الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة.. النـقد البــناء

خطبة الجمعة.. النـقد البــناء

منطلق النقد البنّاء أن يبدأ المرء بنفسه وينظر في عيوبه ونقائصه قبل أن يُقدِم على نقد غيره العاقل البصير يستمع في تعقُّل ويُحاور في تواضع وتجمُّل ويزن ما يُوجَّه له من نقد من غير إصرار ومكابرة

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، أَمَرَ بِالنَّصِيحَةِ لِلمُسلِمِينَ، وَشَرَعَ النَّقْدَ البَنَّاءَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَوْسَعُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَكْرَمُهُمْ خُلُقًا، اتَّخَذَ النُّصْحَ مَنْهَجًا، وَالنَّقْدَ البَنَّاءَ مَسْـلَكًا، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، الَّذِينَ كَانُوا لِبَعْضِهِمْ نُصَحَاءَ، فَسَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمُ الصُّـلَحَاءُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: اتَّقُوا اللهَ العَظِيمَ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ حَبْـلٌ مَتِينٌ، تَتَرَابَطُ بِهِ المُجتَمَعَاتُ، وَدَوَاءٌ شَافٍ يُصْلِحُ الأَفْرَادَ وَالجَمَاعَاتِ، وَاعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ دِينَكُمُ الحَنِيفَ دِينُ تَعَاوُنٍ وَتَآلُفٍ، يَقُومُ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالصَّـفَاءِ وَالتَّعَارُفِ، عَبْرَ قِيَمٍ سَامِيَةٍ تُشَيِّدُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بُنْيَانَ الأُخُوَّةِ الصَّادِقَةِ، الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لَهُمْ سَمْـتًا وَمَسْـلَكًا، فِي قَولِهِ:(إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات ـ 10)، وَهَذَا البُنْيَانُ لا يَقُومُ وَيَتَمَاسَكُ إِلاَّ بِإِرَادَةِ الخَيْرِ وَبَذْلِ النُصْحِ لأَفْرَادِ مُجْـتَمَعِنَا، فَذَاكَ جَوْهَرُ دِينِنَا، وَأَسَاسٌ تَقُومُ عَلَيْهِ قِيَمُنَا وَمَبَادِئُنَا، فَفِي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وِلرَسُولِهِ وَلأَئِمّة المُسلِمِينَ وَعَامَّـتِهِمْ) إِنَّ مَبْدَأَ النَّصِيحَةِ يَقُومُ عَلَى مَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ مِنَ الخَطَأِ وَالنَّقْصِ، وَمَا امتَزَجَ فِيهَا مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَكُلُّنَا بَشَرٌ مُعَرَّضُونَ لِلزَّلَلِ وَالتَّقْصِيرِ، وَكُلُّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى الرُّقِيِّ وَالتَّطْوِيرِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ المُؤْمِنُ مِرْآةَ أَخِيهِ، يَرَى لَهُ مَا لا يَرَاهُ، وَيُبَصِّرُهُ بِمَا لا تَنْتَبِهُ لَهُ عَيْـنَاهُ وَخُطَاهُ، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ لِلتَّغْيِيرِ نَحْوَ الأَفْضَلِ، فَطُوبَى لِكُلِّ عَاقِلٍ نَصَحَ لإِخْوَانِهِ بِإِخْلاصٍ، وَهَنِيئًا لِمُجْـتَمَعٍ شَاعَتْ بَيْـنَهُمْ قِيَمُ التَّوَاصِي عَلَى الخَيْرَاتِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى القُرُبَاتِ؛ وَشَاعَ فِيهِمُ النَقْدُ البَنَّاءُ، وَأَخَذَ الجَمِيعُ بِأَيدِي بَعْضِهِمْ نَحْوَ الرُّقِيِّ وَالبِنَاءِ، فَهَذَا مَدَارُ نَجَاحِ الفَرْدِ وَالأُمَمِ، كَمَا قَرَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ:(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ مُنْطَلَقَ النَّقْدِ البَنَّاءِ أَنْ يَبْدَأَ المَرْءُ بِنَفْسِهِ، وَيَنْظُرَ فِي عُيُوبِهِ وَنَقَائِصِهِ، قَبْـلَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى نَقْدِ غَيْرِهِ، وَتَقْوِيمِ مُجْـتَمَعِهِ، فَإِنَّمَا مُجْـتَمَعُكَ أَفْرَادٌ، وَأَنْتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، إِنِ اشتَغَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُيُوبِهِ، ثُمَّ أَخْـلَصَ النَّصِيحَةَ لِمُجتَمَعِهِ نَهَضَ الوَطَنُ بِمُخْـلِصِيهِ، وَقَامَتِ الأُمَّةُ بِرِجَالِهَا، فَلا تَجِدُ عِنْدَهَا مَنْ يَنْظُرُ إِلَى النَّقْدِ عَلَى أَنَّهُ تَصَيُّدٌ لِلعَثَرَاتِ، أَوْ بَحْثٌ عَنِ الهَفَوَاتِ لأَنَّ صَاحِبَهُ رَبَّى نَفْسَهُ، وَنَصَحَ لِرَبِّهِ وَلِرَسُولِهِ (صلى الله عليه وسلم)، وَمِنْ هُنَا نَجِدُ الهَدْيَ النَّبَوِيَّ قَدَّمَ النَّصِيحَةَ للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ قَبْـلَ أَنْ يَذْكُرَ النَّصِيحَةَ لأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّـتِهِمْ، إِذْ كُلُّهَا تَصُبُّ فِي إِصْلاحِ الفَرْدِ لِنَفْسِهِ وَعُيُوبِهِ، وَاهتِمَامِهِ بِالارتِقَاءِ بِذَاتِهِ، وَسَدِّ جَوَانِبِ الخَلَلِ وَمَوَاضِعِ التَّقْصِيرِ، بِالتَّغْيِيرِ نَحْوَ الأَفْضَلِ الَّذِي قَرَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ مِنَ النَّفْسِ وَالذَّاتِ فِي قَولِهِ تَعَالَى:(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) (الرعد ـ 11).
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ النَّقْدَ البَنَّاءَ هَدِيَّةٌ يُقَدِّمُهَا الفَرْدُ لِمُجتَمَعِهِ، وَلا تَكُونُ الهَدِيَّةُ إِلاَّ جَمِيلَةً وَطَيِّـبَةً، وَفِي الأَثَرِ:(مَا أَهْدَى مُسْـلِمٌ لأَخِيهِ هَدِيَّةً أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةٍ تَزِيدُهُ هُدًى أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى) لِذَا تَجِدُ المُؤْمِنَ العَاقِلَ حَرِيصًا عَلَى اختِيَارِ هَدِيَّـتِهِ، وَتَقْدِيمِهَا فِي قَالَبٍ مَقْبُولٍ، يُحَقِّقُ غَايَتَهَا، فَيَكُونُ نَقْدُهُ مُؤَلِّفًا مُقَرِّبًا، لا مُنَفِّرًا جَارِحًا، فَمَنِ ارتَجَلَ الأَمْـرَ بِعَشْوَائِيَّةٍ، وَسَارَ بِلا مَنْهَجِيَّةٍ، لَمْ يُؤْتِ نَقْدُهُ ثِمَارَهُ، وَلَمْ يَنَلْ مِنْ نَصِيحَتِهِ مُرَادَهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ لِلإِفْسَادِ أَقْرَبَ مِنْهُ لِلإِصْلاحِ، وَأَوْرَثَ مِنَ التَّبَاغُضِ وَالتَّنَافُرِ مَا يَحْجُبُ عَنْهُ الفَلاحَ وَالنَّجَاحَ، فَلا بُدَّ إِذَنْ مِنَ النَّظَرِ الوَاعِي لِمَا يُرَادُ نَقْدُهُ، وَذَلِكَ بِتَحَرِّي الأَمَانَةِ فِي الوُصُولِ إِلَى الحَقَائِقِ وَالتَّثَبُّتِ مِنَ الأَخْبَارِ، وَالبُعْدِ عَنْ مَوَاطِنِ البَلْبَلَةِ وَمَصَادِرِ الإِشَاعَاتِ، وَعَدَمِ الانْجِرَارِ خَلْفَ كُلِّ نَاعِقٍ، إِذِ الأَمَانَةُ قَرِينَةُ النَّصِيحَةِ المُخْـلِصَةِ، كَمَا بَيَّنَ اللهُ مَسْـلَكَ المُصْـلِحِينَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ هُودٍ ـ عَلَيْهِ السَّلامُ:(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (الاعراف ـ 68)، ثُمَّ يَكونُ الصِّدْقُ فِي المَحَبَّةِ، وَالحِرْصُ عَلَى رِفْعَةِ المَنْصُوحِ وَارتِقَائِهِ، لا التَّشْهِيرِ بِهِ وَازْدِرَائِهِ، فَهَذَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الإِيمَانِ، يَقُولُ الرَّسُولُ (صلى الله عليه وسلم):(لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) إِنَّ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًا ذَا بَصِيرَةٍ، يُفَكِّرُ وَيَتَأَمَّـلُ، وَيَبْحَثُ فِي الخَيْرِ الجَامِعِ، فَيَبْدَأُ بِذِكْرِ مَحَاسِنِ المَنْصُوحِ قَبْـلَ نَقْدِهِ، وَبَعْدَهَا يَذْكُرُ نَصِيحَتَهُ فَيُغَلِّفُهَا بِثَوْبِ الأَخْلاقِ وَالقِيَمِ، وَيُقَدِّمُهَا لِمُجْـتَمَعِهِ عَبْرَ المَسَالِكِ المُتَاحَةِ، فَلا يَعْمِدُ إِلَى العَلَنِ مَتَى مَا أَمْـكَنَ الإِسْرَارُ، وَلا يَسْـتَنْهِضُ العَامَّةَ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ مَا فَتَحَتِ القَنَوَاتُ الرَّسْمِيَّةُ أَبْوَابَهَا، فَإِنَّمَا هَدَفُهُ حُسْنُ التَّغْيِيرِ وَالتَّطْوِيرِ، وَلَيْسَتْ غَايَتُهُ الفَضْحَ وَالتَّشْهِيرَ، بَلْ يَقِفُ بِنُصْحِهِ فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ يُحَاوِلُ العَبَثَ بِالاستِقْرَارِ، أَوِ الفَضِيحَةَ لِبَنِي الإِنْسَانِ.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَدْرِكُوا أَنَّ النَّاصِحَ الأَمِينَ لا يَبْغِي لِلشُّهْرَةِ سَبِيلاً، وَلا لِتَأْلِيبِ المُجْـتَمَعِ عَلَى بَعْضِهِ هَدَفـًا وَطَرِيقًا، مُوقِنًا أَنَّ قِيمَةَ الانتِقَادِ فِيمَا يُضِيفُهُ مِنْ فَائِدَةٍ تَعُمُّ الجَمِيعَ، وَلَيْسَ فِيمَا يَكْشِفُهُ مِنْ عُيُوبٍ وَمَثَالِبَ، فَاشتَغِلُوا بِالبِنَاءِ وَلا تَشْـتَغِلُوا بِيَسِيرِ الأَخْطَاءِ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الحَمْدُ للهِ الذي أرْسَلَ رُسُلَهُ مُبَشِّرينَ وَمُنذِرِينَ، وَهُدَاةً نَاصِحينَ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَطَرَهُ رَبُّهُ عَلَى التَّواضُعِ فَكَانَ يُنَاقِشُ وَيُحَاوِرُ، وَيَسْمَعُ مِنَ المُخَالِفِ الرَّأْيَ الآخَرَ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ، وَاقتَفَى أَثَرَهُمْ فِي هَدْيِهِمْ وَنُصْحِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
إِنَّ العَاقِلَ البَصِيرَ يَستَمِعُ فِي تَعَقُّلٍ، وَيُحَاوِرُ فِي تَواضُعٍ وَتَجَمُّلٍ، وَيَزِنُ مَا يُوَجَّهُ لَهُ مِنْ نَقْدٍ مِنْ غَيْرِ إِصْرارٍ وَمُكَابَرَةٍ، فَإِنْ وَجَدَ الصَّـوابَ لَزِمَهُ، وَمتَى مَا رَأَى الحَقَّ تَمَسَّـكَ بِهِ وَالتَزَمَهُ، لاَ يَجِدُ فِي ذَلِكَ حَرَجًا وَلاَ غَضَاضَةً، مُوقِنًا أَنَّ فِي نَقْدِ النَّاسِ لَهُ، مَصْـلَحةً وَفَائِدَةً، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ، وَيُحِبُّونَ لَهُ مَا يُحِبُّونَ لأَنْفُسِهِمْ، حتَّى لَوْ كَانَ النَّاقِدُ خَصْمًا وَعَدُوًّا، أَو يُظَنُّ فِيهِ النِّيَّةُ السَّيِّئَةُ، فَالمُؤْمِنُ لاَ يَتَّهِمُ النِّيَّاتِ، وَلاَ يَبْحَثُ فِي الخَبَايَا وَالطَّوَايَا، إِنَّمَا الخَيْرُ مَطْـلَبُهُ، وَالحِكْمَةُ ضَالَّتُهُ، فَفِي الأَثَرِ:(الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، أَنَّى وَجَدَها فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)، وَلْيَكُنْ لِلْغَيْظِ كَاظِمًا، وَعَمَّنْ أَسَاءَ القَصْـدَ أَوِ الأُسلُوبَ عَفُوًّا صَافِحًا، لِيَكُونَ مِنَ المُحسِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران ـ 134) وَلْيَعلَمْ أَنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ صَاحِبَهُ، وَالأَحْـقَادَ لأَهلِهَا قَاتِلَةٌ، فَلْيَأخُذْ مَا يُهِمُّهُ، وَلْيَطْرَحْ جَانِبًا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، وَتَقبَّـلُوا النَّقْدَ البَنَّاءَ بِصَدْرٍ رَحْبٍ، بَلِ اطلُبُوهُ مِنْ إِخْوَانِكُمْ وَأَصْحَابِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ الخَيْرَ، وَالمُؤْمِنُونَ يُكَمِّـلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى