تربى على ثقافة العمانيين وعادتهم ولهجتهم العربية، يعرف من الأماكن محلياً ما لا يعرف في بلده، تكونت لديه من الخبرة والحكمة ما جعلت أبناء بلده يأتونه للاستشارة ، فرض إحترامه وأحترمه الجميع.
قصة قمر الدين ليست غريبة على كثير من العمانيين الذين عرفوا قصصا مشابهة من الوفاء والولاء من اليد العاملة الوافدة، وحسن المعاملة سبب أساسي لذلك إضافة إلى الحاجة التي تجعل مثل هؤلاء يتعايشون مع أي ظرف يوضعون فيه حتى يصبح ذلك الوضع جزءا من حياتهم الذي لا يمكن أن ينفصلوا عنه ، ذكرت هذه القصة بعدما أصبح الكثير من المواضيع والقضايا بشقها السلبي ترمى على الوافد وكما يقال السيئة تعم فكان من الواجب أن نذكر بأن هناك نماذج كان لها الأثر الطيب في حياة الكثير منا باختلاف المهن التي امتهنوها (طباخ ، مزارع ، تاجر ، مربي ، سائق …) وغيرها الكثير فهم لهم دور لا يمكن أن ننكره وما زال الاعتماد عليهم في بعض المهن وأن قل وجودهم في بعضها.
وهناك بعض الحالات عانت قسوة العيش ولكنها صبرت مقابل مبلغ بسيط قد لا يكفي لشراء غرض واحد في بعض المحلات ويتم التعامل معهم كالآلة التي يجب أن لا تتوقف عن العمل من الصباح الباكر حتى يأتي موعد النوم في وقت متأخر وهكذا دون مراعاة لمكان السكن الذي قد لا تتوفر فيه ضروريات الحياة ولكن مع ذلك هناك من يقاوم ويستمر من أجل الحياة وأن كانت على حساب الإنسانية.
حياتنا تحتاج إلى الرفق واللين ابتداءً بأنفسنا ومن حولنا وخاصة من ضحى بالكثير فالدهر يومان يوماً نعيشه وآخر تحت التراب يقول الإمام الشافعي :
الدهر يومان ذا أمن وذا خطر والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الدرر
وفي السماء نجوم لا عداد لها وليس يكسف إلا الشمس والقمر

خولة بنت سلطان الحوسنية

إلى الأعلى