السبت 17 أغسطس 2019 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الحوجري

الحوجري

محمد جداد:
يتلوى عصام على السرير كأفعى تلفظ أنفاسها، صوته يتردد في أرجاء قسم الطوارئ، أمه وأخوه يحاولان بواسطة الأطباء أن يجدا حلا لهذا الألم الذي عصف بعصام فجأة، أبو عصام الملقب ”بالمربوش وألقاب أخرى لا أتذكرها، كل شيء فيه ينتفض، حاجباه، يده التي تفرك أنفه كل لحظة، عيناه الصغيرتان اللتان تغمزان باستمرار، يتلوى واقفاً وهو يراقب الأم وابنها، يدغدغ هاتفه، يضعه على أذنه أحياناً، وأحياناً أخرى يدسّه في جيبه، إلا أنّه سرعان ما يعيده والارتباك ظاهر عليه، يحاول أن يحرّك واسطته، هذا ما فهمته منه. كان عصام عريساً، ولم يمض على زواجه إلا الليلة الفائتة، عندما اقترب الطبيب منهم سألهم: هل أكل شيئاً من المطعم البارحة؟، أتاه الرد سريعاً من المربوش، الذّي قال له: هو أصلاً حصّل فرصة يأكل يا دكتور، قطّب الطبيب حاجبيه، فأردف المربوش: أمس كان زواجه فقط. ضحك الطبيب وهو يهمس في أذن المربوش بكلمات مضحكة، فردّ عليه: لا لا يا دكتور، هذا العريس أصابته عين وهو محسود، قبل أن ينهي كلمته الأخيرة، دخلت زوجة المربوش على خط الكلام، وقالت: صح صح يا دكتور، فما قاله أبو عصام صحيح مئة بالمئة.
بعد لحظات وقف المربوش بجانب الدكتور وهو يقول له: أعط عصام إبرة مسكنة للألم لمدّة يومين فقط، أجابه الدكتور وهو ينظر في وجه المربوش باستغراب، قائلا: لماذا أبو عصام؟، ردّ عليه: إنّنا مسافران الآن إلى مسقط ومن ثم إلى زنجبار. حاول الدكتور أن يشرح للمربوش أن الموضوع لا يستحق هذا العذاب وأن هذه الفكرة خاطئة، إلا أن المربوش قطع عليه الطريق قائلاً: نحن أدرى بحالنا. أمر الطبيب الممرضة أن تعطي عصاما إبرة مسكنة من النوع القوي، كانت الأم وابنها قد عادا إلى المنزل لترتيب حقائب السفر للمربوش وابنه العريس، اتجها للمطار، أقلعت الطائرة، وصلا مسقط، وعند وصولهما كان في استقبالهما في قاعة “الترانزيت” صديق المربوش مرجان، وهو صاحب علاقات مع الكثير من أهل زنجبار، رجل خمسيني، له كرش تصافحك قبل يده، عيناه جاحظتان وله لحية تغطي نصف وجهه.وصلاإلى زنجبار في الصباح، اتّجها إلى الفندق لتغيير ملابس السفر، كان العريس هادئاً بعض الشيء بعد أخذ المسكن، بدلا أغراضهما المربوش، أمّا مرجان فقال: اكتفي بغسل رأسي فقط أما ملابسي فسوف أبدّلها في المساء، كانت رائحته نتنة بعض الشيء تشبه رائحة فأر ميت.
استوقف الثلاثة سيارة أجرة، اتجهوا إلى منزل أحد أهمّ المشعوذين المعروفين على مستوى البلاد، كان عصام يتأمل تلك البلاد من نافذ السيارة، يتأمل تلك الأوجه التي تتحدث أعينها بأشياء غامضة، يرى عجائز تحملن قفافا على رؤوسهن، وشبابا عاري الصّدور، وأطفالا يرتسم البؤس على ملامحهم، وفي لحظة تذكّر عروسه التّي فارقته قبل أن تقابله!
عند وصولهم كان في استقبالهم شخص لا تختلف ملامحه عن مرجان، إلا أن له سحنة إفريقية، وكرشا ليست بحجم كرش مرجان، أدخلهم مباشرة إلى الغرفة المظلمة التي يتراقص فيها البخور بكلّ هدوء، ولا يتسلل لها الضوء من أي مكان، فأدار المربوش وابنه نظريهما في الغرفة فأبصرا كرسيّا وحيدا يقبع في زاوية من زواياها، وبعض الكتابات والرسومات الغامضة المنقوشة على سقف الغرفة، وأثناء جلوسهما وتأملهما ذلك الجزء من العالم الغريب داهمهما صوت ممزوج بالبكاء والضحك، بالفرحة والحزن، ثم خرج عليهما رجل قصير جداً ماسكاً عصا يتكئ عليها، لم يحدّثهما إطلاقاً، تلوّى قليلاً ثم سقط جاثياً على ركبتيه، وارتجف كسعفة، ثم انتفض، ثم عاد على ركبتيه، فارتجت أوصال المربوش وابنه، ولم يستطيعا بلع ريقهما وهما يراقبان الرجل الذي لا يتعدّى طوله مترا وبعض السنتيمترات، قبل أن يعود من حيث أتى أشار بيده إلى مرجان الذّي ظلّ في المدخل، وصاحبيه،وضرب بعصاه ثلاثاً على الأرض،ثمّ همس بهم وهو يهزهز رأسه كثور هائج، ثم عاد أدراجه.
قال مرجان للمربوش: إنهم جائعون، إنهم جائعون.
المربوش: نعشّيهم، نعشّيهم.
مرجان: الآن، وبأسرع وقت.
المربوش: كيف الطريقة؟
مرجان ينادي على صاحبه الذي استقبله، ويقول له: كم تكلفة العشاء؟ فيأتيه الصاحب، ويهمس في أذنه، فيشير مرجان برأسه دلالة الموافقة وتنفيذ الأمر حالاً، بعد خروجهم قال مرجان للمربوش: ادفع ألف دولار لكي نهدّئ الجماعة فهم غاضبون جداً، أخرج أبو عصام ألف دولار وأعطاه المبلغ، صمت المربوش قليلاً ثم قال: طيب ما هو العلاج؟، أجابه مرجان: سننتظر هنا حتّى المساء، ثم سيخرج علينا العرّاف بكلّ شيئ. أثناء جلوسهم في تلك الغرفة المسماة قاعة الانتظار، تذكّر المربوش زوجته التّي تعاني من ألم في رأسها، وابنته التّي لم تأت بنسبة عالية في دراستها، وإبنه الأصغر الذّي تأخّر جداً في إيجاد وظيفة، وبدأت ذاكرته تستدعي كلّ شخص يتمنّاه هنا لكي يأخذ العلاج بأسهل طريقة ودون عناء، عدا السفر المتعب!، في المساء بدأ مفعول المسكّن يخفّ على العريس، وضرب الجوع الأمعاء، وبدأ عصام يرتجف قليلاً كسعفة تداعبها النسائم، عندما فرش الليل سواده على المنطقة المعزولة عن البلاد، صاح صوت من أحد الغرف، ثم تبعه صوت آخر، ثم بدأت الأصوات تتعارك، المربوش وابنه الذّي بدأ يتلوّى بعض الشيء يراقبان بآذانهما وبكلّ حواسهما تلك المعركة التّي هزّت كلّ حيطان المنزل المهترئ أصلاً. قبل أن ينتصف الليل خرجت عليهم امرأة عجوز تصارع الحياة من أجل البقاء، دعت بكلتا يديها للمنتظرين المرهقين في قاعة الانتظار،وأثناء دخولهم الحذر لتلك الغرفة وقف ذلك العراف وهو يتمتم، كان مرجان يترجم لهما، العلاج خمسة أيام متتالية، ومقر العلاج في خلوة في أحد أطراف القرية، مطلوب منكم أن لا تحدّثوا أحداً إطلاقاً، وكلّ ليلة يجب عليكم أن تدفعوا عشاء للزعماء من الجن بمقدار بقرة يومياً.
استمر المربوش وابنه لمدة خمسة أيام، صرفوا كل ما في جيبهم من نقود، أبلغ المربوش مرجان بأن يساعدهم في الاتصال بالعائلة لطلب المدد بتحويل مبلغ أربعة آلاف ريال، ظلوا يدفعون على كلّ شيء وفي كلّ شيء، وكان الوسيط الأمين هو مرجان طبعاً! وكان العلاج عبارة عن قنينة ماء صغيرة يميل لونها للأصفر، يشرب واحدة صباحاً قبل الإفطار والأخرى مساءً قبل العشاء! أحس عصام بأن الألم خفّ عليه، وبدأ يخبر أباه بأنّه تحسّن، وحان موعد العودة بعد الأيام الخمسة، استدعاهم العراف قبل مغادرتهم، قابلوه، شكروه على ما قدّمه لهم من إهتمام!، مدّ لهم صندوقّ صغيراً فيه الدواء مع وصفة لطريقة استخدامه، بعدما ترجم لهم مرجان سبب العلّة، ومن الشخص الذّي كان وراء تلك المصيبة التّي حلّت على المربوش وابنه.
غادروا زنجبار، وصلوا العاصمة، ودّعهما مرجان هناك، وعند وصول الأب وابنه، فتحت الأم صندوق الدّواء، فوجدت أكياسا صغيرة محشوّة باللبان الحوجري، ومكتوبا عليها إنتاج سلطنة عمان، محافظة ظفار، صلالة، شركة النّون، صدموا جميعاً لأنّ مقرّ هذا المحل لا يبعد سوى كيلو متر واحد عن بيتهم.

إلى الأعلى