السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصفة الحادية عشرة:(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) (4)

الصفة الحادية عشرة:(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) (4)

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إنّ الصبر من العبد عند وقوع البلاء به هو اعتراف منه لله بما أصاب منه واحتسابه عنده ورجاء ثوابه، فعن أم سلمة قالت: قال رسول الله: عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيرا منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم).
ومن أمثلة الصبر على المصائب وكذلك على الطاعة هو ما حدث للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) بعد موت خديجة وعمه أبو طالب يقول ابن القيم: فلما نقضت الصحيفة وافق موت أبي طالب وموت خديجة وبينهما يسير فاشتد البلاء على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من سفهاء قومه وتجرؤوا عليه فكاشفوه بالأذى فخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله عز وجل فلم ير من يؤوي ولم ير ناصراً وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه وكان معه زيد بن حارثة مولاه فأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فقالوا: أخرج من بلدنا وأغروا به سفهاءهم فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه فانصرف راجعا من الطائف إلى مكة محزونا وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف:(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلا من تكلني إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)، فأرسل ربه ـ تبارك وتعالى ـ إليه ملك الجبال ستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة وهما جبلاها اللذان هي بينهما فقال: لا بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً.
ومن الأعمال الصالحة ما قد يجتمع فيها أنواع الصبر الثلاثة والتي منها الصوم، يقول ابن رجب الحنبلي: وأفضل أنواع الصبر الصيام فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة لأنه صبرٌ على طاعة الله عز وجل وصبرٌ عن معاصي الله، لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يقول:(كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به؛ لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) وفيه أيضا صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يسمى شهر الصيام شهر الصبر, وأقسام الصبر التي أشرنا إليها تتفاوت من حيث الأفضل، قال ميمون بن مهران: الصبر صبران: فالصبر على المصيبة حسن وأفضل منه الصبر عن المعصية, فأفضلها الصبر على الطاعة ثم الصبر عن المعصية ثم الصبر على المصائب.
فالصبر على الواجبات أعلى أنواع الصبر لأن جنس فعل الواجبات أعلى درجة عند الله من جنس ترك المحرمات، وأجر ترك المحرمات أكبر من أجر الصبر على المصائب، لأن الصبر على الواجب والصبر على ترك الحرام عملية اختيارية، لكن لما نزلت به المصيبة، شيءٌ بدون اختياره، ليس له إلا كف النفس والصبر، وصبر يوسف ـ عليه السلام ـ على امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقائه في غيابة الجب إذ لا اختيار في تلك الحالة، والصبر على المصائب يختلف من شخصٍ لآخر ومن حالٍ إلى حالٍ، فالصبر على المصائب التي يكون للعبد فيها اختيار ابتغاء مرضات الله أكمل من الصبر على المصائب التي ليس للعبد فيها اختيار، ومن هذا صبر يوسف على السجن باختياره كي لا يقع في الفاحشة، أعظم وأكمل من صبره على إلقائه في غيابة الجب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن يوسف ـ عليه السلام: فأولئك أخرجوه من إطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختيار وهذه ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوساً مسجوناً باختياره فكانت هذه أعظم في محنته وكان صبره هنا صبراً اختيارياً اقترن به التقوى بخلاف صبره على ظلمهم فان ذلك كان من باب المصائب التي من لم يصبر عليها صبر الكرام سلا سلوا البهائم، والصبر الثاني أفضل الصبرين ولهذا قال:(إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف ـ 90)، وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان وإن لم يفعل أوذي وعوقب فاختار الأذى والعقوبة على فراق دنيه إما الحبس وإما الخروج من بلده كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين وكانوا يعذبون ويؤذون، وقد أوذي النبي بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبراً اختيارياً فإنه إنما يؤذى لئلا يفعل ما يفعله، باختياره وكان هذا أعظم من صبر يوسف لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة وإنما عوقب إذا لم يفعل بالحبس، والنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه طلب منهم الكفر وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه، وأهون ما عوقب به الحبس فان المشركين حبسوه وبني هاشم بالشعب مدة ثم لما مات أبو طالب اشتدوا عليه فلما بايعت الأنصار وعرفوا بذلك صاروا يقصدون منعه من الخروج ويحبسونه هو وأصحابه عن ذلك ولم يكن أحدٌ يهاجر إلا سراً إلا عمر بن الخطاب ونحوه فكانوا قد ألجاؤهم إلى الخروج من ديارهم ومع هذا منعوه منهم عن ذلك وحبسوه، فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعةً لله ورسوله لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها أعظم درجة.

إلى الأعلى