الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تعالوا نحضر عرسا في اليونان (5)

تعالوا نحضر عرسا في اليونان (5)

يوم الأمس كان أحد ايامي التي لا تنسى، أحد الأيام التي ترسلها الصدفة إلي دون ترقب أو تخطيط فإذا هي تحدث تغييرا في مسار حياتي كلها، ربما لم أحكي لكم كثيرا عنه لأن الصفحات لا تسعفني ولأني قد رجوت فيه تسلية وتسرية عن تبرايح جاثمة فوق صدري طوال الرحلة، والتي خلفت في وجهي شحوبا وانزعجا لئيما لم يسعني مداراته، وقد ظفرت بذلك اخيرا فقد انتعشت روحي اليوم وهي في حالة من الرضا والخواء والنسيان، مستلقيا في مقعد خلفي لسيارة يابانية حديثة صغيرة الحجم كأصغر ما رأيت من السيارات أتوسد الحقائب وأكياس وتحاصرني من كل صوب، إنها سيارة بيضاء جديدة أنيقة تشق الطريق شقا الى خارج اثينا متجاوزة جميع المركبات حولها، وكأنها تفر من المدينة الآثمة، فرارا جميلا وأليما، أليما ذلك الألم الذي يخلف وراءه متعة نفسية لذيذة كلما استمر في الخروج وكلما اشتد خروجه وحشية وقوة، نعم إنه ذات الشعور الذي يشعر به صديقي حمد وهو يدفع هذه السيارة الصغيرة صعودا إلى أعالي سلسلة من جبال خضراء متماسكة بقوة خلف المدينة، وكأنه يشعر في تجاوزه المركبات تجاوزا لكل ساعات الأسى التي مرت بنا، ولكثير من الخذلان التي سببته أنا شخصيا له في تلك الليلة، ولكثير من الحيرة والقلق المتولد من فكرة أن صديقته المقربة سوف تتزوج أخيرا، أما خالد فكان يحاول ان يسري عنه بأقاصيص طريفة في الفن والادب وفي أنا شخصيا ليضحك، حتى إنه أدعى بأنهم اضطروا ان يحملوني من فراشي إلى السيارة، وأنه لولا العصير الروسي الذي ابتاعوه من العجوز الطيبة في الفندق لما استقيظت الآن، وبالرغم من أني لا اصدق كثيرا من حكاويه إلا أن في هذا شيء من الصحة فما زلت أذكر أنني كنت عائدا من غازي (أشهر شارع للهو والعبث في اثينا) فجراً مع اصدقائي الفرنسيين وأني ظفرت بصلح مع العجوز المتعجرف صاحب الفندق في تلك الساعة المتأخرة من الليل وأنه علل لي بلهجة مذعنة سبب الشجار والشتائم البذيئة التي وجهها في ذلك الصباح أمام أصدقائي الفرنسيين، لقد قال لي بالحرف الواحد: أنا لا يهمني من أنت ولا من أي دولة عربية ثرية لئيمة متكبرة متعجرفة أتيت، أستطيع ان اطردك أنت واصدقاؤك والقي بكم في الشارع لو شئت، لقد بصق في وجهي بصقا أشعرني بالذل والهوان والغربة، بالطبع كان من الممكن أن أرد عليه بأقذع من ذلك أو أستعدي الشرطة في أقل افضل الأحوال، بل إنني فعلا بدأت في تهديده وشتمه لولا تدخل طارق بجري الى خارج الفندق، وطارق هذا احد اصدقاء صديقي الفرنسي دميان، وهو أيضا فرنسي ومحامي مثل زميلهم الآخر نسيم، لكنه ايضا يحمل الجنسية الاميركية، لقد تدخل طارق في الشجار وأخرجني تحت سيل متدفق من التهديد والوعيد الذي كان يمطرني العجوز الاخرق، لقد توعدني بأنه سوف لن يدخلني الفندق مرة أخرى حينما أعود، لكن شد ما آلمني في الموضوع هو أن يحط من قدر أخلاقنا العمانية المتواضعة الكريمة ويصفني بالمتعجرف المتكبر الثري البغيض، بالرغم من أنني لم أفعل شيئا سوى أنني استأذنته بوضع حقائب أصدقائي في الفندق ريثما نعود من نزهتنا!!، على كل حال أنا لا افتأ أذكر نظرته المنكسرة المتأسفة عندما عدت فجرا مترنحا من شدة الإرهاق، صحيح انه حافظ على كبريائه فلم ينطق بأي كلمة اعتذار ولكن نظرته تلك ألقت في نفسي سعادة وراحة كبيرة، بل أنه أخبرني بشيء كاف من الاحترام ان سبب غضبه مني هو انه كان يسمع عن حقائب الارهاب المتفجرة والتي يلقيها العرب في شتى العواصم الاوروبية..!!، حسنا هل حقا أبدو لكم كإرهابي بغيض!. على كل حال أنا الآن أغط في فضاء واسع من الرضا والخواء بالرغم من ضيق المساحة التي دسني فيها خالد عنوة، إن هذه الاوقات النادرة من الخواء والانعدام هي إحدى أسعد اللحظات في حياتي، لأنها كالإيمان والاذعان المطلق، حيث تتخلى عنك قيود الروح وأسمال النفس وشعور الجسد، لحظات تحمل في طياتها ذات المتعة الأبدية الهية الذي تنعم بها النفس الميتة، لحظات اقتران الموجود باللا موجود، فهي هذا اللحظات كنت انا وحدي مستريحا خارج الوجود وصوت محمد عبده يتسلل إلي وهو يغني أغنية المطر تدغدغ حياة ميتة في اعماق نفسي: عيناك غابتا نخيل ساحة السحر .. أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر ..

إنها إحدى تلك العجائب المساوية التي يلقي بها الله في لسان الشعراء وحناجر المغنين، وأكثر ما شد انتباهي واستيقاضي هو أن خالد وهو أحد اساتذة اللغة والعربية والادب في جامعاتنا كان يغوص بي في معاني الاغنية فيجلي أجمل معانيها وصورها كان يقول وهو في حالة من الحماس والتجلي.
كان خالد مأخوذا بصوت المغني وسحره في أعنية المطر وأغنية لورا، وأخذني معه الى اعماق النشوة وهو يسترسل في التذوق والنقد فيأتي بقصص غريبة عن محمد عبده وعن غازي القصيبي وعن بدر شاكر السياب قصص عن مغامراتهم الدينية والعاطفية والفكرية، وأنا بالكاد استطيع ان اميز وجودي، وحين رفعت رأسي قليلا لأرى أين نحن بالضبط، وجدتنا نغذي الخطأ بين سهول خضراء وجبال شاهقة مكتظة بأشجار البلوط والاحراش والاعشاب، وعلى يميننا كان البحر المتوسط هادئا ساكنا باردا كعادته كأخطبوط ضخم مد أذرعه بين هذه الجبال وحولها مشكلة من ذلك جزرا خضراء جميلة والسفن الشراعية تسرح في ذاك البساط الازرق المتلألئ تحت أشعة الشمس وفوقه طيور النورس تغني للحياة. وسألتهم بعد ان استرجعت وجودي: إلى أين نحن ذاهبون؟، فأخبروني أننا متجهون إلى جزيرة هايدرا طيب كيف ان كنا ذاهبين إلى جزيرة لماذا لست في سفينة شراعية جميلة كتلك السفن هناك..
قالوا: بأن الجزيرة بعيدة وأننا سوف نصل إلى مخيم يقع بإحدى الشواطئ القريبة منها سنخيم فيه ونبحر صباحا في إحدى العبارات. طبعا لم يكن متاحا لي أن أعترض أو أبدي رأيا في التخييم، لكنني فعلا استمرأ التخييم واستصعبه وفي ذات الوقت أحبه وأشجع معارفي عليه كثيرا فلدي ايمان حقيقي ان التخييم أسلوب الرجل الراقي المقتصد المحب للبيئة، وفيه كثير من التأمل واحترام وتوطيد العلاقة بين الانسان وأمه الأرض. على العموم بعد ساعتين من السير وسط مزارع البرتقال والفراولة والتفاح والخوخ انتهى بنا الطريق أمام إحدى الشواطئ الرملية، حيث لم يعد بإمكاننا ان نقود السيارة أبعد من ذلك، كنا قد وصلنا فعلا الى المخيم المنشود، وما ان ترجلت من السيارة لأمشي الرمال الذهبية حتى رأيت فتاة يونانية شقراء تجلس على مقعد خشبي تتأمل في الشمس التي كانت تهبط برتابة وبطء خلف جزيرة هايدرا قبالة الشاطئ، وقد تركت دراجتها الهوائية مستلقية في الرمل على بعد خطوات منها، كانت فتاة في عمر المراهقة والفتنة قد جمعت شعرها الذهبي بمشد لتتركه متدليا فوق رأسها كانت ايضا تأكل الحب، ترائى لي أنها مستغرقة في تفكير بعيد لا بد اذن انها مغرمة أو أن فيها نفس شاعر، لا اخفيكم ان هذا المنظر الجميل ذكرني بشواطئ ودام قديما مع اختلاف في درجة الحرارة طبعا، الرمال الخصبة الرطبة واشجار الغاف المبعثرة ونباح الكلاب وهذا المحار الكثير المتكسر المتلألئ تحت امواج البحر اللطيفة وهذه الفتاة القروية التي قادت دراجتها إلى هنا وحيدة، إنه يعيدني إلى ايام الطفولة حينما كنت أقود دراجتي الهوائية نصف النهار خفية متحديا الرهبة والسكون ونباح الكلاب وحفيف شجر الغاف متجنبا منازل الصيادين لأصل إلى شاطئ ودام الرملي لأجده غاضبا مزمجرا كعادته يدك بأمواجه الشاطئ دكا، لذلك طلبت من اصدقائي التخلص مني في الشاطئ بينما ينهون اجراءات الحجز في المخيم، كانت هناك أيضا بعض العوائل أمام الشاطئ يراقبون صبيتهم المتمتعين بالسباحة. وفي اللحظة التي اختفت فيها الشمس خلف الجزيرة امتطت الفتاة دراجتها وغادرت المكان، وعدت انا إلى المخيم لأجد خالد وحمد يخوضون حوارا مضحكا مع كهل نحيف برزت عروقه فوق جلده من طول العمر، لكنه كات يمتع بصحة وسمع جيدين، فهو يرتدي قميصا رياضيا دون أكتاف وبنطالا قصيرا فوق الركبة، ويداه طويلتان قاسيتان، كان يبتسم بحب مع شيء من العتاب وهو يشرح لهم المرفقات، أخبرني خالد: أن الشيخ كان غاضبا منا لأننا دخلنا من بوابة الخروج، وقد غضب غضبا شديدا لأن هذه هي المرة الاولى منذ إنشائه لهذا المخيم قبل عشرات السنين التي يدخل فيها سائح بشكل دون ان يقرأ لوحة (مخرج) المكتوبة بخط يوناني واضح، ولكوننا أول خليجيين نصل الى هذا المنطق ولا نتلكم اليونانية ولكوننا لطفاء أيضا فقد ضحك معنا ورضي، المخيم عبارة عن مزرعة كبيرة صفف الكهل فيها عرشانا من اغصان الاشجار والنخيل الموجودة في المزرعة، يفصل بين كل عريش وعريش حائط من نفس الاغصان، أما جانبا العريش الامامي والخلفي فهما مفتوحان للسيارة وللشوي وتنسيق الخيام، غاردنا حمد الى القرية لإحضار المشروبات والعشاء بينما بقينا نحن نعد الخيمة ونجهز الفراش، وحيث إنني كنت شبه نائم طوال اليوم وطال الطريق فقد مضيت أتجول في الميخيم واستكشف الجوار، حيث كان منزل الكهل يتوسط المزرعة، كان فيه مطعم ومبطخ يستضيف فيه النزلاء ممن لا يرغب في تكبد عناء الطبخ، اقتربت من المنزل اكثر، دخلت من الباب الخلفي للمطبخ حيث كان يحتفظ بأنواع جيدة المشروبات في أرفوف مقفلة خلف المناضد، وأمام المطبخ وضع صبورة كتب عليها مكونات وجبة عشاء الليلة والتي تعدها زوجته لمن يرغب، وفي إحدى الحوائط علق صورا تذكارية له ولطفلة صغيرة جميلة وامرأة عجوز، كما علق صورا لأشخاص آخرين بدا لي أنهم شخصيات شهيرة توقفت يوما ما هنا أو ربما لا تعدو ان تكون الا صورا لأصدقائه وعائلته، على كل حال اخترت مقعدا قريبا من التلفاز حيث تتدلى أغصان فيها زهور صفراء وحمراء وبنفسجية وزرقاء، جلست هناك وحدي بعد أن تعبت من منادة أهل البيت دون طائل، وما أن مضى على مكوثي دقيقتان حتى ظهرت أمامي طفلة صغيرة في السابعة من عمرها تقريبا، وقفت أمامي في فستان كريمي لطيف القت علي نظرة خاطفة بعينيها الواسعتين الباردتين دون أن يبدو عليها اي اهتمام بوجودي، لا شك ان ذات الطفلة التي تنشر صورها في الجدران، جلس دون اكتراث إلى احدى الطاولات حيث ترك لوح بيانو صغير، كانت تحاول أن تعزف شيئا ما لكنها كانت تفشل في كل مرة، وكأنها قد ادركت بفطرتها السليمة ان اللسان اعجز عن التعبير عما يدور في خلدنا من الموسيقى، لذلك بقينا على هذا المنوال حتى جاء الكهل فاحتضن الطفلة وسألني ان كنت أرغب في تناول العشاء معهم فأخبرته بأنني لا اطمع الا بحُظوة الجلوس إلى صحبتهم هذا المساء، فنظر إلى وجهي مستغربا مرتابا ثم هز رأسه راضيا، وسألته: هل هذه الطفلة هي حفيدتك؟ فأجابني بأنها ابنته الوحيدة، فانتابني فضول أكبر إذ كيف لكهل وعجوز ان ينجبا هذه الطفلة الجميلة، لكني ظفرت بشيء من الحياء والعقل في تلك اللحظة فمنعتني من هذا السؤال المحرج، وحولت مجرى الحديث إلى فكرة المخيم وكيفية إدارته وأنواع النزلاء قاصدا من ذلك كله ان أصل إلى جواب عن السؤال المُلّح، أخبرني أنه في شبابه عمل في كثير من الأماكن وسافر إلى كثير من البلدان في اليونان، صحيح انه لم يستطع يوما السفر إلى الخارج، الا أنه يعرف كثيرا من بلدان العالم بحكم القتائه بكثير من مختلف البلدان، وأخبرني أيضا بأنه يدير المخيم بنفسه بمساعدة زوجته التي بدا أنها أصغر منه سنا وأفضل صحة، كان العجوز وزوجته وطفلتهم يشاهدون مباراة لكرة السلة وهم يتناولون العشاء، وقد حرزت انه مشجع لأحد الفريقين، وحينما سألته سر سرورا كبيرا وأخبرني أنه ليس مجرد متابع عادي لكرة السلة بل هو عاشق لها ولاعب ماهر فيما مضى، كانت لديه رغبة عارمة ان يصف لي شغفه بهذه الرياضة وعشقه للنادي الذي يجري مباراة سهلة الان لكن اللغة كانت لا تسعفه في ذلك، لكنه بالرغم من كل شيء استطاع ان يسألني عن اسماء بعض الفرق اليونانية وحينما أخبرته بأني لا أعرفها إطلاقا أصابته صدمة وإحباط كبير لا بد أنه كان يظن ان العالم كله يعرف فريقه ويتابع مبارياته وبطولاته أو على تقدير تصله أخباره، ثم سألني سؤالا غريبا: هل يوجد هناك أي رياضات من حيث اتيت؟!! ههه بالطبع توجد لدينا رياضة وأندية وقنوات رياضية وشغف وجنون وكل شيء، أنا بنفسي أحب ان ممارسة رياضة كرة القدم، ثم سألني مرة أخرى عن اسم دولتي واسم فريقها الدولي لكرة السلة، فأخبرته فقال لي آسفا: أنه لم يسمع بهذه الدولة قط ولم ير فريقا يرتدي قميصا أحمر باسم سلطنة عمان.
كان الشيخ يستمتع بالحديث وكنت كذلك كنت مستمتعا بالحديث معه، وقد تجاوز صدمة ان هناك احدا في الدنيا لا يعرف اسم فريقه الرياضي المفضل الذي فاز بالعديد من البطولات العالمية، تجاوزها لأنني من بلد عربي مجهول يقع في جزيرة صحراوية متخلفة مبوءة بالحروب والدماء فمن الصعوبة بمكان ان تصلها أخبار العالم، وقد تابعت معه المباراة حتى نهايتها تعبيرا عن احترامي لفريقه، ثم ودعني توديعا حارا كداعية يودع كافرة جميلة اقنعها توا بدخول ديانته، وعندما عدت إلى الخيمة أخذت بعض المشروبات الباردة ومضيت مع خالد إلى الشاطئ حيث كان القمر مكتملا ونحن نستمتع بألحان السيدة ام كلثوم وموسيقى زوربا اليونانية، قال لي خالد وهو يشير إلى الجزيرة المتلألئة خلف تحت القمر: إن هذه الجزيرة يا جمال هي ذاتها الجزيرة المذكورة في رواية زوربا الشهيرة للكاتب نيكوس كازانتزاكيس والتي دارت فيها أحداث الرواية، ثم أدار موسيقى زوربا وشعرنا بانتشاء الموسيقى يسري في ارواحنا من هول الموقف والظرف، فها نحن الآن نقف في ذات المكان وتحت نفس السماء ونتنشق ذات العبير ونحب الحياة كما أحبها زوربا نفسه وربما أكثر، كانت ليلة عن الف ليلة.
وفي الصباح عندما صعدنا السيارة تاركين المخيم طلبت من أصدقائي ان يمنحوني دقائق، عدت فيها الى منزل الكهل، بحثت عنه فلم أجده وأخبرتني زوجته بأنه يسقي المزروعات، فوجدته هناك وناديته، فجاء يقول: ماذا تريد يا بني؟
لا شيء فقط أردت ان اودعك
آآها .. شكرا مع السلامة
هناك شيء آخر اود أن اسألك عنه!
ما هو؟
اذا ما جئتك بعد سنوات طويلة وقد تحررت من قيودي، هل تقبل بي كمساعد لك في المخيم، لقد أحببت المكان كثيرا أنني لا انفك افكر أنني انتمي إلى هذا المكان وليس إلى اي مكان آخر..
قال لي وهو ينقل نظراته بيني وبين اصدقائي الذي ينتظرون عودتي بلهفة: حسنا, لكنك لن تعود.
لا . سوف أعود يوما ما، سترى .. وداعا
وداعا.

كانت العبارة التي اجتازت بنا البحر إلى جزيرة هايدرا هي احدى العبارات السياحية المعدة لهذا الغرض، والسياح يأتون ويذهبون إلى الجزيرة طوال النهار وتتوقف الملاحة في الليل، كنت أقف في مقدمة العبارة أتطلع الى الجزيرة وأقارنها بالصورة الجميلة التي أرسلها حمد لنا في الواتساب، كانت الجزيرة فعلا رائعة الجمال إلى الحد الذي لا يمكن لشخص مثلي ان يصفه، أنا أستطيع أن أصف لكم جانبا من شكلها ومظرها ولكني أجدني أعجز عن وصف الجمال والروعة والالق الذي يتجلى فيها وفي كل ركن وجزء صغير منها، ولا أستطيع ان اصف السحر التي تسلب به عقول زراها بالرغم من أنها ليست أحد أفضل وأغلى جزر اليونان الشهيرة، لكنها تسلب الألباب حتى ليرغب الداخل فيها ان لا يتركها ابدا، على كل حال الجزيرة هي جبل أخضر صغير يلتف عليه حزام أبيض لؤلؤي من المنازل العتيقة المتراصة والمتلاصقة وهي مبنية بشكل متدرج من اعلى اوسط حتى الصخور الكبيرة المجابهة لأمواج البحر، وفيها ميناء واحد صغير هو بوابتها الوحيدة الى الخارج وفيه ترسو جميع انواع العبارات والقوارب وحول رصيفه مطاعم ومقاهي محلات الايسكريم وقد انتشر الناس أمامها في مقاعد يتستمعون بالطعام والمنظر والشمس والمطر، وهناك الأحصنة والخيول مسرجة إلى نواصي اعدت لذلك، وهناك معلومة مهمة عن هذه الجزيرة الصغيرة أنه لا يوجد فيها اي نوع من المواصلات الحديثة فالناس تمشي على الأقدام أو تمتطي الخيول، لذلك استغرقنا وقتا طويلا حتى عثرنا على غرفة في أحد تلك المنازل، نعم صحيح هناك معلومة اخرى هي أنه لا يوجد فنادق في هذه الجزيرة، إن الجزيرة أصغر كثيرا من جشع تجار الفنادق الكبيرة، لذلك اهل الجزيرة حولوا جزءا من بيوتهم إلى مطاعم ومحلات وغرف فندقية تأوي السياح والزائرين برسوم جيدة.

جمال النوفلي

إلى الأعلى