الثلاثاء 18 فبراير 2020 م - ٢٤ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / جذور وتداعيات اضطرابات شارلوتسفيل

جذور وتداعيات اضطرابات شارلوتسفيل

أ.د. محمد الدعمي

” .. برغم جميع التشريعات المضادة للتمييز العنصري ضد الملونين في الولايات المتحدة يبقى “المارد” أعلاه يظهر من آن لآخر على نحو تدميري عنيف، ليدق ناقوس تذكير الأميركان بأن “الأمر لم ينته بعد”، خاصة بعد كل حادث قتل يحدث على أيدي الشرطة ضد مواطن أو مواطنة سوداء. ”

لايمكن أن تمر اضطرابات مدينة “شارلوتسفيل” بولاية فرجينيا، دون ملاحظة كافية من قبل المتابعين الأميركان وسواهم عبر العالم: فمن ناحية أولى، ذهب جماعة منهم على أن هذه الاضطرابات إنما تدل على بقاء وتواصل مشكلة التمييز العنصري، ولكن على أسس مختلفة. كما أنها تدل بأن ماحدث لا يشكل سوى رأس جبل الجليد المختفي حجمه الأكبر تحت سطح مياه المحيط؛ ومن ناحية ثانية، عدت جماعة أخرى منهم الاضطرابات مؤشر على مايحدث الآن من مد في عواطف العنصريين البيض، من المؤمنين بتفوق الجنس الأشقر White supremacist أنما هو متأصل في صعود نجم شخصيات من هذا النوع المتعصب للبيض خلال الأشهر الأخيرة.
ومع أهمية ودقة الرأيين أعلاه، لايمكن للنابه من المحللين السياسيين إلا أن يخرج بخلاصة مفادها أن مارد التمييز العنصري أنما يسبت لسنين عديدة، ثم ما يلبث أن يستيقظ على نحو تسلسلي متناوب من آن لآخر، حسب تقلبات درجات الحرارة، بدليل أن حركة “حياة السود مهمة” لم تنطلق مع بداية أشهر الإدارة الأميركية الحالية، وإنما هي انطلقت خلال سنوات إدارة أول رئيس أميركي أسود البشرة، الرئيس باراك حسين أوباما. وهذه حال طبيعية من وجهة نظر مؤرخي المجتمع ومتابعي تطوره على المدى البعيد: فبرغم جميع التشريعات المضادة للتمييز العنصري ضد الملونين في الولايات المتحدة يبقى “المارد” أعلاه يظهر من آن لآخر على نحو تدميري عنيف، ليدق ناقوس تذكير الأميركان بأن “الأمر لم ينته بعد”، خاصة بعد كل حادث قتل يحدث على أيدي الشرطة ضد مواطن أو مواطنة سوداء. بل أن ما أثار حفيظة الملونين أكثر هناك يكمن في إن الاضطرابات أعلاه قد جاءت مع تشكيل لائتلاف عنصري مكون من عناصر ومنظمات كانت منسية حتى وقت قصير.
بيد أن حادث يوم 12 أغسطس ، كما يبدو، لن ينته تأثيره لحظة تفرق “الوطنيين البيض” الذين باشروا به بعد مسيرة ليلية من جامعة عامة، رافعين مشاعل باتجاه تمثال لأحد القادة الأميركان السابقين من الذين أيدوا العبودية قبل قرون ربما. ومرد تعقيدات حادث الاضطراب هذا هو ظهور عدد من المحتجين البيض في عدد من اللقطات التلفازية وهم يؤدون تحية “الرايخ الثالث”، ومعنى ذلك هو أن هؤلاء “الوطنيين البيض” Alt-Right تلوث أفكارهم وخططهم مشاعر عداء، ليس فقط ضد السود الملونيين عامة، وإنما كذلك ضد جميع الذين يعتنقون أدياناً سوى المسيحية، خاصة ضد اليهود. وهذه العنصرية بطبيعة الحال، هي ما يقض مضاجع المنظمات اليهودية المتنفذة في الولايات المتحدة، بطبيعة الحال.
بيد أن ظاهرة الاضطراب أعلاه يجب أن تقرأ، نصاً، على خلفية التصعيد النووي بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية كوريا الشمالية، الأمر الذي يعني بأن الجمهور الأميركي يولي اهتماماً أكبر لموضوع الاحتكاك العنصري، مقارنة بموضوع العدو الخارجي، خاصة وأن الأخير يمكن أن يساعد على تسكين وتأجيل المشاكل الداخلية.

إلى الأعلى