الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كَسَب وما وراءَها

كَسَب وما وراءَها

علي عقلة عرسان

”.. حين ننظر اليوم إلى هذا الحدث الكبير في كسب، ونقارب ما يجري في العراق من توسع لداعش على الأرض وما يفرضه من اقتتال بينها ومعها حلفاؤها وبين الجيش العراقي بزعامة المالكي أو من أجله.. وندقق فيما يعنيه ذلك للساحة السورية بتعقد الأوضاع فيها وأشكال انعكاسه عليها.. نجد أنفسنا أمام تحولات سياسية وعسكرية حاصلة وأخرى محتملة،”
ــــــــــــــــــــــــــ
لاستعادة الجيش العربي السوري السيطرةَ التامة على مدينة كسب وما حولها، أي على ” ناحية كسب الإدارية”، دلالات أكبر وأكثر من النجاح العسكري، على أهميته، في معركة هي نوعية بكل المقاييس وبكل ما للكلمة من معانٍ وأبعاد.. ولعودة مئات الأسر الكَسَبْليَّة إلى بيوتها أيضاً وبعد ساعات قليلة من السيطرة على كسب وتنظيفها من الألغام المادية والبشرية، دلالاتها وأبعادها الاجتماعية والوطنية والاستراتيجية.. فكسب المنتشرة مبانيها وغاباتها على ثلثي السفح الجنوبي والجنوبي الشرقي لجبل “الأقرع”، وبارتفاع 800 م عن سطح البحر، ذات موقع استراتيجي مهم لم يكن يحظى بعناية المعنيين بالشؤون العسكرية والأمنية بسبب انشغال سوريا عن تلك المنطقة بالتحديات الكبيرة والوقائع الأهم، تحديات الكيان الصهيوني ومخاطر عدوانه وواقع احتلاله للجولان في الجنوب الغربي من البلاد منذ العاشر من (يونيو) حزيران 1967.. وهي مدينة لا يفصلها عن بلدة “حَرْبِيِّة أو دَفنَة الأسطورية” الواقعة تحت السيطرة التركية اليوم سوى المنحدرات الشمالية لجبل الأقرع، تلك التي حين تجتازها تصبح على بعد 15 ـ 20 كم من وسط مدينة أنطاكية، فهي أقرب المدن السورية إلى أحد أهم مدن اللواء السليب، لواء اسكندرون العربي ـ السوري الذي أهدته فرنسا التي كانت تحتل سوريا إلى تركيا عام 1938 قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي إطار التمهيد لتحالفات تلك الحرب.. وكسب هي الحاضنة لمعبر بري مهم بين سوريا وتركيا يعرف بمعبر كسب وهو الوحيد الذي بقي تحت السيطرة السورية من الحدود الشمالية مع تركيا كلها، قبل اجتياح المسلحين له والسيطرة عليه وعلى كسب بمساعدة تركية أصبحت مكشوفة ومعروفة، وكسب هي الناحية الإدارية للأرض السورية المشرفة على ساحل البحر الأبيض المتوسط في منطقتي: رأس البسيط الشاطئ السياحي السوري المشهور، وخليج صغير آخر إلى الشمال منه ذي ساحل رملي، ومعبر صخري ملاصق له يقع إلى الجنوب منه، كانت له أهمية استراتيجية تاريخيًّا، حيث منه عبرت حملات صليبية إلى سوريا الطبيعية ” بلاد الشام” وسمي ممر الشرق corridor d orient ويعرفه السكان حالياً باسم “كارادوران”، وفيه تمركزت بعض العناصر المسلحة وعلى امتداده البري باتجاه قرية السمرا والطريق المؤدية إلى “تشالما والنبعين والربوة فكسب..”، حيث كان هدف المسلحين الاستراتيجي، بتشجيع تركي مكشوف، الحصول على منفذ وموقع لهم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.. وكسب هي مركز الاصطياف الأول في سوريا لما تتمتع به من طبيعة رائعة تجمع بين التلال الخضراء والغابات الصنوبرية والساحل الجميل حيث البحر بامتداد أخاذ.. ولكسب فوق ذلك رمزية اجتماعية إضافة إلى الموقع الاستراتيجي، تتمثل في جمعها للسوريين من كل المشارب والمدن والتوجهات والمذاهب في موسم الصيف على الخصوص.. وحين يعود إليها سكانها خلال ساعات فقط من سيطرة الجيش العربي السوري عليها وإبعاد المسلحين عنها، إنما يؤكدون انتماء بشجاعة، وقدرة على المواجهة والبناء من جديد في ظل ظروف صعبة محفوفة بالمخاطر، وفي ذلك بعد وطني وإنساني ينبغي أن يلاحظا ويسجلا لهم.
إن استعادة الجيش العربي السوري لمنطقة كسب تسجل مرحلة مهمة للغاية في مجرى الصراع الدامي مع المسلحين، وذلك باتجاهين:
1 ـ تطور مهنية الجيش العربي السوري ومهارته التكتيكية وتحركه نحو أهدافه من البر والبحر بتنسيق عالٍ، وقدرته على التلاؤم مع طبيعة صعبة وظروف قتالية لم يعتد عليها، الأمر الذي يمنحه ثقة عالية بالنفس في المواجهة المستمرة مع المسلحين، لا سيما بعد انتصاره في القلمون وحمص، ويعزز الروح المعنوية لديه، والاستعداد للبذل والتضحية بشجاعة وإخلاص.. وتطور أساليب العمل السياسي باتجاه المصالحات والعفو والاستعداد لفتح صفحات جديدة للتعامل السياسي مع فئات المجتمع .. والاهتمام بما تقوم به بعض الجهات الأمنية أو المساندة للجيش والأمن من تجاوزات والرغبة في معالجتها لأنها ترتد سلبيًّا على الدولة والمواطن.
2 ـ تراجع قدرات المسلحين، وفقدانهم للأمل في تحقيق أهدافهم، وعدم قدرتهم على استعادة مواقع يفقدونها إلا في الجبهة الجنوبية، على الرغم من تزويدهم بأسلحة أميركية فتاكة، وذلك بسبب تفتت تحالفاتهم الداخلية وفقدان التنسيق والقيادة والضبط والربط، وزعزعة الثقة بهم من طرف بعض مموليهم والقوى التي تعتمد عليهم في النيل من الجيش العربي السوري والنظام. وقد بدا ذلك بوضوح في مواجهات سابقة وفي معارك حمص والقلمون وسجن حلب المركزي واليوم في كسب على الخصوص.. وهي معارك كانت قدرات المسلحين بعدها تتضاءل وتحالفاتهم تهتز، ومواجهاتهم القتالية فيما بينهم تزداد شدة واتساعاً. واليوم هم أكثر تشتتاً واستعداداً للاقتتال الداخلي فيما بينهم، لأسباب خارجية وداخلية وبسبب المنافع والتمويل وانكشاف ضعف القيادات وتآكل ثقتهم بمشغليهم وثقة مشغليهم بهم .. فضلاً عن انكشاف عجز الائتلاف وسواه من القيادات السياسية والعسكرية للمعارضات عن القيام بأية خطوة إيجابية الأمر الذي يفعل فعله في الروح المعنوية وفي مجالات أخرى كثيرة.
وحين ننظر اليوم إلى هذا الحدث الكبير في كسب، ونقارب ما يجري في العراق من توسع لداعش على الأرض وما يفرضه من اقتتال بينها ومعها حلفاؤها وبين الجيش العراقي بزعامة المالكي أو من أجله.. وندقق فيما يعنيه ذلك للساحة السورية بتعقد الأوضاع فيها وأشكال انعكاسه عليها.. نجد أنفسنا أمام تحولات سياسية وعسكرية حاصلة وأخرى محتملة، وكلها تؤثر في المشهد السوري وتتصل معه بصورة عضوية، سلباً وإيجاباً، وتملي على المعنيين بالأمور من كل الأطراف التفكير بمسؤولية ـ هذا إن بقيت فرص أمام العقل والروح المسؤولة ـ في كل مضاعفات ذلك ونتائجه على الأرض وفي كل اتجاه.. فنحن حيال تحول اهتمام مسلحين إلى مواقع أخرى ومواجهات وجبهات تفرض عليهم التزامات وترتب أعباء وتفرض التفكير أو التعامل مع معادلات جديدة بينهم وبين من يقاتلون ومن يعادون ومن يصادقون من جهة، وبينهم وبين حواضنهم وحتى بينهم وبين المتحالفين معهم ومن يدعمونهم من دول وجهات وتنظيمات، وبينهم وبين من يعتبرون أعداءهم من الدول حتى الأمس القريب من جهة أخرى.. وهذا يجعلنا نقول إن الأوضاع في سوريا تتجه نحو مزيد من الفرص والانتصارات للجيش العربي السوري، ولكن ينبغي رؤية المشكلات والمضاعفات والتفاعلات التي قد يفرضها ذلك، لا سيما حين تأخذ المواجهات المذهبية شكلها الدامي ـ الكارثي، وحين يتعلق الأمر بالأنصار والدعم، وهو وضع يهم الدولة وستعيشه وكذلك المسلحون أزمات ومشكلات وتراجعات لهم ولتنظيماتهم وتحالفاتهم، وقد يغير من قواعد المواجهة ومن التحالفات حسب تطور الأوضاع في العراق والشام.. ففي الوقت الذي تزداد فيه أعباء داعش القتالية لا تتراجع مخاطر مواجهاتها مع جبهة النصرة و”الجيش الحر” وتنظيمات أخرى متحالفة معهما، وفي الوقت الذي يزوِّد فيه الأميركيون “الجيش الحر” بأسلحة نوعية فتاكة يستقيل تسعة من قادته العسكريين الميدانيين لأسباب عدة، ويضطرب الائتلاف الذي يمثله من الداخل حتى يكاد يأتي البديل الذي يلغيه كما أتى هو ملغياً مجلس إسطنبول.. وفي الوقت الذي يبدي فيه الأميركيون استعدادهم للتعاون مع إيران في مواجهة الوضع في العراق، بسب تقدم داعش ومن يعمل معها على الأرض، بعد سيطرتهم على محافظات نينوى وصلاح الدين بعد تمركزهم في الأنبار، وزحفهم إلى مواقع أخرى، واستعداد إيران للتدخل في العراق، وتلظي تركية بنار ” تلعفر = تل الأعفر” ومن يواليهم فيها ويستدعي موقفاً منهم حيال ما هم فيه وحيال ما يجري في العراق وينتظر إقليم كردستان من تطورات يقال إن في طيها ” إعلانهم للدولة” التي يتوقون للإعلان عنها، مع كل ما يعنيه ذلك وما يترتب عليه؟!.. وفي هذا الوقت بالذات تتوجه إيران لمساعدة المالكي حتى بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية إن اقتضى الأمر، وتتجه المراجع الشيعية والسنية لإعلان الجهاد في الحرب ” السنية ـ الشيعية” ذات الماضي والتاريخ الكارثيين في العراق على الخصوص، وهي اليوم حرب يبدي الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية استعداده لتدريب عناصر من السنة والشيعة على القتال فيها، إرضاء لتحالفات وتنفيذاً لالتزامات في الظاهر، واستمراراً في مخطط تدمير العروبة والإسلام في باطن الأمور وحقائق التوجهات الاستراتيجية العدوانية لذلك الغرب المنافق ومعه الصهيونية العنصرية القذرة، ينفذ مخططاتهم جهل وتخلف وتعصب لمفاهيم ليست من الإسلام ولا تشرف العرب.. حيث في شبوب النهار واختلاط الليل بالنهار تبدي دول عربية حماسة لهذا النوع من الحرب المدمرة بادعاء مناهضة توجه إيران وشيعتها ومناصرة سنة العراق ورفع الظلم عنهم.. وكل ذلك يمكن الوصول إلى منافعه بالعقل والحكمة من دون أن يعيد الحرب المذهبية جزعة، ويفتح الأبواب لإفناء ما تبقى من بشر وتدمير ما يوجد من عمران في أرض العراق والشام، وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى لن تبقى بمنجاة من تدحرج كرة النار المذهبية نحوها.. والقضاء على روابط وصلاة وتاريخ وقيم هي بعض رصيدنا ومقومات هويتنا..
رهيب التفكير بما يُحتَمَل حدوثه من أمور على أرضية الاقتتال المذهبي والتدخل الأجنبي والعُصابية بأشكالها: “الدينية والطائفية والقومية والعشائرية.. إلخ، ورهيب ما تنذر به تطورات الأحداث في العراق على الخصوص.. وإذا كنا في سوريا، بعد استعادة كسب والقلمون وحمص و.. و.. على عتبة عالية من التفاؤل بوصولنا إلى لجم الفتنة والقضاء على الإرهاب والعنف وكل شكل من أشكال القتل والظلم والتمييز والفساد والقهر.. إلخ، فإنه لا يمكننا فصل أنفسنا عن محيطنا ولا عن احتمالات تطور الأحداث في داخل بلدنا وفي الجوار، لا سيما حين تذر الفتنة المذهبية قرنيها بين ظهرانينا، نحن العرب والمسلمين بوصفنا أمة يتداخل فيها الديني والمذهبي والجاهلي والعُصابي والعُصبوي في قرَن مخيف.. وحين ينفتح باب الجاهلية الجهلاء أمام متعصبين من كل نوع، لا يرون حقوق الآخرين في الحياة والأمن مما يعنيهم في شيء ولا مما يكلفهم شيئاً.؟!
كم كنت أود أن أكتب عن كسب من دون منغصات ومن غير تداخل ممض بين الفرح والألم، والخوف والرجاء، الاستقرار والتشرد.. لكن، وكم تحمل ولكن من حسرة وقسوة في بعض الأحيان.. فتلك المنطقة كسب وناحيتها تتغلغلان في خلاياي، وأشعر بنبضهما في أوردتي وشراييني، وكسب.. مناظرها تريحني، وهواؤها ينعشني، وبحرها يمتعني، وموقعها على مداخل اللواء يذكرني باللواء وبموقعها الاستراتيجي عندما نفكر باستعادة اللواء.. كما يذكرني بأنها أرض اقتطعت من جغرافية ما كان قد خطط الفرنسيون لمنحه إلى تركيا في إطار ما يعرف بلواء اسكندرون الذي يسميه الأتراك حالياً ” هاتاي”، إلا أن سكانها من الأرمن على الخصوص، وما كان يلاحقهم من ظلال أحداث وأشباح مذابح عام 1915 وخوفهم من أن يكونوا في جغرافية تركية تجدد مخاوفهن، دفع معظم سكانها للصراخ بفزع وتجاوب معهم آخرون من جبِلَّتهم، فاستمع لهم أنصار لهم في فرنسا خاصة وفي الغرب عامة وعدِّلت خريطة ما سيقتطع من اللواء السوري السليب، لواء اسكندرون، لتبقى كسب وصولاً إلى البحر وممر ” كورادوران” أرضاً سوريا.. ولي من أهل كسب أصدقاء طيبون، ولي في سفح تلة من تلالها الخضراء حلم ورغبة في أن أستظل بظل سقف بيت لأستمتع بالطبيعة الأخاذة والهواء النقي الممتزج برائحة الصنوبر والغار والزعتر والزهر البري.. ولكن.. وها قد عدنا إلى ولكن..
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
مبارك للجيش العربي السوري حضوره القوي واستعادته لكسب باقتدار الشجعان المهرة، ومبارك لشب سوريا انتماؤه لوطن وأرض جمال، وعيش محبة ووئام، ومبارك لكسب أهلها، ولأهلها عودتهم إلى ديارهم بروح الانتماء الوطني والعزم على البناء .. ونأمل أن نصل جميعاً ومن دون استثناء إلى أوضاع يعود فيها كل السوريين المشردين إلى وطنهم وبيوتهم وآمالهم وذكرياتهم، وإلى حال ينتهي فيها الاقتتال بالصلح قبل الغَلبة والقهر والقتل، وإلى حال تستقر معها وفيها سوريا، أي نحن العرب والمسلمين بوصفنا أمة يتداخل فيها الديني والمذهبي والجاهلي والعُصابي والعُصبوي والعشائري و.. في أكثر من قرَن مخيف.
للكرامة والأصالة العربية والتسامح الديني، وتستقر فيها المنطقة كلها ويتعاون فيها أهلها، كل أهلها من دون استثناء، يتعاونون على البر والتقوى ونبذ العدوان والعنف والإرهاب وكل شكل من أشكال الاقتتال والخوف والضغائن التي يصنعها الظلم والحقد والتعصب والجهالة العمياء وسوء الفهم وسوء التدبير وعقم السياسات وفداحة الممارسات، فتورث الخوف المقيم والعيش السقيم والجرح الأليم.. إنه على كل شيء قدير.

إلى الأعلى