الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: الاخْتِلافُ وَالتَّنَوُّعُ وَضَرُورَةُ الـتَّسَامُحِ
خطبة الجمعة: الاخْتِلافُ وَالتَّنَوُّعُ وَضَرُورَةُ الـتَّسَامُحِ

خطبة الجمعة: الاخْتِلافُ وَالتَّنَوُّعُ وَضَرُورَةُ الـتَّسَامُحِ

الاخْتِلافُ سُنَّةٌ كَوْنِيَّـةٌ اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ الخَلاقِ العَلِيمِ، وَاسْـتَوجَبَـتْها الطَّبِيعَةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ تَعَالى بِهَا هَذِهِ الحَياةَ، وَأَجْرَى فِيهَا بِهَا نَوَامِيسَهَا.

إِنَّ التَّجْرِبَةَ العُمَانِيَّةَ فِي التَّسَامُحِ ضَارِبَةٌ جُذُورُهَا فِي أَرْضِ التَّأْرِيخِ، وَبَاسِقَةٌ شَجَرَتُهَا فِي سَمَاءِ العِزِّ، إِنَّنَا نَجِدُ عَبَقَهَا فِي قَولِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم : ((لَوْ أَنَّ أَهْـلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلا ضَرَبُوكَ))

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ في مَخْلوقَاتِهِ مِنَ التَّـنَوُّعِ وَالاخْتِلافِ مَا يَحْمِلُهَا عَلَى الانْسِجَامِ وَالائتِلافِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ أَصْلَ البَشَرِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِي أَلْوانِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَتَوَجُّهاتِهِمْ مُخْتَلِفينَ ” فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ” وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسَّسَ مُجْـتَمَعًا مُتَعَاوِنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، مُتَآلِفًا فِي النَّعْمَاءِ وَالبَلْوى، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي – عِبَادَ اللهِ – بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فـَ” اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ” ، وَاعْـلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – أَنَّ النَّاظِرَ فِي هَذا الكَوْنِ الوَاسِعِ لَيَهولُهُ مَا يَرَى مِنَ التَّمايُزِ وَالتَّبَايُنِ، وَيَبْهَرُهُ ما يَجِدُ مِنَ التَّنَوُّعِ وَالاخْتِلافِ، تَنَوُّعٌ يَصْنَعُ لِلْكَونِ جَمالَهُ، وَاخْتِلافٌ يُرَسِّخُ فِيهِ انْسِجامَهُ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ بُرْهَانٌ عَلَى تَدْبِيرِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ، وَتَجَلٍّ لآيَاتِ السَّمِيعِ البَصِيرِ، ” إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ” فَهُوَ اخْتِلافٌ يُدْرِكُهُ المُتَّقُونَ، وَيَفْقَهُهُ العَالِمُونَ، فَيَزيدُهُمْ بِاللهِ مَعْرِفَةً وَخَشْيَةً، يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ” إِنَّ الاخْتِلافَ فِي بَنِي البَشَرِ مُتَأَصِّـلٌ فِي خِلْقَتِهِمْ، مُتَجَذِّرٌ فِي نَشْأَتِهِمْ، يَقُولُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، وَالاخْتِلافُ فِي خَلْقِ الإنْسانِ – عِبَادَ اللهِ- لَيْسَ مَحْصُورًا فِي اللَّوْنِ وَالشَّكْـلِ وَالجِنْسِ، بَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى اخْتِلافِ طَبِيعَةِ النَّفْسِ وَقُدُرَاتِهَا، وَتَنَوُّعِ مَشَاعِرِهَا وَعَوَاطِفِهَا، ” وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ” وَعَلَى هَذا فَالبَشَرُ مُخْتَلِفونَ فِي المَوَاهِبِ وَالقُدُرَاتِ، مُتَبَايِنُونَ فِي الأفْكَارِ وَالتَّوَجُّهَاتِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ” فَالاخْتِلافُ إِذَنْ سُنَّةٌ كَوْنِيَّـةٌ اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ الخَلاقِ العَلِيمِ، وَاسْـتَوجَبَـتْها الطَّبِيعَةُ الَّتِي خَلَقَ اللهُ تَعَالى بِهَا هَذِهِ الحَياةَ، وَأَجْرَى فِيهَا بِهَا نَوَامِيسَهَا.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ الاخْتِلافَ بَيْنَ النَّاسِ فِي قُدُرَاتِهِمْ وَطَاقَاتِهِمْ، وَفِي أَفْهَامِهِمْ وَأَفْكَارِهِمْ، لَهُوَ مَصْدَرُ تَعْزِيزٍ لِلجَمَاعَاتِ، وَثَراءٍ لِلمُجْـتَمَعَاتِ؛ فَتَنَوُّعُهُمْ يَسْـتَدْعِي تَعَاوُنَهُمْ، وَاختِلافُهُمْ يَبْـنِي تَكَامُلَهُمْ، فَالاختِلافُ يَعْـنِي تَبَادُلَ الفَوَائِدِ وَالمَنَافِعِ، لا صِرَاعَ المَصَالِحِ وَالدَّوَافِعِ. وَهَلْ يَخْـلُو مُجْـتَمَعٌ مِنَ الاختِلافِ وَالتَّنَوُّعِ – عِبَادَ اللهِ-، حَتَّى أَنْـقَى المُجْـتَمَعَاتِ وَأَطْهَرُهَا، وَأَقْوَى الحَضَارَاتِ وَأَظْهَرُهَا، يُوجَدُ فِيهَا التَّنَوُّعُ مَا وُجِدَتْ لِلمُجْـتَمَعِ أُسُسُهُ، وَيُوجَدُ فِيهَا الاختِلافُ مَا وُجِدَتْ لِلإِنْسَانِ طَبِيعَتُهُ. فَهَذَا مُجْـتَمَعُ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، كَانُوا فِي أَفْهَامِهِمْ يَخْـتَلِفُونَ، وَفِي تَوَجُّهَاتِهِمْ يَتَبَايَنُونَ، جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْـزَابِ: ))لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ))، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذلك لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَكَانُوا – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ – مَعَ اختِلافِ أَفْهَامِهِمْ مُتَّحِدِينَ، وَبِاختِلافِ طَاقَاتِهِمْ وَقُدُرَاتِهِمْ مُتَعَاوِنِينَ، فَخَدَمَ كُلٌّ مِنْهُمُ الإِسْلامَ بِفَهْمِهِ وَفِكْرِهِ، وَأَغْـنَاهُ بِتَفَرُّدِهِ وَتَمَيُّزِهِ، فَخَدَمَ الإِسْلامَ أَبُو بَكْرٍ بِشَخْصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَبَنَى الإِسْلامَ عُمَرُ بِتَمَيُّزِ عُمَرَ، وَمَا كَانَ بِلالٌ هُوَ سَلْمَانَ، وَلا حُذَيْـفَةُ هُوَ عُثْمَانَ، بَلْ كُلٌّ كَانَ لِتَمَيُّزِهِ فِي الوَطَنِ مُسْـتَثْمِرًا، وَمَعَ أَخِيهِ لِلحَضَارَةِ مُعَمِّرًا، فَعَلَيْـنَا – إِخْوَةَ الإِيمَانِ- أَنْ نُوَظِّفَ اختِلافَنَا لِصَلاحِ الوَطَنِ وَخِدْمَتِهِ، وَعِزَّةِ الدِّينِ وَرِفْعَتِهِ.

عِبَادَ اللهِ:
لَقَدْ وُجِدَ مِنْ أَبْـنَاءِ هَذِهِ الأُمَّـةِ مَنْ لَمْ يُحْسِنُوا التَّعَامُلَ مَعَ اختِلافِهِمْ وَتَنَوُّعِهِمْ؛ فَأَدَّى ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى خِلافِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ، فَوَقَعُوا فِيمَا حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ هَذِهِ الأُمَّـةَ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ” وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ” وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ” ، فَإِنَّ الاختِلافَ إِذَا كَانَ مُؤَدَّاهُ التَّفَرُّقَ وَالتَّنَازُعَ فَهُوَ وَبَالٌ وَمَهْـلَكَةٌ، وَهَذَا المَعْـنَى يُؤَكِّدُهُ المُصْـطَفَى صلى الله عليه وسلم فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ مِنْ سُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ، رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً قَرَأَ آيَةً، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ خِلافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ))كِلاَكُمَا مُحْسِنٌ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا)). إِنَّ التَّرْكِيزَ عَلَى مَوَاضِعِ الخِلافِ، وَتَغْيِيبَ فَضِيلَةِ التَّسَامُحِ وَفِقْهِ الاختِلافِ؛ هُوَ البَّابُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ العَدُوُّ، وَتَتَسَلَّلُ مِنْهُ العَدَاوَةُ. وَالمُؤْمِنُ ذُو كِيَاسَةٍ وَحَذَرٍ، يَتَجَنَّبُ أَبْوَابَ العَطَبِ وَأَسْبَابَ الخَطَرِ.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَيِّنُ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ أَنَّ المُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ عَلَى فَلاحٍ فِي الآخِرَةِ، وَلَوِ اختَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ وَتَعَدَّدَتْ مَنَاهِجُهُمْ، فَهُمْ إِلَى أَصْـلِ الإِيمَانِ يَرْجِعُونَ، وَفِي المَصِيرِ وَالغَايَةِ العُظْمَى مُتَّحِدُونَ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ” إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ” هَذَا مَعَ وُجُودِ الاختِلافِ فِي الشَّرَائِعِ وَالعِبَادَاتِ، وَالمَنَاهِجِ وَالتَّوَجُّهَاتِ، فَكَيْـفَ بِمَنْ هُمْ تَحْتَ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ مُؤْتَلِفُونَ، وَتَحْتَ لِوَاءِ التَّوْحِيدِ يَنْضَوُونَ، يَكْتَنِفُهُمْ وَطَنٌ وَاحِدٌ بِأَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ وَيَرتَوُونَ مِنْ مَائِهِ، اهتِمَامَاتُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَهُمُومُهُمْ مُتَّحِدَةٌ، إِنَّهُمْ بِذَلِكَ -لا شَكَّ- يَرْجِعُونَ إِلَى أَصْـلٍ مَتِينٍ، فَيَنْطَلِقُونَ مِنْهُ مُعَمِّرِينَ، وَيَعُودُونَ إِلَيْهِ مُتَكَاتِفِينَ وَمُتَعَاوِنِينَ.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ-، وَافقَهُوا حِكْمَةَ اللهِ فِي التَّنَوُّعِ وَالاختِلافِ، استَغِلُّوا تَبَايُنَكُمْ فِي تَعَاوُنِكُمْ، وَاستَعْمِلُوا تَنَوُّعَكُمْ فِي تَكَامُلِكُمْ، وَانشُرُوا بَيْنَكُمْ مَعْـنَى التَّسَامُحِ وَرُوحَ الوَلاءِ، “وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا”.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا أُمَّةً وَسَطًا، فَجَنَّبَنَا رَهَقًا وَشَطَطًا، وَنَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ لِلحُسْـنَى فِي دَعْوَتِهِ عَلامَاتٌ وَاضِحَةٌ، وَلِلتَّسَامُحِ فِي أُمَّـتِهِ أَرْكَانٌ رَاسِخَةٌ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاعلَمُوا – عِبَادَ اللهِ -، أَنَّ التَّسَامُحَ مَبْدَأٌ أَصِيلٌ فَهُوَ مَعَ حِفْظِهِ لِلهُوِيَّةِ يَرْدِمُ الهُوَّةَ، وَمَعَ حِفَاظِهِ عَلَى الأُصُولِ يُؤَسِّسُ التَّوَاصُلَ، فَيَعْرِفُ الفَرْدُ مَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ اتِّجَاهَ الآخَرِينَ، فَيَنْشَأُ التَّعَارُفُ، وَيَتَحَقَّقُ الاعتِرَافُ، فَيَتَقَبَّـلُ الفَرْدُ مَسْـلَكَ إِخْوَانِهِ، وَيُعْطِيهِمْ مِنَ الحَقِّ مِثْلَ مَا يُعْطِيهِ لِنَفْسِهِ، وَفِي ظِلِّ الأُخُوَّةِ وَالتَّسَامُحِ تَغِيبُ التَّحَدِّيَاتُ، وَتَجِدُ القُلُوبَ نَفْسَهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُصَحِّحَ تَوَجُّهَهَا عَمَلاً بِقَولِهِ تَعَالَى:” وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ”
إِنَّ التَّجْرِبَةَ العُمَانِيَّةَ فِي التَّسَامُحِ – عِبَادَ اللهِ – ضَارِبَةٌ جُذُورُهَا فِي أَرْضِ التَّأْرِيخِ، وَبَاسِقَةٌ شَجَرَتُهَا فِي سَمَاءِ العِزِّ، إِنَّنَا نَجِدُ عَبَقَهَا فِي قَولِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم : ((لَوْ أَنَّ أَهْـلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلا ضَرَبُوكَ)). لَقَدْ أَسَّسَ أَسْلافُكُمْ تَجْرِبَةَ التَّسَامُحِ عَلَى مَبْدَأِ ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ” وَعَزَّزُوهَا بِمَسْعَى ” فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ” وَأَخْـلَصُوا فِيهَا لِغَايَةِ ” لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ” فَوَجَدَ القَاصِي وَالدَّانِي شَذَا عَبِيرِهَا، وَذَاقَ أَبْـنَاؤُهَا حُلْوَ ثِمَارِهَا. فَحَافِظُوا – رَحِمَكُمُ اللهُ – عَلَى غِرَاسِ أَسْلافِكُمْ، وَغَذُّوا شَجَرَةَ تَسَامُحِكُمْ بِتَعَاوُنِكُمْ وَتَآلُفِكُمْ، احفَظُوا لأَبنَائِكُمْ حَيَاتَهَا، لِيَذُوقُوا مِنْ ثَمَرِهَا مَا ذُقْـتُمْ، وَيَجِدُوا مِنْ ظِلِّهَا مَا وَجَدتُمْ.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

إلى الأعلى