الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف .. طواف في تاريخ يهود العراق (14-15)

اصداف .. طواف في تاريخ يهود العراق (14-15)

وليد الزبيدي

يذكر (جورج رو في كتابه العراق القديم ص539) انه وخلال القرن السادس قبل الميلاد ازدهر التسليف الخاص بشكل لم يعهد من قبل في العراق، حيث استطاعت شلة من (العائلات المصرفية) القليلة العدد ـ كعائلة (اجيبي) في بابل الاستحواذ على ثروات طائلة من مجرد تسليف الأموال بسعر فائدة عال يتراوح بين 20 و30 بالمئة، فأصبحت اغنى من المعابد بل وربما اغنى من الحكومة نفسها، في الوقت نفسه الذي كانت فيه الفاقة تعم القسم الأكبر من السكان.
ومع أن هناك أكثر من رواية وتفسير لسيطرة كورش ملك الفرس على بابل، الا ان (جورج رو) يرجح الجانب المالي، فيقول: لجأ نبونيدس (آخر ملوك بابل) على العكس من سابقيه إلى اخضاع نشاطات المعبد الاقتصادي للإشراف الملكي الدقيق فانتدب لهذه المهمة اثنين من كبار الموظفين هما (الضابط الملكي سيد العينة) و(الضابط الملكي المؤتمن على صندوق الملك) ووكلهما على معبد انانا في اوروك وزودهما بالتعليمات للإشراف على صفقات هذا المعبد وتأمين جباية منتظمة لضريبة العشر الملكية.
ويؤكد جورج رو ان ذلك التشدد كان احد اهم اسباب تعاون المتضررين من اليهود مع كورش ملك الفرس ضد ما اسماه بـ(هرطقة) الملك نبونيدس، ومن المعروف ان علاقة رجال الدين بالواقع الاقتصادي كانت قوية جداً، كما تكشف ذلك ارشيفات معبد اوروك العظيم (انانا) وان رجال الدين كانوا يتابعون باهتمام في مناطق عديدة تأمين الحاجات المادية للمواطن، وكان المعبد يتولى القيام بنشاطات تجارية واسعة داخل وخارج حدود وادي الرافدين، مؤلفاً بذلك وحدة اجتماعية ـ اقتصادية شبه مستقلة عن الحكومة المركزية وكان المعبد يتعاون مع كافة اصحاب المهن، ولا شك ان علاقته كانت وثيقة جداً مع الصيارفة وخاصة عائلة (اجيبي) اليهودية.
ومما تجدر الإشارة إليه، ان البابليين من ذوي الهوى الفارسي كما يقول (جورج رو) قد بذلوا كل ما بوسعهم لتشويه سمعة ملكهم العتيد نبونيدس بعد وفاته لخطب ود اسيادهم الجدد، ففي قطعة هجاء تعرف بـ( السيرة الشعرية لنبونيدس) يتهمه هؤلاء بكونه شخصاً مجنوناً وكذاباً تفاخر زورا “بانتصارات لم تطلها يداه ابداً” وفبرك هؤلاء قصة مشينة حول جنون نبوخذ نصر الواردة في سفر دانيال، كما وجدت لها صدى في (رقائق البحر الميت) المشهورة.
بالمقابل فقد تم تمجيد كورش ملك فارس، ووصفوه بأعظم الصفات، وقيل انه عامل الأسرى معاملة حسنة غير ان كتاب (تاريخ إيران القديم تأليف د.طه باقر واخرون) يشير الى ان بعضاً من المؤرخين يؤكدون على ان هذا التسامح لم يشمل جميع الاسرى، وانما شمل اليهود فقط، وذلك لأنهم كانوا يمثلون الطابور الخامس لكورش في مدينة بابل، وانهم أي اليهود، قد عملوا بكل ما لديهم من الأساليب الخبيثة على اسقاط الحكم البابلي.
وقد لقب كورش نفسه بلقب (ملك البلدان وملك بابل) وكانت السلطة في بابل بيد ابنه قمبيز ومنحه لقب ملك بابل عام 530 ق.م واختار لنفسه لقب “ملك البلدان”.
يشرح هيرودتس استيلاء كورش على بابل يقول “حشد كورش جيشه حيث يدخل النهر المدينة وحشد قوات اخرى في المكان الذي يبتعد فيه النهر عند المدينة وأمر جنوده بدخول المدينة عن طريق نهر الفرات عندما يجدون خوضه ممكناً.
ويذكر نيكولاس بوستغيت قصة سقوط بابل، ويشير إلى ان هذه الأحداث وردت في الكتاب المقدس، والمصادر الكلاسيكية ولا شك ان ثمة الكثير من الروايات التي تحدثت عن نهاية الدولة البابلية، ومن الملاحظ ان العديد منها يرمي الخطأ في الملك نبونيدس لكن ما هو متفق عليه، ان الدور الأهم والأخطر كان لليهود الذين تضرروا من سياسة الملك الاقتصادية التي اشرنا إليها سابقاً، وبالنتيجة فقد دمجت بلاد الرافدين بالإمبراطورية الفارسية ثم الهيلينية وسرعان ما اضمحلت تقاليد الكتابة المسمارية، وتحولت إلى اصداء خافتة في الكتاب المقدس وفي مؤلفات المؤرخين الإغريق.

إلى الأعلى