الجمعة 18 أغسطس 2017 م - ٢٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / استفتاء البرزاني وضياع البوصلة

استفتاء البرزاني وضياع البوصلة

كاظم الموسوي

”هكذا قرار بالانفصال وتحت أي مسمى آخر يعني قرارا مصيريا ومؤثرا ويحسب بدقة وموضوعية لما يتركه من آثار وما يسببه من اخطار وما يقوم به من اجراء أو ما يرسم له من خطط لما بعده وكيفية قيادة الأوضاع. هذه كلها أمور ليس من السهل النقاش فيها دون أن تكون كلها منتظمة في أطر استراتيجية الحياة والعمل في موقع ساخن سياسيا وأمنيا واقليميا.”

احتل زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان، شمال العراق، مسعود البرزاني، (أسس الحزب والده الراحل مصطفى البرزاني في آب/اغسطس 1946) حيزا واسعا في الإعلام والمشهد السياسي، هذه الأيام، بإعلانه موعدا لاستفتاء حول تقرير المصير للشعب الكردي في العراق، وتشكيل لجان واطلاق اسماء لها، وكل حراكه يدور في/ او يفسر بالانفصال عن العراق، تحت اسم استقلال إقليم كردستان. وهنا اسئلة كثيرة عن صلاحية القرار وهدفه ومصداقية دعاته وإحراج أنفسهم والشعب في قضية لا تتوفر لها شروطها وظروفها، الآن على الأقل، فكيف يغامر أو يجازف رجل سياسة بقرار كهذا؟!، وهو ادرى بأنه يحكم في جزء من كردستان المعترف بها، ولا توافق سياسي بين القوى السياسية الكردية ثانيا، وهو نفسه لا صلاحية قانونية له بإصدار هكذا قرار، لانتهاء مهامه الرئاسية ثالثا، ولا يحمل الصفة التي يفرضها هو وأتباعه له، ووحدها هذه القضية تقدم نموذجا للعقلية التي تدير السياسة في الإقليم وفي تقرير أو تقدير اتجاهات البوصلة السياسية.
حدد القرار موعدا جديدا واخيرا للاستفتاء، (25 ايلول/ سبتمبر 2017) مع حملات علاقات عامة واعلانات وزيارات وتخبطات تثير الاستغراب حقا، وتعكس لا معقولية ما يدعى أو ما يراد الإقرار به، لا شكلا ولا اسلوبا، حتى ولو كانت بالونات للاختبار أو الابتزاز والضغط السياسي أو التهديد والوعيد وبالتوازي مع مشاريع خطيرة مرفوضة مسبقا ولا تخدم من يرهن مصيره بها، لا اليوم ولا غدا.
فإذا كانت جهة الإصدار لمثل هكذا قرار، هي البرلمان، شرعا وقانونا، أو توافق القوى والأحزاب السياسية في حالة عدم وجود برلمان لسبب من الأسباب، فالواقع يقول بأن البرلمان موجود ولكن معطل بدون سبب قانوني وانما بإرادة فردية ومزاجية مغلفة بمفردات انقلاب أو محاولته ودون ايضاح الأسباب أو الشواهد أو الدليل عليها، ومعروف أن رئيسه ابعد بالقوة، وشمل الأبعاد وزراء في الحكومة من حزب رئيس البرلمان، التغيير (كوران)، وهو القوة الثالثة رسميا في الإقليم، لتبرير تلك الرغبات، وهذا يفسر تصاعد حدة الصراعات والاختلافات داخل القوى السياسية الكردية، وينتهي اخيرا إلى أن الجهة الصحيحة للقرار غير موجودة شرعيا ودستوريا وسياسيا، يضاف لها الخلاف على انتهاء مركز البرزاني نفسه، وانتقاد شامل لإصراره عليه، مخالفا الدستور الذي وقع عليه حين صدر وباسمه حكم رئيسا للإقليم فترتين دستوريتين وحتى فترة التمديد ايضا.
هكذا قرار بالانفصال وتحت أي مسمى اخر يعني قرارا مصيريا ومؤثرا ويحسب بدقة وموضوعية لما يتركه من آثار وما يسببه من اخطار وما يقوم به من اجراء أو ما يرسم له من خطط لما بعده وكيفية قيادة الأوضاع. هذه كلها أمور ليس من السهل النقاش فيها دون أن تكون كلها منتظمة في إطر استراتيجية الحياة والعمل في موقع ساخن سياسيا وامنيا واقليميا. وهنا لا بد من التفكير بـ:
اولا: أن القوى السياسية الكردية اساسا غير متفقة على القرار، او توقيته او ادارته، ولها ملاحظات جدية على خطط وسياسات مصدر القرار ولم تنته خلافاتها البينية، فضلا عن صراعاتها الداخلية وانعكاساتها على مصير القضية برمتها.
ثانيا: لم تحسم تطبيقات المادة الدستورية 140 والتي تحدد الموقف من المناطق التي تسمى هكذا بالمتنازع عليها، وهذه قضية حساسة، تصرح عن عقلية التحكم القادمة وطرق تعاملها مع السكان في الإقليم والمناطق المختلف عليها، لا سيما المدن المختلطة أو الرافضة للانضمام إلى الإقليم حاليا، فكيف بعد؟!. ومن ثم لا يمكن التعايش سلميا بحدود الدم، كما صرح مرة.
ثالثا: القيادة الاتحادية المركزية في العراق أعلنت موقفا واضحا برفض الإعلان عن القرار رسميا ودستوريا، وذكرت أن مثل هكذا قرار انفرادي غير دستوري ولا يقبل وطنيا، وان الادعاءات التي تدور حوله تناقش في بغداد ويمكن إيجاد الحلول لها، وتنتهي حينها المبررات التي توضع سببا للقرار. اي عدم موافقة المركز لإجراء الإقليم، والاستمرار فيه تدل على إخلال في إدارة الحكم واختلال في نهج العلاقات الوطنية، تستهدف ابعد مما هي عليه، أو تدعيه علنا او سرا.
رابعا: اقليميا، كل ما يحد اقليم كردستان العراق جغرافيا، تركيا وايران، وسوريا، لا يوافق على الفكرة اساسا، ويرفض الطرح والحديث بها، لما تتركه من تأثيرات عليها، ولذلك اعلنت أنقرة وطهران على لسان مصادر رسمية عليا، رفضهما للقرار ودعوتهما لاحترام وحدة التراب العراقي. وكذلك هو الموقف السوري، ومعروف اجتماعات اللجنة المشتركة بين هذه الدول والعراق بشأن الموضوع الكردي فيها سابقا.
خامسا: عربيا: بادرت جامعة الدول العربية بإرسال رسالة إلى البرزاني تحدد موقفها من قراره، وتدعوه إلى إعادة التفكير والحوار مع بغداد. ورد البرزاني عليها برسالة مطولة تحمل الكثير من التناقضات وتعبر عن صاحبها ولكنها لا تخفي حقيقة الهدف عن أعين الناس، أو كما يقال لا تخفي الشمس بغربال، كما هو معروف، مهما صيغت العبارات وتلونت الكلمات. حتى إنها حملت مناكفة مسبقة واغلاطا مرتدة نتائجها على صاحبها سلبا. رغم أن هناك من يقول عن بعض دعم عربي محدود وتأييد من الكيان الصهيوني معلن لهذه الخطوة، ولا يعرف مدى صدقية هذه الأطراف بما فيها الكيان وقدراتها على الإسناد والدعم الواقعي لمثل هكذا خطوة معلقة وفي خيال تطرف لا تشجع أو تدفع إلى خير واضح للمصالح الأساسية للشعب الكردي ولا العراقي بأجمعه.
سادسا: دوليا: قبل طرح الفكرة ونشرها حذر مسؤولو دول أوروبية مباشرة حكومة اربيل، من الذهاب إلى الانفصال، مهما كانت الذرائع والأسباب، وخوطب البرزاني نفسه مباشرة بمثل هذا الرأي، وليس آخرها ما حصل معه في بروكسل ولقاءاته التي لم تكن كما تصور واراد، حيث قوبل من موظفين في البرلمان الأوروبي والخارجية البلجيكية، أكدوا له موقفا صارما من خططه ومشروعه. وليس آخر الانتقادات والرفض من حليفته الرئيسية التي يبني عليها خياراته، حيث اتصل به وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون وأوضح له رفض واشنطن لقراره، ونصحه بتأجيله الآن والانشغال بما هو بعد الانتصار العراقي على تنظيم الإرهاب المسمى اعلاميا “داعش”. وهنا وقع أمر مضحك، اربيل تنفي المكالمة، والقنصل الاميركي ينشر خبرها على الموقع الرسمي للقنصلية، وتنقلها وسائل إعلام مقربة من الطرفين عاكسة طبيعة التناقضات المزاجية وكأنها تسلية إضافية لواقع الحال، المربك والمرتبك.
سابعا: الهروب إلى الأمام في ظرف صعب لا ينتج ما يؤمل منه. والنتيجة بانت اكثر كشفا، خصوصا في أن الدخول إلى مثل هكذا قرار واعلانه دون دراية واستناد كاملين إلى مهمات المرحلة ومستقبلها والتوجهات الضرورية لقضية الشعب الكردي ووقائع الحال على الارض تكشف ضياع البوصلة فيها وتقديم بيان صريح عن العقلية السياسية المصرة أو المرتهنة بالقرار والاستهانة بالدستور والوحدة الكردية ومن ثم الوحدة الوطنية في العراق.
طرح استفتاء يراد منه الانفصال والتقسيم والتفتيت تحت ما يسمى حق استقلال ومصير اقلية في بلد لم تضطهد أو تحارب فيه، ويشارك سياسيوها في رسم سياساته وتستثمر أو “تستنزف” اقتصاده، يفضح ليس نوايا وحسب وانما خططا ومشاريع عداءية للعراق، والشعب العراقي بكل قواه والوانه. وليس هناك أكثر وضوحا من الإصرار على الأخطاء والاستمرار في الاستفتاء والحيرة بما تؤول إليه النتائج وفي كل الاحتمالات. مما يدل ويؤكد على أن البوصلة مفقودة وان الإغراءات التي دفعت بمثله خطيرة وغير سليمة للمصالح الشعبية والوطنية واستقرار المنطقة وتطورات المستقبل السياسي للعراق وجيرانه، ويبقى سؤال بعد كل ما ذكر، لمن تخدم مثل هذه التخبطات؟!.

إلى الأعلى