الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. هل تستطيع أن تبرمجني؟

رحاب .. هل تستطيع أن تبرمجني؟

سألني زميل سؤالا من قبيل التندر وربما مدفوعا بالفضول أو السخرية: هل يمكنك أن تبرمجني؟! فأجبته فورا: أنت فعلا مبرمج! وبرمجتك للأسف قديمة وتحتاج إلى سنوات طويلة حتى تفكك البرمجة القديمة وتستبدلها ببرمجة عقلية جديدة( تحتاج إلى فورمات) فنظر إلي مستهجنا، قائلا: إلى هذه الدرجة صار عقل الإنسان مثل الحاسوب؟ فسألته: ما الفرق بينك وبين الصيني والهندي والأميركي؟ فهز كتفيه قائلا: هناك فروق ثقافية وعقائدية وجينية! فأستطردت متسائلا: لماذا هذا الاختلاف؟ لماذ تختلف الثقافات والقيم والعادات والتقاليد بين شعب وآخر وبين شخص وآخر؟! لماذا ينجح شخص آخر ويخفق آخر؟ لماذا يكون أحدهم سعيدا بينما يعيش الآخر في شقاء؟ لماذا يقول الله سبحانه وتعالى من قبيل اقرار حرية الإنسان عن حياته قد “أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”؟ ولماذ يقول “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”؟ وقد “أفلح المؤمنون”؟ ألا يدل هذا على اقرار الحرية الفردية واستطاعة الإنسان أن يتخذ قرارات مصيرية في حياته ويقرر السبيل الذي يسلكه؟!
طلبت من زميلي أن يخرج قلما من فتحة دشداشته وقلت له ضعه على الطاولة التي أمامك، ويمكنك أن تسترخي قليلا وأنت مغمض العينين، وبعد دقيقة تقريبا طلبت منه أن يفتح عينيه وأن ينظر الى القلم بتركيز أكثر، وأن يعطي لعقله الحرية لكي يربط بين القلم وبين أي فكرة تخطر على عقله. وبدأ كمن يسحب مجلدا من المعلومات من تلافيف الذاكرة. ثم طلبت منه ألا يكتفي بما يتذكره، بل سألته أن يقتحم المستقبل وأن يحطم الإطار التقليدي للقلم في عقله وأن يرتاد آفاقا جديدة. وهنا تحول القلم إلى شرارة إبداع، وتعددت استخداماته وفتح العقل خيارات غير محدودة يمكن توظيف القلم من خلالها في مجالات عديدة، حيث ذكر أنه يمكن أن يدخل في صناعة الطائرات ويمكن أن يصبح قنينة دواء أو أن يدخل في صناعة قارب مطاطي، كما يمكن أن يصير مزهرية. تعددت الإستخدامات والخيارات والتصورات التي يمكن أن يؤول اليها ذلك القلم. لقد قام زميلي باستدعاء المنطق لكي يساعده في الربط بين القلم وبين المألآت التي قد يؤول اليها الربط الذهني بين القلم وبين استخداماته. إن أفكارنا ومشاعرنا وخبراتنا هي نوع من البرمجة العقلية، وبقدر ما تكون هذه البرمجة مرنة وقابلة للتعديل فبقدر ما يستطيع الشخص أن يرتاد آفاقا أرحب ويختار خيارات جديدة.
إن ما نشعر به وما نراه وما نفكر فيه وما نعتقده يُحدّد الطريقة التي نسلك بها في الحياة، وعندما تسمح لعقلك أن يكون جامدا وثابتا، فإنك بذلك تغلق الخيارات أمامه وتضع نفسك أمام سدودا مغلقة لا تستطيع أن تتجاوزها.
إن العالم يتحارب أو يتقارب أو يتفاهم أو يتخاصم بناء على الصورة العقلية الجمعية التي يرى بها ويسمع بها ويشعر ويدرك ويفسر المواقف وخبرات الحياة وفقا لها. وكلما أعطى الإنسان لعقله الحرية لكي يفكر متحررا من خبرات الماضي ومن قيود الزمان والمكان والتاريخ؛ فكلما كان ذلك سببا في مرونة تفكيره، ومنحه القدرة على التصرف الحكيم.
إن الناس ينجحون أو يفشلون، بناء على صرامة المرشحات العقلية( جزء من برمجتهم العقلية) التي يعرضون عليها المستجدات والأوضاع والظروف.
وفي ديننا الحنيف يوجهنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نسلك في حياتنا وفقا لمنطق الحكمة والصواب ويحذرنا من أن نكون إمعات من قبيل “إنا وجدنا آباءنا على ذلك وإنا على آثارهم مقتدون”!!.
ختمت حديثي قائلا: يا صديقي إن ما يجري في عقلك الآن هو برمجة عقلية اكتسبتها دون تختارها ودون أن تدركها أو تعقلها، ولكي تغير برمجتك العقلية السلبية: حدد هدفك في الحياة ولاحظ ما يفعل الناجحون وافعل مثلهم وعندئذ ستكتشف أنك كمن يولد من جديد.

د. أحمد بن علي المعشني رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى