الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الأخـوة الإيمانية (10)
مـن حـق الله عـلى العـبـد إذا أقـبـل عـلى عـبادته أن يـعـبـده ولا يـشرك به شـيئاً
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً عـن الأخـوة الإيمانية : فهـؤلاء هـم الـذين قـضى الله بان يضـلهـم ، وهـم الـمـعـنـيـون بقـوله تعالى:(لِّلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الـبـقـرة ـ 284)، والـمعـنـيـون بـقـوله تعالى:(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السـجـدة ـ 13).
وهـكـذا فإنـك إن دقـقـت الـنـظـر، عـلـمـت أن هـؤلاء هـم الـذين حـكـمـوا عـلى أنفـسهـم بالضلالة، وعـرضـوا أنفـسهـم لـمـقـت الله وغـضـبه، وذلك عـنـدما آثـروا الاسـتكـبار عـلى الله، وتجـاهـلـوا واقـع عـبـوديتهـم به، وأعـرضـوا عـن نـداء الـفـطـرة الإيـمانية، الـكامنة في أعـماق نفـوسـهـم وأصـمـوا أذانـهـم عـن سـماع الـنـذيــر تـلـو الـنـذيـر والآيـات بـعـد الآيـات.
ألا تـرى إلى هـذا الـنـذيـر الـذي يـعـبر عـنه قـوله تعالى:(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعـراف ـ 146)، إنه نـذيـر وأي نـذيـر نـعـم إذا جـاء الأنـذيـر مـن الله الـذي لا يخـلـف وعـده لـمـن بشيء ولايخـلـف وعـيـده إذا تـوعـد بشيء، فـهو لا يخـلف المـيـعـاد.
بـل انـظـر هـذا الـنـذيـر الـثاني: الـذي هـو أبـلـغ مـن الأول، فـيما ينـبه إلـيه مـن الآثـار الـوخـيمة والعـواقـب الـمـشـينة الــذمـيـمة، انـطـر إلى هـذا الـذي يـقـوله تعالى:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (الكـهـف ـ 57).
ولـكـن إذا أراد الله لـك أن يـرشـدك ويـوفـقـك إلى الطـريـق الـمـسـتقـيم، فـليس ذلك تعـبـيراً عـن إرادة اعـتباطـية أو عـشـوائيـة مـن الله تعالى، لإيـصال العـبـد إلى الطـريق المستقـيم أوعـدم إيصاله إلـيه بالهـداية والـتـوفـيـق، بـل هـو مـا يـنـطـوي عـليـه القـانـون الـذي ألــزم الله به ذاتـه العـلـية، في مجـال الهـداية والإضـلال.
وخـلاصة الـقـول: عـلى أن الله تبارك وتعالى يمـلك أن يـزج الـناس كلهـم في أودية الضـلالة والشـقـاء إن شـاء، وأن يـرقى بهـم إلى صـعـيـد الهـداية والـسـعـادة إن شـاء، يحـكـم بمـا يـشاء ولا مـعـقـب لحـكـمه، ولـكـنه عـزوجـل كـتب الـرحـمة لـعـباده، كـما قـلـت لك، وطـبقـاً لسنـنه الـماضية في عـبـاده
مـن حـق الله عـلى العـبـد إذا أقـبـل عـلى عـبادته، أن يـعـبـده ولا يـشرك به شـيئاً، فـلا يخـطـر في باله إلا قـصـداً واحـداً، هـو الـوصول إلى مـرضـاة الله تعالى ولا يـلـتفـت لـمـدح الـمادحـين لـه، ولا يـطـمع لجـزاء يناله إلا أن ينال جـميل صفح الله عـنه وقـبوله لـه، إذا أقـبـل عـلى عـبـادته، وغـابت الـدنـيا عـنه، وغـداً إقـباله عـلى الله تعالى هـو شـغـله الشـاغـل، لا يمـزج مشاعـر دنـيـاه بجـمـيـل مناجـاته مـع الله، بـل يتجـه بـكل أفـكاره وأحاسيسه إلـيه كأنه يـراه، وعـنـدما يـرى الله بـعــين قـلـبه تغـيب الأغـيار كلها عـنه، وتخـرج مـن حـدود كل مـن الـزمان والـمـكان الـذي يعـيـش فـيه.
ذلك هـو حـق الله عـلى العـبـد فـيما ينهـض به مـن الطـاعـات والعـبادات، فـمـن الـناس مـن يـؤدي هـذا الحـق لـمـولاه، كامـلا غـير منـقـوص ولا مشــوب؟، إذا وقـف أحـدنا يـصلي قامت الـدنـيا بـزخـارفها وزينتها، بـينه وبـين الله، فـيقـول كـما قال الله تعالى:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الـفـاتحة ـ 5) وأطـماعـه تـشـرد بخـياله إلى السـبـل التي ينبغي أن يـسـلكها لـنـيل تلك الأطـماع، وأفـكاره تبحـث عـن أفـضل الحـلـول للـمشـكلات التي قـد تـقـف في وجـه مشـاريعه الصـناعـية والـتجـارية، وقـلبه يحـدثه عـن الصحب والأحـباب، الـذيـن طـال العـهـد بفـراقـهـم، ثـم لم يعـلـم ما ذا صنـع بهـم الـدهـر، ويـذكـره بأولـئك الـذين انتـقـصوا مـن شـأنه وأسـاءوا إلـيـه، وبالـمـوقـف الـذي ينبـغي أن يتخـذه منهـم، ولا يـكاد أحـدنا ينجـز عـمـلا صالحا مما يـتـقـرب به إلى الله تعالى، حتى تـذوب سـلامة القـصـد إلـيه ، في غـمار مـدح الـمـادحـين أو قـدح الـقـادحـين له، وما هــذا العـمـل الـذي أعـكـف عـليه الآن إلا مـثـال مـؤسـف لهــذا الـذي أقـول، تتـطـلـع النفـس إلى أصـدائه بـين الناس لتنتشي بالـمـدح والـثـنـاء وتضـيـق بالـنـقـد والانـتـقاص، فإن لـم تـتـطـلع إلى تلك الأصـداء سـلـفاً، تأثـرت بما يـفـاجـئها مـن ذلك لاحـقـاً.
وقـل مـثـل ذلك عـن الـصـدقـات والـمـبرات، وعـن الأنشـطـة الخيـرية والأعـمال الجـهادية، وأنشـطة الـنصح والـدعـوة إلى الله، فـإن الشـأن فـيها غـالب الأحـيان أن تتـحـول إلى تجـارة رابحة بـيـد الـنـفـس، وأن توظـف لـتـحـقـيـق مآربها واسـتثـمار مصالحها، أما عـن الاخـلاص لـوجه الله، والانــدفاع في ذلـك إلى اسـتنزال رضا الله فإن وجـد كل منهـما في الخـاطـر والقـصـد، فالشـأن فـيه أن يـذهـب في غـمار هـذه الآفات النـفسية الـمـتكاثـرة.
فـلـو كان قـبـول الله للـطاعـات والعـبادات، التي يـتقـرب الـناس بها إلـيه مشـروطا بتجـردها مـن هـذه الآفات، إذن: لـما قـبـل الله مـن أحـد منهـم أي عـمـل، ولا يـقـبـل أي طـاعـة أو عـبـادة، لـما قـد وصـفـته لك مـن الحـال التي لا يـكاد ينـفـك عـنها أحـد مـن الـناس أبــداً، لا سـيما والـنـاس قـد زادت مـشـاغـلهـم بسـبب مـا راج بـين الناس مـن التـطـلـع ما هـو جـديـد في عـالـم الاكـتـشـافات والاخـتـراعـات.
ولكـنه عـز وجـل في الـوقـت الـذي يأمـرهـم فـيه بصدق العـبـودية له، وبالإخـلاص له في العـبـادة، يعـاملهـم بـلطـفه ورحمته وكـرمه، فـيتجـاوز عـن الكـثير مـن الهفـوات ويصفح عـن كـثير مـن الـزلات، ويـطـمـئـن الخـائـفـين يـقـول لهـم:(لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ..) (البـقـرة ـ 286).
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى