الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (1)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (1)

الـمـؤمـن الحـق هـو الـذي دائـماً يـراقـب الـنـفـس الأمـّارة بالـسوء ومـا يلـزم مـن العـمـل لتحـقـيقها الـمـطـلـوب مـن العـبـد في كل الأحـوال أن يعـلم عـجـزه وأن يـقـف عـلى منتهى ضـعـفه

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فإن الـمـؤمـن الحـق هـو الـذي دائـما يـراقـب الـنـفـس الأمـارة بالـسوء، ومـا يلـزم مـن العـمـل لتحـقـيقها، ثـم يــزيـد قـراره هـذا تأكـيـدا ويـقـول:(فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التـغـابن ـ 16).
ويـبـدد عـوامـل الـيأس مـن رحمة الله في نـفـوسهـم، بما يـذكـرهـم به مـن رحمته التي سـبـقـت غـضـبه، فـيـقـول:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الـزمـر ـ 53).
وانـظـر إلى دقـة الـنهج الـتـربـوي مـن الله لـعـباده فـيما يخـاطـبهم به، ويأمـرهـم به بـادي ذي بـدء بالعـزم، العـزم في صـدق العـبـودية ، والعــزم في دقة الإخـلاص لله وحـده، محـذرا مـن أن يـتسـرب أي شـرك أو تشـريـك ظـهـر أو خـفي إلى ما قـد يـتـقـربـون به إلى الله، مـن الطـاعـات والعـبادات، يـقـول الله تعالى:(.. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكـهـف ـ 110)، ويقـول تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ..) (آل عـمران 102 ـ 103)، ويـقـول:(.. وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ ..) (الـبـقـرة ـ 284)، ويقـول:(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء ـ 123).
فإذا اتجـهـت الـعـزائـم إلى بـلـوغ هـذا الـكـمال الـذي أمـر الله به، ثـم تقـطـعـت بها الأسـباب عـن ذلك، للـضـعـف الــذي ابـتـلى الله به الإنسان، فـلـم تجـد سـبـيلا إلى بـلـوغ ذلك الـشأو مـن الـكـمـال، تسـربت الـمخـاوف إلى نـفـوس أصحـاب هـذه العـزائم مـن الـتـقـصير الـذي حـاق بها ، ولـم تسـتـطـع الـتحـرر مـنه، فـتــدفـعـهم مخـاوف التـقـصير هـذه، إلى الالـتجـاء والـتـضرع إلى الله عـز وجـل، بالشـكـوى إلـيه مـن الـعـجـز الـذي انتابهـم، والضـعـف الـمسيطـر عـلـيهـم، مـع الـدعـاء الـواجـف بأن يـتجـاوز الله عـنهـم الـتـقـصير الـذي لا اخـتيار لهـم فـيه.
وعـنـدئـذ (أي بـعـد أن يـقـود الضـعـف أصحابه إلى سـاحة الـتـذلل والانـكسار بـين يـدي الله، يسألـونه المـغـفـرة والصـفح عـنهـم)، تغـيب مـرحـلة الـعـزم في الأمـر والـتـكلـيف، لـتـتجـلى مـن ورائها مـرحـلة اللـطـف والـرحمة والـسـتر، فـيخاطب الـرب جـل جـلاله، هـؤلاء اللائـذيـن به والهـاربـين مـن ضـعـفـهـم إلـيه قـائـلاً:(يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ..)(البـقـرة ـ 185)، ويـقـول لـهـم مـطـمئـناً:(وَجَاهِدُوا فِي اللَّـهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّـهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحـج ـ 78).
ويؤكـد ذلك بــقوله تعالى:(يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء ـ 28)، والـمـعـنى الـتربـوي الـمـلاحـظ في أخـذ الله عـبـاده بهاتـين الـمـرحـلـتـين، هـو أن الـمـطـلـوب مـن العـبـد في كل الأحـوال، أن يعـلم عـجـزه وأن يـقـف عـلى منتهى ضـعـفه، وأنه لـن يتأتى مـنه تـنفـيـذ شيء مـن حـقـوق الله تعالى عـلـيه، أو مـما قـدر أمـره الله به، إلا بـعـون وتـوفـيـق مـن الله له والـمـآل الــذي لا بــد أن ينتهي إلـيـه الـعـبـد، هـون الاعـتراف بالـمسكـنة والـعـجـز.
ولـكـن لا يـكـون ذلك إلا بـعـد بـذل الجـهــد والـتـوجـه بالقـصـد، إلى تنـفـيـذ الـعـزائـم التي كـلفه الله بها، ثـم الالـحـاح بالـتـضـرع والـدعـاء أن يتـقـبـل الله منه قـصـده، وأن يـغـفـر لـه عـجـزه ويـصفح عـن تقـصيره، وتـلك هـي الغـاية التي يجـب أن ينتهـي إلـيها الـعـبـد، أيا كان في شـأنه ومسـتـواه، وأيا كانت حـاله وهي الا صطـباغ بحال العـبـودية الـمـطـلـقة لله عـز وجـل،وما الـعـزائـم الـربانية التي يأخـذ الله بها عـباده في الـمـرحـلة الأولى، حـدثـتـك عـنها سـابـقا والـرخص والتخـفـيفـات، التي يخـاطـبهـم الله بها في الـمـرحـلة الـثـانية، مـا هـي إلا عــوامـل ودوافـع تسـوقـهـم إلى هـذه الغـاية الـقـدسـية، التي يـجـب أن ينتهـي إلـيها كل عـبـد مـن عـباد الله عـز وجـل، أيا كانت رتبـته الاجـتـماعـية، ومهـما كانت صـلـته بالله تعالى.
إذن: فالـقـبـول الـذي يـكـرم الله به عـبـاده، إذ يـتـقـربـون إلـيـه بالـطـاعـات والعـبادات لـيس مـبنيـا عـلى إنجـازهـم لكامل ما قـد طـلـبه مـنهـم بآدابه وشـروطه، وأنى لهـم ذلك ، وإنـما هـو مـني عـلى ما هـو شـأنه مـن تجـاوز أخـطـائـهـم والـغـض عـن هـفـواتـهـم، وسـتر عـيـوبـهـم، فـسـبحـان مـن أظهـر غـناه بالـصفـح عـن عـبـاده الـمسـئين وأظهـر عـبـوديتهم له بافـتقـارهـم إلـيه ، وصـدق مـن قال لـولا جـمـيـل ســتره لـم يـكـن أي عـمـل أهـلا للـقـبـول.

.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى