Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة الدولية من منظور إسلامي (4 ـ 4)
لأهمية الأمانة ميّز القرآن ـ بشأنها ـ بين فريقين من أهل الكتاب

من مظاهر العدالة الدولية فى الاسلام دفع الضرر ومنعه

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان: (العدالة الدولية من منظور إسلامي) .. للدكتـور أحمـد أبو الوفـا ـ أستاذ القانون الدولي العام بكليـة الحقـوق ـ جامعـة القاهـرة.

واستكمل البحث قائلاً: .. وبخصوص قوله تعالى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا( )النساء ـ 91)، قيل: إن التبين هو(الاعتناء بالتأمل والتدقيق في معرفة جليل الأمور، ثم نهي عن الاندفاع وراء الشبهة التي لا تستند إلى دليل)، ويؤكد مبدأ التثبت أيضًا قوله تعالى:(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء ـ 36)، وهذا دليل على ضرورة عدم التمسك بالشبهة أو بما يجهله الإنسان أو يتوهمه، وإنما عليه ـ دائمًا ـ أن يتثبت مما يقوله أو يفعله، وقال أبو داود ـ إلى جندب بن مكيث ـ بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبدالله بن غالب الليثي في سرية وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحرث بن البرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقلنا: إن كنت مسلمًا لم يضرك رباطنا يوماً وليلة، وإن يكن غير ذلك نستوثق منك فشددناه وثاقاً، وقيل إن رجلاً كان في سيرته وأنه انتهي إلى رجل من المشركين فلما ذهب ليطعنه برمحه، قال: إني مسلم فطعنه فقتله فبلغنا أن ذلك بلغ النبي (صلى الله عليه وسلم) فدعا به فقال:(أقتلته بعدما زعم أنه مسلم؟ فقال: والذي بعثك بالحق نبيًا يا رسول الله ما قالها إلا متعوذًا، وحتى وجد حر السنان فأعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك ثلاث مرات ويرد عليه الرجل مقالته الأولى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الرابعة: فهلا شققت عن لسانه)، وبلغنا أن هؤلاء الآيات نزلن فيه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) (النساء ـ 94)، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يجعل ذلك عبرة وموعظة يعظم بها حرمة دماء المسلمين. فقيل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمع أسيرًا قد أتى به المسلمون يقول: أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ـ يقولها ثلاث مرات ـ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(عرَف الحقَّ لأهله، فأرسلوه).
واوضح الباحث بأن الفقه الإباضي قد أكد على ضرورة مراعاة مبدأ التثبت من الأمور: وهكذا فقد خصص فقهاؤه:(باب في الرأي والتثبت في الأمور)، كذلك قرروا:(والمسلمون يطلبون أوضح الأمر عذرًا فيأخذون به، ويدعَون اللبس والشك والريبة)، وقالوا أيضًا:(لا ينبغي للإمام أن يكون عجولاً في أموره)، ومن قواعدهم الفقهية قاعدتان مهمتان:(المتكلف للقول فيما لا يعلم غير معذور)، (إذا حصل الالتباس وجب التحري) كذلك قرروا قاعدة ثالثة مهمة، وهي قاعدة:(لا يجوز الحكم بالظن).
أداء الأمانات المستحقة للدول الأخرى ولرعاياها:
وقال: في إطار العلاقات الاقتصادية الدولية يحدث أن لا تراعي دولة ما الحقوق المالية وغيرها المستحقة للدول الأخرى: كقيامها بتجميد ودائعها المالية دون مقتضٍ، أو رفضها رد ما أودعته لديها من أموال، أو امتناعها عن تسليمها أشياء مملوكة لها، ولخطورة أداء الأمانة كواجب شرعي نص عليها القرآن الكريم في أحوال كثيرة، منها قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء ـ 58)، (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب ـ 72)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال ـ 27)، (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون ـ 8)، فهي من صفات المؤمنين.
مؤكداً أنه ولأهمية الأمانة فقد ميز القرآن ـ بشأنها ـ بين فريقين من أهل الكتاب، كما حذر من الاغترار بمن يتم إعطاؤه المال من غير المسلمين وضرورة اختيار الأمناء الذي يؤدون ما عليهم طوْعًا واختيارًا، يقول تعالى في سورة آل عمران:(وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون، بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) (آل عمران 75 ـ 76)، ولعل هذه الآية الكريمة تذكر الدول الإسلامية التي تودع كل ثرواتها في البنوك الأجنبية ولدى الحكومات غير الإسلامية، تستثمرها هناك، وتكون تحت رحمة الدول الأجنبية التي تقوم بتجميدها، يقول ابن العربي إن فائدة هذه الآية:(النهي عن ائتمانهم على مال)، كذلك أكدت السنة النبوية على ضرورة إرجاع الأمانات لأصحابها والمحافظة عليها: يقول (صلى الله عليه وسلم):(أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)، وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أربع من كنَّ فيه كان منافقا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة واحدة منهنَّ، كان فيه خصلة من النفاق حتَّى يدعَها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فجـر)، ويقول أيضًا:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله)، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، ويقول ابن جعفر إن ذلك يعني أنه (صلى الله عليه وسلم) قرن:(حُرمة الأموال بحُرمة الدماء).
اصلاح الضرر المترتب عن الأفعال غير المشروعة دولياً:
وقال: هذا مظهر أكيد من مظاهر العدالة الدولية فى الاسلام. ذلك أن دفع الضرر ومنعه من مقاصد الشريعة الإسلامية، يقول سبحانه وتعالى:(لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) (البقرة ـ 233)، ويقـول تعالى:(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) (النساء ـ 12)، ويقول:(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) (البقرة ـ 231)، وقال:(وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (الطَّلاق ـ 6)، وقال:(وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) (البقرة ـ 282) ،ومن الأحاديث الجامعة في هذا الخصوص، قوله(صلى الله عليه وسلم):(لا ضرر ولا ضرار)، لذلك خصص الإمام الطرابلسي فصلاً عنوانه:(القضاء بنفي الضرر) وقرر أيضاً أن قوله (صلى الله عليه وسلم):(لا ضرر ولا ضرار): يحتمل أن يريد بقوله:(لا ضرر) أي: لا ضرر على أحد، بمعنى أنه لا يلزمه الصبر عليه ولا يجوز له إضرار بغيره. وقال بعضهم: الضرر أن تضر نفسك لتضر بذلك غيرك، فإذا منع هذا فكيف بمن يصلح مال نفسه بإفساد مال غيره، ويحتمل عندي أن يكون معنى الضرر أن يضر أحد الجارين بجاره، والضرار أن يضر كل واحد منهما بصاحبه لأن هذا البناء يستعمل كثيراً بمعنى المفاعلة في القتال والضراب والسباب، وكذا الضرار فنهى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يتعمد أحدهما الإضرار بصاحبه، وعن أن يقصد ذلك جميعاً، وقال بعضهم:(الضرر ما ينفعك ويضر صاحبك، والضرار ما يضر صاحبك ولا ينفعك، فيكون الضرر ما قصد به الإنسان منفعة وكان فيه ضرر على غيره، والضرار ما قصد به الإضرار بغيره)، يقول ابن العربي:(لا إشكال في أن من أتلف شيئاً فعليه ضمانه)، ويقول الإمام الشاطبي:(إن على اليد العادية حكم الضمان شرعاً. والضمان يستلزم تعين المثل والقيمة في الذمة)، يؤيد ذلك أيضاً أن عناية الشارع بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المصالح، فإن لم يظهر رجحان الجلب قدم الدرء، ولا شك أن الإضرار بالغير هو من المفاسد التي لا تخفى على أحد .قال أبو إسحاق:(وكل من أتلف مالا لأحد من الموحدين، لزمه مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل).


تاريخ النشر: 4 أغسطس,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/208846

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014