الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم.. سورة الكهف (7)

من قصص القرآن الكريم.. سورة الكهف (7)

الظاهر من الآية أن الحزبين هما فريقان الأول الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم

اعداد ـ أم يوسف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ..
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة “الغاشية”، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح . وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ “الحمد لله” وهذه السور هي:”الفاتحة ، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر ” وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جلَّ وعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
قال تعالى:(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِم فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً).
قوله تعالى:(فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) لما فروا ممن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء ولجأوا إلى الله تعالى فقالوا:(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: مغفرة ورزقاً، (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً) توفيقاً للرشاد، وقال ابن عباس: مخرجاً من الغار في سلامة، وقيل: صواباً، ومن هذا المعنى أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
قوله تعالى:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله، قال الزجاج: أي: منعناهم عن أن يسمعوا لأن النائم إذا سمع انتبه، وقال ابن عباس: ضربنا على آذانهم بالنوم أي: سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها، وقيل: المعنى (فضربنا على آذانهم) أي: فاستجبنا دعاءهم، وصرفنا عنهم شر قومهم، وأنمناهم، والمعنى كله متقارب. وقال قطرب: هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم الفساد، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف، قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا:
ومن الحوادث لا أبالك أنني
ضربت على الأرض بالأسداد
وأما تخصيص الأذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا من تعطل السمع، ومن ذكر الأذن في النوم قوله (صلى الله عليه وسلم): (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) خرجه الصحيح، وأشار ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى رجل طويل النوم لا يقوم الليل، و(عدداً) نعت للسنين أي: معدودة، والقصد به العبارة عن التكثير لأن القليل لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عرف، والعد المصدر، والعدد اسم المعدود كالنفض والخبط، وقال أبو عبيدة:(عدداً) نصب على المصدر، ثم قال قوم: بيّن الله تعالى عدد تلك السنين من بعد فقال:(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) (الكهف ـ 25).
قوله تعالى:(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ) أي: من بعد نومهم، ويقال لمن أحيي أو أقيم من نومه مبعوث لأنه كان ممنوعا من الانبعاث والتصرف.
قوله تعالى:(لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى)، (لِنَعْلَمَ) عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود ومشاهدته وهذا على نحو كلام العرب، أي: نعلم ذلك موجوداً، إلا فقد كان الله تعالى علم أي الحزبين أحصى الأمد، وقرأ الزهري:(ليعلم) بالياء، والحزبان الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية إذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، حين كان عندهم التاريخ لأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين، وقالت فرقة: هما حزبان من الكافرين، اختلفا في مدة أصحاب الكهف. وقيل: هما حزبان من المؤمنين. وقيل غير ذلك مما لا يرتبط بألفاظ الآية، و(أحصى) فعل ماضي، و(أمدا) نصب على المفعول به قاله أبو علي. وقال الفراء: نصب على التمييز، وقال الزجاج: نصب على الظرف، أي أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد، والأمد الغاية، وقال مجاهد: (أمداً) نصب معناه عدداً، وهذا تفسير بالمعنى على جهة التقريب، وقال الطبري:(أمداً) منصوب بـ (لبثوا)، ابن عطية: وهذا غير متجه، وأما من قال إنه نصب على التفسير فيلحقه من الاختلال أن أفعل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و(أحصى) فعل رباعي. وقد يحتج له بأن يقال: إن أفعل في الرباعي قد كثر، كقولك: ما أعطاه للمال وآتاه للخير، وقال في صفة حوضه (صلى الله عليه وسلم): (ماؤه أبيض من اللبن)، وقال عمر بن الخطاب: فهو لما سواها أضيع.
قوله تعالى:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) لما اقتضى قوله تعالى:(لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى) اختلافاً وقع في أمد الفتية، عقب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع، (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ) أي: شباب وأحداث حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة الإيمان، وقال الجنيد: الفتوة بذل الندى وكف الأذى وترك الشكوى، وقيل: الفتوة اجتناب المحارم واستعجال المكارم. وقيل غير هذا، وهذا القول حسن جداً لأنه يعم بالمعنى جميع ما قيل في الفتوة.
قوله تعالى:(وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) أي: يسرناهم للعمل الصالح من الانقطاع إلى الله تعالى، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا وهذه زيادة على الإيمان، وقال السدي: زادهم هدى بكلب الراعي حين طردوه ورجموه مخافة أن ينبح عليهم وينبه بهم فرفع الكلب يديه إلى السماء كالداعي فأنطقه الله، فقال: يا قوم لم تطردونني، لم ترجمونني لم تضربونني فوالله لقد عرفت الله قبل أن تعرفوه بأربعين سنة فزادهم الله بذلك هدى .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى