الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مراحل تكوين السياسة الخارجية العمانية ( 1-3)

مراحل تكوين السياسة الخارجية العمانية ( 1-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

”يمكن التأكيد على ان سلطنة عمان قد دخلت العام 1974م وهي قد تخلصت من تلك الأطواق التي عزلتها على العالم إراديا, وبشكل كبير جدا. وهو ما أكده جلالته – حفظه الله – بقوله (كان لا بد ان نخرج إلى العالم بعد تلك العزلة الطويلة, ولقد نجحنا في ذلك إلى حد كبير, ولقد أعطى ذلك تأثيره على الداخل أيضا, فقد أحس أبناء هذا القطر ان بلدهم أصبح له كيانه بين دول العالم … ان ذلك يعطيهم دفعة قوية من اجل مزيد من العمل ويجعلهم أكثر إيمانا بقضيتهم ويساعدهم على الاستقرار النفسي)”

مرحلة التوسيم ( 1974- 1980 )
مرت السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970 وحتى يومنا هذا بمراحل بنائية وتكوينية مختلفة. تناولت في دراسة سابقة المرحلة الأولى منها. والتي اطلقت عليها بمرحلة التخلص من العزلة السياسية أو الأحادية, وقد استمرت هذه المرحلة منذ العام 1970م وحتى العام 1973م. لذا سأتناول في هذه الدراسة المختصرة المرحلة الثانية منها والتي امتدت في الفترة من العام 1974م وحتى العام 1980م. وقد اسميتها بمرحلة التوسيم.
بالرغم من عدم الاستقرار السياسي, والظروف العسكرية والأمنية شديدة التعقيد والصعوبة التي شهدتها المرحلة الأولى لبناء الدولة العمانية, والتي أطلقنا عليها بمرحلة الاحادية (1970- 1973) او المرحلة التي سعى من خلالها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى فك أطواق العزلة الإرادية, التي تراجع فيها دور وتواجد السياسة الخارجية العمانية على المسرح العالمي في الفترة الزمنية التي سبقت حكمه. الا انه تمكن خلال تلك الفترة القصيرة من النجاح في تحقيق الرؤية والهدف الذي كان لا بد منه بالرغم من كل تلك الصعوبات والمعوقات السياسية والجيوسياسية والعسكرية.
بحيث يمكن التأكيد على ان سلطنة عمان قد دخلت العام 1974م وهي قد تخلصت من تلك الأطواق التي عزلتها على العالم إراديا, وبشكل كبير جدا. وهو ما أكده جلالته – حفظه الله – بقوله (كان لا بد ان نخرج إلى العالم بعد تلك العزلة الطويلة, ولقد نجحنا في ذلك إلى حد كبير, ولقد أعطى ذلك تأثيره على الداخل أيضا, فقد أحس أبناء هذا القطر ان بلدهم أصبح له كيانه بين دول العالم … ان ذلك يعطيهم دفعة قوية من اجل مزيد من العمل ويجعلهم أكثر إيمانا بقضيتهم ويساعدهم على الاستقرار النفسي).
فكان لا بد حينها من الانتقال إلى المرحلة او الخطوة التالية, خصوصا ان تلك النجاحات المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية في تلك الفترة الزمنية القصيرة كانت بأمس الحاجة إلى مزيد من الترسيخ والثبات على خارطة السياسة الإقليمية والدولية. كما ان ملامح الاستقرار السياسي قد بدأت تلوح في الأفق كثمرة ونتاج طبيعي للانتصارات العسكرية والسياسية التي خاضتها السلطنة ضد أعداءها في وقتها. وهو ما تم في المرحلة السياسية الثانية, والتي يمكن ان نطلق عليها بمرحلة توسيم السياسة الخارجية العمانية. أو مرحلة التكوين. ما جعل بالإمكان العمل على الخطوة التالية من مراحل بناء وتكوين السياسة الخارجية العمانية.
وتعد هذه المرحلة من جهة التطبيق العملي لبناء ورسم صورة ذهنية عن بلد ما في مجال معين. وايصال هذه الصورة إلى بقية دول وشعوب العالم عبر وعاء متكامل من الرسائل السمعية والبصرية من جهة. وكذلك من خلال التحركات والسلوكيات والعلاقات الدولية والدبلوماسية وتقديمها للعالم الخارجي عبر مختلف وسائل وقنوات الاتصال المتاحة من جهة أخرى. وفترة لاكتشاف الذات السياسية وقيمها وثوابتها الوطنية من جهة اخرى.
وهو ما قام بالفعل على تحقيقه وتوثيقه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – في هذه المرحلة الثانية عبر وسائل وقنوات وأدوات إعلامية وسياسية ودبلوماسية مختلفة ومتنوعة. كان من ابرز تلك الأوعية السمعية والبصرية. اللقاءات والحوارات الصحفية والخطب المتعلقة بالمناسبات والاحتفالات المحلية والدولية كالأعياد الوطنية على سبيل المثال لا الحصر. وكذلك اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية المحلية والدولية والمؤتمرات الإقليمية والعالمية, خصوصا القمم الخليجية منها, والتي عبر فيها جلالته عن توجهات ومرئيات السياسة الخارجية للسلطنة, واكد فيها على ما اطلقنا عليه بمرحلة اكتشاف الذات والتي هي الركيزة والقاعدة لوضع تلك الأسس والقيم والمبادئ والثوابت السياسية الوطنية.
في هذا السياق. أي سياق مرحلة اكتشاف الذات الوطنية واهميتها في ترسيخ القيم والمبادئ السياسية . قال حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – ردا على سؤال طرح عليه حول قضايا الوحدة العربية ونظرته اليها. فأجاب (نحن لا نزال في بداية الطريق ….. وعلينا ان نكتشف ذواتنا لتتحول إلى قوة فعالة تستطيع في المستقبل القريب ان شاء الله ان تمارس دورها البناء الإيجابي في المحيط العربي).
هذا النوع من المراحل السياسية في تاريخ أي امة وطنية جديدة في العادة ما يكون مرحلة تأسيس وبناء للقيم وترسيخ للمبادئ والمفاهيم والثوابت السياسية العليا التي ترغب الدولة في ان تتؤسس وتقوم سياساتها الخارجية بناء عليها ووفق مصالحها السياسية والجيوسياسية في الزمن القائم والمستقبل القادم, سواء كان ذلك عبر سلوكيات سياسية ايجابية أو تصرفات وقرارات وتوجهات دبلوماسية حميدة, بهدف ترسيخ تلك التوجهات في أذهان المجتمع الدولي كتعبير عن ماهية مستقبل السياسة الخارجية للبلاد.
مع الإشارة إلى ان الواقع والتطبيق العملي يؤكد انه حتى مفهوم الثوابت والمبادئ السياسية لا يمكن ان تكون فكر او توجه سياسي ثابت ومطلق, بل يمكن ان يتم تجاوزها بشكل مؤقت لمواكبة بعض المتغيرات الطارئة والظروف السياسية التي يمكن ان تستجد وتتعارض مع مصالح البلد العليا في وقت من الاوقات. الا ان ذلك بكل تأكيد يبقى في اضيق الحدود. وهو ما سارت عليه السياسة الخارجية العمانية منذ العام 1970م وحتى يومنا هذا.
وقد انبثقت النظرية المعرفية لتوسيم السياسة الخارجية العمانية في بدايتها من ادبيات ونظريات علم او فن التسويق كما هو حال العديد من دول العالم التي انتهجت هذا النهج في بناء وتكوين مبادئ وقيم سياستها الخارجية كالولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا على سبيل المثال لا الحصر. وفي هذا السياق يقول جوزيف .س. ناي ان (هذه النظرة دفعت دولا كثيرة لوضع عملية توسيم الامة في سياق استراتيجياتها السياسية ….. ومنذ مطلع القرن 21 اصبح هذا المفهوم متلازما مع مفهوم العولمة, ويقول سزوندي في هذا الصدد ان توسيم الأمة اضحى اداة قوية وفعالة تمكنها من استثمار مقدراتها الوطنية في الحفاظ على قيمها الوطنية).
وهو ما اراد توضيحه وابرازه للمجتمع الدولي حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد العظم في تلك الفترة الزمنية, أي فترة السعي لتوسيم الامة العمانية من خلال سياساتها الخارجية, والتي نتصور بأنها استمرت عمليا حتى نهاية عقد الثمانينيات من القرن الـ 20, مع التأكيد على ان صاحب الجلالة قد وضع الاساس لذلك التوسيم او الصورة الذهنية للسياسة الخارجية العمانية بشكل كبير في المرحلة السابقة والتي اطلقنا عليها بمرحلة فك اطواق العزلة او الاحادية, ويتضح ذلك بجلاء من خلال المبادئ الخمسة التي صاغها في العام 1972م .

إلى الأعلى