الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المرأة المسلمة في زمن التحديات (36)

المرأة المسلمة في زمن التحديات (36)

البحوث الصحية والنفسية في الوقت الحاضر أثبتت أن فترة عامين ضرورية لنمو الطفل نموًّا سليمًا

إتمام الرضاعة: ومن حقوق الطفل كذلك بعد ولادته حقُّه في الرضاعة، والرضاعة عملية لها أثرها البعيد في التكوين الجسدي والانفعالي والاجتماعي في حياة الإنسان وليدًا ثم طفلاً، وهو ما أدركته الشريعة الإسلاميَّة، فكان على الأمِّ أن تُرضع طفلها حولين كاملين، وجعل ذلك حقًّا من حقوق الطفل، قال تعالى:(وَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ المعروف) (البقرة ـ 233).
ولقد أثبتت البحوث الصحيَّة والنفسيَّة في الوقت الحاضر أن فترة عامين ضروريَّة لنمو الطفل نموًّا سليمًا من الوجهتين الصحيَّة والنفسيَّة، بَيْدَ أن نعمة الله وكرمه على الأمَّة الإسلاميَّة لم تنتظر نتائج البحوث والتجارِب التي تُجْرَى في معامل علم النفس وخلافها من قِبَلِ العلماء النفسيِّين والتربويِّين، بل سبقت ذلك كله، ونلاحظ مدى اهتمام الشريعة بالرضاعة وجعلها حقًّا من حقوق الطفل إلا أن ذلك الحق لم يكن مقتصرًا على الأمِّ فقط، إذ إن هناك مسئولية تقع على كاهل الأب، وتتمثل هذه المسئولية في وجوب إمداد الأم بالغذاء والكساء حتى تتفرَّغ لرعاية طفلها وتغذيته، وبذلك فكل منهما يؤدِّي واجبه ضمن الإطار الذي رسمته له الشريعة السمحة، محافظًا على مصلحة الرضيع المسندة إليه رعايته وحمايته، على أن يتمَّ ذلك في حدود طاقتهما وإمكانيتهما، قال تعالى: “لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا”.
الختان: ومن حقوق الطفل أيضًا بعد الولادة الختان، وهذا الأمر ثابت في السنة وإجماع العلماء، وهو وإن كان من سنن الفطرة إلا أن العلماء قالوا بوجوبه، ومن الأحاديث التي ثبت بها الختان ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاِخْتِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبِطِ”.
والحكمة من ذلك أنه تشريع إلهي شرعه الله لعباده ليكمل به فطرتهم، ولأنه بواسطته يمكن التخلُّص من الإفرازات الدهنية، كما أنه يُقَلِّل من إمكان الإصابة بالسرطان، وأيضًا يُجَنِّب الأطفال من الإصابة بسلس البول الليلي، وهو أيضًا: يجلب النظافة، والتزيين، وتحسين الخِلْقَة، وتعديل الشهوة.
الحضانة والنفقة: ومن حقوق الطفل على أبويه كذلك حق في الحضانة والنفقة؛ فقد أوجبت الشريعة للطفل على الأبوين رعايته والمحافظة على حياته وصحته وتربيته وتثقيفه، وهو ما يُعْرَفُ بمرحلة الحضانة، وقد جعلت الشريعةُ للأمِّ الحقَّ في حضانة طفلها في حالة وقوع الخلافات الزوجيَّة حتى سنِّ السابعة من العمر، التي يكون الطفل قد اجتاز فيها المرحلتين، مرحلة المهد ومرحلة الطفولة المبكِّرة؛ إذ تُعْتَبَر هاتان المرحلتان من أهمِّ المرحل في حياة الطفل، حيث يُقَرَّر بعدها بقاءه مع أُمِّه أو أبيه، وتُتْرَكُ له حرية الاختيار بينهما، وهذا منتهى العدل والرحمة الإلهية وبالإضافة إلى حقِّ الطفل في الحضانة أيضًا له الحقُّ في النفقة، والنفقة تشمل الطعام والكسوة والسكن، وبالإضافة أيضًا إلى رعايته وجدانيًّا؛ وذلك بالإحسان إليه ورحمته وملاعبته وإدخال السرور عليه, وكذلك رعايته علميًّا وتعبُّديًّا، وهذه الرعاية من إيمان، وتعليم القراءة والكتابة، والصلاة والصيام، وأعمال البرِّ وآداب السُّنَّة، إنما هي أسباب الحياة الحقيقية؛ حياة القلب والرُّوح والسعادة الأبديَّة، وأخيرًا رعايته سلوكيًّا واجتماعيًّا؛ وذلك بتعويده على الفضائل ومكارم الأخلاق، وحُسن اختيار صحبته، والدعاء له وتَجَنُّب الدعاء عليه، وكذلك احترامه وتشجيعه على الصراحة بالحقِّ.
التربية الإسلامية أهم الحقوق: وهذه الحقوق تكفل للطفل أن ينشأ في أسرة تُطَبِّق تعاليم الله، فتترسَّخ مبادئ الإسلام في قلبه، فينشأ محبًّا للإسلام مطبِّقًا لتعاليمه، على أنه بقي واجبٌ وحقٌّ مهمٌّ بعد هذه الحقوق، ويتمثَّل في التربية الإسلامية؛ فهي الأمل المنشود في تكوين جيل من المصلحين الذين يحملون هذا الدين إلى عامَّة الناس، وبالتربية يخرج العلماء والقادة، وبالتربية الصحيحة تتقدَّم الأمم.
ولقد أولى الإسلام عناية خاصَّة بتربية الأطفال، والتي فطن إليها أعداؤنا فأعدُّوا العُدَّة ليُجْهِزوا على أطفالنا، فقد باتت المعركة الآن على الأطفال فهم المقصد والغاية، ولقد جنَّد أعداؤنا كثيرًا من الوسائل لهذه المعركة؛ ليُهدِرُوا القيم والأخلاق.
والتربية ـ بدءًا ـ مأخوذة من كلمة الربِّ، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا. وفي الاصطلاح تعني: إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدِّ التمام، ومن معاني التربية تنمية قوى الإنسان الدينية والفكرية والخلقية تنمية متَّسِقَة متوازنة.
حقوق الطفل في الإسلام
التربية فريضة على الآباء: وعلى هذا فالتربية هي عملية بناء وإصلاح ورعاية حتى التمام، ولكي نضمن إخراج طفل سويٍّ لا بُدَّ من تربيته وتنشئته على الإسلام، فالنظرة التربوية الإسلامية تهتم بكل مجالات الحياة الصحيَّة والنفسيَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة وما إلى ذلك.
والتربية فريضة في حقِّ الآباء، وهي مسئولية وأمانة لا يجوز التخلِّي عنها، قال تعالى:(إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) (الأحزاب ـ 72)، وهي تقوم على عدَّة عناصر هي: المربِّي والمربَّى والمنهج، وحتى تؤتي التربية ثمارها لا بُدَّ من توافر صفات في القائم بعملية التربية، وإلا لن يرى أثرًا لجهده وعمله، فغالبًا ينشأ الولد على غرار أبيه، يقول الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منَّا
على ما كان عوَّده أبوه
وما دان الفتى بحج ولكن
يعـوده التدين أقربوه
فلا بُدَّ أن يشعر كِلا الأبوين أنهما مسئولان عن أطفالهما، وهما محاسبان على التقصير في تربيتهما، وعن هذه المسئولية يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ..) الى آخر الحديث.

أحمد محمد خشبة
إمام جامع ذي النورين ـ الغبرة الشمالية

إلى الأعلى