الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات (2)

الإخلاص روح الطاعات وجوهر العبادات (2)

كم من أناس تظهر فيهم علامات الإيمان والتقوى لكنه همّه أن يصل إلى ثناء الناس ومدحهم

من أجلّ أعمال القلوب الإخلاص لله الذي هو من أشقِّ الأمور على النفوس

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
لا يمكن لأي شخصٍ أن يعلم حقيقة النيةِ لدى شخصٍ آخر، فمهما ظهر على المرءِ من علامات الخشوعِ والتعبُّدِ لله عز وجل فلا يُمكِنُنا الجزمُ بحُسنِ نيته لأن النية مكانها القلب، والإخلاص هو من أعمال القلوب التي لا تظهر أمام الناس ولذلك فإن إخلاصَ النيةِ أمر متعلقٌ بين العبدِ وربه، فلا يستطيع أحدٌ أن يشقَّ قلبَ أحد فيطلِّعَ عليهِ، فالله وحده الذي يعلم بحقيقة نية الإنسان، ولا يستطيع أحد أن يُزكي نفسه فيزعُمُ إخلاصَ نيته، بل يسعى إلى تصفية نيتهِ لله ـ جلّ وعلا، دون أن يشهدَ لنفسهِ بذلك.
وكم من أُناسٍ تَظهرُ فيهم علامات الإيمان والتقوى، لكنهُ لا يكونُ مخلصاً، وإنما همه أن يصِلَ إلى ثناءِ الناس ومدحهم، فإن سمع مدح الناس شعر بالراحة والطمأنينةِ له، وإن سمع ذماً حزِنَ واكتئب، ولربما ترك أبواباً من الخير لا يفتَحُها، لمجردِ أنها لا تُفضِي لمدح الناس، وقد تظهر علامات الإخلاصِ على الإنسانِ من خلال آثار أعماله الخيِّرةِ على الناس، ودون انتظارٍ للشكرِ أو الثناء، فيدل عليه سعيُه وعمله وجِده واجتِهاده في الخير، بما لا يعود بالمصلحة عليه شخصياً، لا مصلحةً ماديةً ولا معنوية، فهذا مما يدل على إخلاصه، مع ملاحظة عدمِ الجزمِ له بذلك، ولكن، وبشكلٍ أساسي، فإن الإخلاص أمرٌ قلبيٌ محض، مع كونهِ الأصلَ الذي تنبني عليه جميعُ الأعمالِ الظاهرةِ والباطنةِ، فلا يكونُ العملُ الظاهرُ مقبولاً إلا بنيةٍ صادقةٍ تدعمهُ وتُكَوِّنُ أساسه.
من أحاديث النبي في الإخلاص
عن أمير المؤمِنين أبي حَفْصٍ عمرَ بنِ الخطابِ ـ رضي الله عنه ـ قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ (صلّى اللّه عليه وسلّم) يقُولُ:(إنّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكَحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْه)، وعن أبي موسى عبدِ اللهِ بنِ قيسٍ الأشعريِّ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ:(سُئِلَ رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَنِ الرَّجُلِ يُقاتلُ شَجَاعَةً، ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذلِكَ في سبيلِ الله؟ فقال رَسُول الله (صلّى اللّه عليه وسلّم): من قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيَا، فَهوَ في سبيلِ اللهِ)، عن أبي أمامة الباهليّ ـ رضي اللّه عنه ـ قال:(جاء رجل إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه وسلّم) فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذّكر، ما له؟. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وسلّم): لا شي ء له. فأعاد ثلاث مرّات. يقول له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وسلّم): لا شي ء له. ثمّ قال: إنّ اللّه لا يقبل من العمل إلّا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه) ـ رواه النسائى، وعن عبد اللّه بن عمر ـ رضي اللّه عنهما ـ قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وسلّم) يقول: انطلق ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم حتّى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار، فقالوا: إنّه لا ينجيكم من هذه الصّخرة إلّا أن تدعوا للّه بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم: اللّهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا. فنأى بي في طلب شي ء قوما فلم أرح عليهما حتّى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يديّ أنتظر استيقاظهما حتّى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللّهم؛ إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنّا ما نحن فيه من هذه الصّخرة. فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج. قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه وسلّم): قال الآخر: اللّهم كانت لي بنت عمّ كانت أحبّ النّاس إليّ، فأردتها عن نفسها فامتنعت منّي، حتّى ألّمت بها سنة من السّنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلّي بيني وبين نفسها ففعلت، حتّى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلّا بحقّه، فتحرّجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحبّ النّاس إليّ، وتركت الذّهب الّذي أعطيتها، اللّهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصّخرة غير أنّهم لا يستطيعون الخروج منها، وقال الثّالث: اللّهمّ إنّي استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الّذي له وذهب، فثمّرت أجره حتّى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد اللّه أدّ إليّ أجري، فقلت له: كلّ ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرّقيق، فقال: يا عبد اللّه لا تستهزئ بي، فقلت: إنّي لا أستهزئ بك. فأخذه كلّه فاستاقه فلم يترك منه شيئا. اللهمّ؛ فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت الصّخرة فخرجوا يمشون) ـ رواه البخارى ومسلم واللفظ له.
إن القلب ملِكُ الجوارح، وهي له تبَعٌ، فإن صلح القلب صلحت الجوارح كلها، وإن فسد القلب فسدت الجوارح كلها، ومِن أجَلِّ أعمال القلوب الإخلاص لله عز وجل الذي هو مِن أشقِّ الأمور على النفوس، الإخلاص لله، هو معيار الأعمال الدقيق، ومقياسها الصادق الذي يميز طيبها من خبيثها، وصحيحها من فاسدها، ومقبولها من مردودها، ونافعها من ضارها:(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (الزمر ـ 65)، وكانت ألسنة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ تلهج بذلك، قال تعالى حكاية عن الخليل إبراهيم ـ عليه السلام:(إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) وقد شهد الله سبحانه بالإخلاص لعباده الذين صفت سرائرهم، وصدقت نياتهم، وسلمت أعمالهم، قال تعالى:(واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) قال بعض المفسرين: أي أخلصوا العبادة لله عز وجل.

إلى الأعلى