السبت 18 نوفمبر 2017 م - ٢٩ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الأخـوة الإيمانية (9)
الشـأن في الإنسان أن ينـقـاد لهـذه الـفـطـرة الإيمانية بالاسـتجـابة لـمقـتضياتها

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً عـن الأخـوة الإيمانية: والشـأن فـيهـم أن يـكـونـوا مـع ذلك متجـردين عـن الـتـبجـح، وأن يـكـونـوا بـعـيـدين عـن ارتـكاب الـمعـاصي، ولا يـرون مـن أحـوالهـم ألا دلائل التقصير في أداء حـقـوق الله، والانـتهـاك في حـظـوظ الـنفـس وأهـوائـها.
وإنـك لـو نـظـرت إلـيهـم لـتجـدنهـم في وجـل، خـائفـين مـن سـوء الـمصير، بـدلا مـن الاستبشار بما قـد ادخـر لهم مـن الـمثـوبة والأجـر، فـهـم كـمـن قال الله عـنهـم: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (الـمـؤمنـون 57 ـ 61).
إذن: فالـكلام لا ينطـبـق عـلى الـناس كلهـم، وإنما هـو تـقـريـر للشـأن الغالب مـن أحـولهـم، إذ يكـون التـقـصير في تنـفـيـذ أوامـر الله هـو الغالب عـليهـم، مـع الاعـتـداد بما قـد يـوفـقـون له مـن قـربات وطـاعـات، والإشـكال الثاني: أن هــؤلاء الـذين يـغـلـب عـليهـم الـوقـوع في بعـض الـمعاصي عـن غـير قـصـد مـع الاعـتـداد بكل مـا يـوفـقـون إلـيه مـن أداء الطـاعـات، قـد يـريـد الله أن يـتـلـطـف بهـم فـيـوصلهـم إلـيه ، وقـد يـريـد لهـم ذلك ولـكـن إذا أراد الله أن يـوصـل إلـيه غـطى عـلى عـبـده مـا عـساه ارتـكـبه، مـن هـفـوات عـن غـفـلـة مـنه أو نـسـيان.
فـمـن هـم الـذيـن يـريـد اللـه أن يتـلـطـف بهـم ويـوصـلهم إلـيه، بتغـطية مساوئهـم بـصفات رحمته، ومـن هـم الـذين لـم يـرد الله لهـم هـذا اللـطـف والإكـرام؟، ومـا هي جـريـرة هـؤلاء الـــذين لـم يــرد الله لـهـم الـتجـاوز عـن مـساوئهـم والـتفـضل عـلـيهـم بالصـفـح والغـفـران.
والجـواب عـن الإشـكال الـذي حـصـل: يتـم بـتـقـريـرين اثـنيـن هـما: أولهـما: أن لله أن يـصـطـفي مـن عـباده للـرحـمة بهـم ، والصـفـح عـن ذنـوبهـم عـلى مـن يـشـاء، وأن يجـازي أي واحـد مـنهـم بـما يـستحـقه مـن الـمقـت والعــذاب ، ولـيس في ذلك شـائبة ظـلـم مـنه جـل جـلاله لأحـد، كـيـف وهـو الـخـالـق والـمالك الحـقـيقي لهـم جـميـعـا ، وللـمـالـك أن يتصـرف بملكه كـما يـشاء.
وصـدق الله العـظـيم، حـيـث يـقـول:(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجـدة ـ 13)، ويـقـول أيـضاً:(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، وَلِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عـمـران 128 ـ 129).
ثـانيـهـما: أن الله كـتـب عـلى نـفـسه الـرحـمة لـعـباده، تفـضلاً مـنه عـلـيهـم وإحساناً مـنه إلـيهـم لا عـن اسـتحـقـاق لـمـا قـدمـوا مـن الأعـمال، ومـن مـظـاهـر تـفـضله عـليهـم، أنه فـطـرهـم مـنـذ أن خـلـقـهـم، عـلى فـطـرة الإيـمان به، وعـلى الخضـوع لـمشـاعـر العـبـودية لـه، وعـلى الحـنـين والالـتجـاء إلـيه، وصـدق الله تعالى حيـث يـقـول:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الـروم ـ 30).
والشـأن في الإنسان أن ينـقـاد لهـذه الـفـطـرة الإيمانية، بالاسـتجـابة لـمقـتضياتها، وفي ذلك لـطـف مـن الله للإنسان أيـنـمـا وجـد وحـيـثـما تـرعـرع ونشـأ، وإذا خـطـا الإنسان الخـطـوة الأولى إلى الله، بـاسـتجـابته لـدواعي هـذه الـفـطـرة، فإن الله يـتـكـفـل له بالـتـوفـيـق لـمـتابعـة الـسـير إلـيه فـيما يـلي مـن أمـره، ذلــك مـن الـخـطـوات الـتـنـفـيـذية الأخـرى.
ثـم إن مـن الـمهـم أن تعـلـم أن الله عـز وجـل، كـما قـرر وأعـلـن أنه يـهــدي مـن يشـاء ويضـل مـن يشـاء، و يـعـذب مـن يـشـاء، ويـغـفـر لـمـن يـشاء، لا يـسأل عـما يـفـعـل وهـم يـسألـون، فـقـد قـرر أيضـا وأعـلـن أن رحـمـته سـبـقـت غـضـبه، وأن العـبـد إن أقـبـل إلـيه بالـتـفـاتـة صــدق وأصـغى إلى نـداء فـطـرته الـكامنـة في أعـماق نفـسه، جـذبـه إلـيـه بحـوافـز الهـداية والـتـوفـيـق، وشـرح صــدره للـسـلـوك في مـسالك الـوصـول إلى الله، ويسـتر لـه أسـباب الانـضـباط بـأوامـره والانتهـاء عـن نـواهـيه، وإنما هـي الخـطـوة الأولى ينـتـظـرها الـمـولى عـزوجـل مـن عـبـاده، فإن هـم خـطـوهـا إلـيـه بالاسـتسـلام لـنـداء فـطـرتهـم الإيـمانية، ضـمـن لهـم الـتـوفـيـق لاجـتـياز ما وراء ذلك مـن الخـطـوات الأخـرى.
انـظـر إلى هـذه الحـقـيـقـة، كـم هـي جـلـية في قـول الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (يـونس ـ 9)، وقـوله تعالى:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّـهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (الـعـنكـبـوت ـ 69)، وقـوله سـبحانه وتعالى:(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد ـ 17).
والهـداية لا تـتـحـقـق إلا بامتثال أوامـر الله، باخـلاص نيـة وحـضـور قـلـب وانـظـر، كـم تـبـدو هـذه الحـقـيـقة جـلية أيضاً في قـوله تعالى، في هـذا الحـديـث الـقـدسي:(يا عـبـادي كلـكـم ضـال إلا مـن هـديتـه، فاستهـدوني أهـدكـم).
وبهـذا يتضـح أن الـذين قـضى الله أن يـزجـهـم في الضـلالة، فإنـما هـم أولـئـك الـذين أعـرضـوا عـن نـداء الفـطـرة الكـامنة بـين جـوانحـهـم، وآثـروا الاستـكبار عـلى الاصـغـاء إلى حـديث العـقـل وتـذكـرة الخـطاب الإلـهي، ثـم أصـروا إصـرارهـم عـلى الاسـتـمـرار في اسـتكـبارهـم، عـلى الـرغـم مـن الـنـذر الـربانية التي تـقـرع أسماعـهم.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى