الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا الاندهاش مما جرى للعراق؟

لماذا الاندهاش مما جرى للعراق؟

” مع أنه لا يجوز أن نردد “كان وكنا”، لكن محاولة وضع الأمور في سياقها يساعد على تلمس الخطى واتخاذ المواقف، وهنا لا يفيد الاندهاش (أو ادعاءه) في شيء. وليس هناك في السياسة والعلاقات الدولية ما فات تماما وما هو حاسم وقطعي، لذا تظل هناك فرصة لعدم الانتظار والتصرف برد الفعل على حسب ما ينتج عن أي اتصالات أميركية إيرانية.”
ــــــــــــــــــــ
امتلأت صفحات الصحف والمواقع وموجات الأثير بالتحليلات والتعليقات التي تحاول تفسير ما بدا وكأنه أخذ العالم كله على حين غرة بسيطرة قوات غير نظامية على مدن، بل ومحافظات بشكل شبه كامل في العراق.
إلا أن هناك معلومة بسيطة غابت، أو غيبت، بقصد الوصول إلى استنتاجات محددة تهدف للتضليل أو تبرير سياسات غير معلنة وهي أن الأغلبية السنية في العراق تحاول منذ نهاية عام 2012 الحصول على حقوقها بطرق سلمية لكن الحكومة العراقية حرصت على تصوير ذلك “إرهابا”. وساهم الإعلام المحلي والإقليمي والدولي في طمس ذلك الحراك السلمي لسكان المحافظات ذات الأغلبية السنية، بل وتغاضى حتى عن ممارسات طائفية تصل إلى حد العنصرية للحكومة العراقية ما كان لها أن تنكشف لولا غضب بعض القيادات الشيعية العراقية على الحكومة وممارساتها. المثير حقا أنه بعد أكثر من عام ونصف من تعبير العراقيين عن غضبهم من حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، وإثر الإصرار على توليه فترة ثالثة في الحكومة وبعد أول لقاءات مباشرة بين إيران وأميركا (ضمن مفاوضات البرنامج النووي) تندلع عمليات مسلحة يستولي فيها مسلحون على محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ويسيطرون على أجزاء واسعة من الأنبار وصلاح الدين وديالى وغيرها فيبدو العالم كله كأنه “مندهش” من هذا التطور المفاجئ.
في بداية الاعتصامات السلمية والإضرابات في الرمادي وغيرها من المدن الرئيسية في الأقاليم ذات الكثافة السنية، أصرت حكومة المالكي على تصويرهم بأنهم “إرهابيون” وفرضت التعامل المسلح العنيف حتى على القبائل التي لم تكن تطمح سوى لنصيب عادل من إدارة بلد يتشارك فيه الجميع. ووصل الأمر بحكومة المالكي، ليس فقط في تفردها بالسلطة واقصائيتها الشديدة لكل من خارجها، إلى استعداء قوى شيعية تقليدية مثل التيار الصدري وحزب المجلس الأعلى الإسلامي العراقي. ووصل الأمر بما ينقله الإعلام من العراق في العامين الأخيرين إلى وصف كل من يعارض حكومة المالكي بأنه “إرهابي” وتم تصوير الحكومة العراقية وكأنها “تحارب الإرهاب” . ليس هناك أفضل من هذه الذريعة للإبقاء على المالكي في الحكم وتعزيز التعاون الأميركي ـ الإيراني ضد “الإرهاب”.
ليس هناك ما يدهش حقا ولا غرابة في أن تفلت الأمور من كل أصحاب الحسابات في العراق، من إيران الداعمة للمالكي وغيره من القوى الشيعية والعرب الداعمين لقوى السنة، ليدخل البلد بشكل فج وواضح في حرب أهلية طائفية ممتدة. أليس هذا ما فعله الغزو والاحتلال الأميركي ـ البريطاني بدعم دولي وعربي (إلا اعتراضات خجولة هنا وهناك)؟ ألم يتعامل الأميركيون عن عمد مع تقسيم طائفي/عرقي بخلط واضح: شيعة، سنة، وأكراد (ومع أن الأكراد سنة وأن الشيعة والسنة عرب)؟ ألم يصدعنا المتلبرلون العرب بأن الدول الوطنية ما بعد الاستقلال بنيت على أساس قمع أقليات وعناصر متباينة للمجتمعات والأفضل أن تترك كل هذه القوى لتقرر مصيرها بحرية في “إطار ديموقراطي”؟ بعد كل هذه الحملات والضربات والمؤامرات، كيف نندهش إذا حدث ما حدث مؤخرا!!
والواقع أن كثيرين تعاملوا مع كل التطورات المتعلقة بالعراق من البداية بشكل طائفي، حتى وإن غلفوا ذلك بلغة ليبرالية أو حداثية سياسية. حتى من قالوا منذ ما قبل الحرب الأخيرة، وأثناء الحصار والضربات المتقطعة عقب انهاء اجتياح العراق للكويت، بأن التدخل الأميركي والغربي يقدم “العراق لقمة سائغة لإيران” لم تكن حساباتهم جيوسياسية بقدر ما كان فيها من الطائفية أيضا. لكل هذا يستغرب المرء اندهاش المندهشين من التطورات الأخيرة في العراق، وحتى من رد الفعل عليها بتعبئة ميليشيات شيعية من انصار المالكي ومن سيطرة الأكراد على كركوك (التي حاولوا دوما اعتبارها كردية ولم يتمكنوا حتى قبل أيام) ومن انفراط عقد بلد “فرط من زمان”. لكن يبدو أن كل ردود الأفعال هي بالأحرى تعبير عن “عدم موقف” من ذلك التقاطع الأميركي الإيراني ـ ليس في العراق فحسب، بل في سوريا وربما لبنان وبقية المنطقة أيضا. الطرف الوحيد الذي يتصرف ببعض فعالية هو تركيا، التي تدرك أن الأميركيين والغرب يغيرون توجههم منذ فترة ومن ثم يسعون لتقاطعات مع طهران للحفاظ على مصالح في سوريا والعراق ـ وربما بقية المنطقة ايضا.
مع أنه لا يجوز أن نردد “كان وكنا”، لكن محاولة وضع الأمور في سياقها يساعد على تلمس الخطى واتخاذ المواقف، وهنا لا يفيد الاندهاش (أو ادعاءه) في شيء. وليس هناك في السياسة والعلاقات الدولية ما فات تماما وما هو حاسم وقطعي، لذا تظل هناك فرصة لعدم الانتظار والتصرف برد الفعل على حسب ما ينتج عن أي اتصالات أميركية إيرانية. وما زالت طهران مستعدة، فيما يبدو، لأي نافذة عربية (أو سنية لهواة التصنيفات الطائفية) تنفتح عليها، وليكن اخماد نيران العراق وسوريا مقدمة لاتفاقات أوسع بين إيران ودول الخليج والمحيط العربي عموما بشكل مباشر. وربما في هذه الحالة يكون الأميركيون والإسرائيليون هم الغاضبون، أو على الأقل غير الكاسبين. فليس لأهل المنطقة سوى بعضهم، ولن تنفع القوى الخارجية ذات المصالح على الأمد الطويل، فمصالحها تتغير وتتغير معها تحالفاتها وصفقاتها.

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى