الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصفة الحادية عشرة:(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) (3)

الصفة الحادية عشرة:(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) (3)

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إنّ للصبر أقساماً ثلاثة، كما قال أهل العلم وهي: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله، ومرجع ذاك أن العبد في هذه الدنيا بين ثلاثة أحوال: أمر يجب عليه امتثاله والقيام به، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقضاء وقدر يجب عليه الصبر فيهما والرضا بهما، وهو لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً، وهو محتاجٌ إلى الصبر في كل واحدٍ منها، وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان ابنه في قوله:(يَابُنَي أقِمِ الصَلآةَ وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ وَاصبِر عَلَى مَآ أصَابَكَ).
1 ـ الصبر على الطاعات:
أما الصبر على الطاعات فهو صبرٌ على الشدائد؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثيرٍ من الأعمال، بسبب الكسل وإيثار الراحة، فقد تتوانى في دفع الزكاة بسبب الشح والبخل، وقد تترك الحج والجهاد بخلاً وإيثاراً للدعة والراحة، وقد تدع الصوم بسبب محبة الفطر وعدم الجوع، وعلى هذا فقس، فالصبر على الطاعات صبر على الشدائد.
والعبد يحتاج إلى الصبر على طاعته في ثلاث حالات، الأولى: قبل الشروع في الطاعة بتصحيح النية والإخلاص وعقد العزم على الوفاء بالمأمور به نحوها، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال:(إلا الّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصالِحاتِ) (هود ـ 11), قال ابن كثير:(أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء)، الثانية: الصبر حال العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه وأركانه، فيلازم الصبر عند دواعي التقصير فيه والتفريط، وعلى استصحاب ذكر النية وحضور القلب بين يدي المعبود.
الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للرياء والسمعة، والصبر عن النظر إلى العمل يعين العجب، والصبر عن الإتيان بما يبطل عمله ويحيط أثره كما قال تعالى:(لاَ تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنِ وَالأذَى) (البقرة ـ 264)، فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله، والصبر أيضاً بالمداومة على العمل والاستمرار في أدائه.
فالطاعة إذن تحتاج إلى مجاهدة وصبر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) ، وعن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه قالت: عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:(يا عائشة أفلا أكون عبدا شكوراً).
2 ـ الصبر عن المعاصي:
وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر، ويكون بحبس النفس عن متابعة الشهوات، وعن الوقوع فيما حرم الله، وأعظم ما يعين عليه ترك المألوف، ومفارقة كل ما يساعد على المعاصي، وقطع العادات، فإن العادة طبيعة خاصة، فإذا انضمت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جند الشيطان على جند الله، فلا يقوى باعث الدين على قهرهما؛ ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(وحفت النار بالشهوات), وذلك لأن النفوس تشتهيها وتريد أن تقتحم فيها، فإذا حبس الإنسان نفسه عنها وصبر على ذلك كان ذلك خيراً له.
3 ـ الصبر على البلاء:
وأما الصبر على البلاء فقد قال الله تعالى:(وَلَنَبلُوَنّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجُوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثّمَراتِ وَبَشِرِ الصّابِرينَ) (البقرة ـ 155)، ويكون هذا الصبر بحبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله تعالى، والقلب عن التسخط والجزع، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوها، وإليك هذه القصة لبيان الصبر على البلاء والمصائب، ذكر أبو الفرج بن الجوزي في عيون الحكايات: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم فقالت: يا هؤلاء ولووا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا فألقت لنا مسحاً فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل أعظم الله أجرك في عقيل قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فقالت: انزل فاقض ذمام القوم ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت فقالت: يا هؤلاء هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئا؟ قلت: نعم قالت: اقرأ من كتاب الله آيات أتعزى بها قلت: يقول الله عز وجل في كتابه:(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة 155 ـ 157) قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا! قالت: السلام عليكم ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: إنا لله و إنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني.

* إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى