الأربعاء 18 سبتمبر 2019 م - ١٨ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة لفيلم : عقيدة الحشاشين (Assassin’s Creed)

قراءة لفيلم : عقيدة الحشاشين (Assassin’s Creed)

قراءة ـ فاطمة بنت ناصر* *مترجمة و كاتبة من السلطنة @f_bint_nasser f_wahaibi@hotmail.com
هذه ترجمة اسم الفيلم الجديد الذي تم اقتباسه من اللعبة الشهيرة Assassin’s Creed.

كنت كالكثيرين ممن كانوا على علم بهذه اللعبة وربما لعبوها وتحمسوا لاحقاً لرؤية الفيلم، لكن لم نكن على دراية بأن الشخصية الأبرز في هذه اللعبة مقتبسة من أحد فرق الطائفة “الإسماعيلية” والتي أطلق على أتباعها اسم “الحشاشون”. ذهبت قبل أيام لمشاهدة الفيلم لأتفاجأ بمقطع يتحدث عن أصل كلمة Assassin، ذكروا فيه أن هذا الإسم جاء من كلمة ” الحشاشون” وهي فرقة يقال إنها استخدمت هذا النوع من المخدرات في تسخير أتباعها للتضحية والخدمة العمياء للعقيدة مهما كلفهم الثمن ، واشتهرت هذه الفرقة بمعارضتها واغتيالاتها السياسية.

بعد أن شاهدت الفلم ظل موضوع هذه الفرقة يشغلني وقررت البحث عنها أكثر ، وكيف لمثل هذه الفرقة الإسلامية التي ربما نراها فرقة شديدة التطرف أن تكون مصدر إلهام للغرب. بل أن هذه الفرقة التي صنفت إسلامياً بأقذع الأوصاف ووضعت في خانة الفكر المتطرف ، استطاع الغرب أن يرى فيها خيراً ما وقام بوضعها في دور البطولة وهي لازالت في ثقافتها الأصلية منبوذة ومشوهه.

كلمة ( الحشاشين / assasin) ومرور الزمن في السياق العربي والغربي

حسب معجم أوكسفورد الشهير فإن كلمة assasin تعود إلى منتصف القرن 16 وتعود في أصولها إلى لفظة (الحشاشين) وهي فرقة تنتسب إلى الطائفة النزارية الإسماعيلية الشيعية. وقد زامنت الحملات الصليبية واتخذت من مناطق بشمال بلاد فارس معقلاً لها وكان ذلك بين ( 1095 -1256). وعرفت هذه الفرقة بهوسها القتالي ويقال أنهم كانوا يتعاطون نبتة الحشيش قبل القيام بالإغتيالات. و تعني الكلمة القاتل المأجور. ويقول برنارد لويس في كتابه : الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الإسلام ، أن ما جذب انتباه أوروبا للحشاشين هو ” الولاء” الذي يحملونه لسيدهم حسن الصباح المعروف بشيخ الجبل. ويقول أن هذا الولاء هو ما جذب الأوروبيين أكثر من وسائلهم في الإغتيال. لذا نرى أن لفظه assasin أستخدمت في أشعار الغزل الأوروبية. ويذكر برنارد لويس بعض مواضع إستخدامات هذه الكلمة في الغزليات الأوروبية منها قول أحد شعراء التروبادور من مقاطعة بروفنس الفرنسية : “أنت تسيطيرين علي بسحرك أكثر مما يسيطر الشيخ على حشاشيه الذين يتأهبون لقتل أعدائه الفانين” وقول آخر :” كما يخدم الحشاشون سيدهم بإخلاص لا ينضب، كذلك أحبك بولاء لا يكل” . وغيرها من الأمثلة التي أوردها لويس في كتابه حولهم. إلا أن لويس يذكر أنه ومع مرور الزمن تحول استخدام هذه اللفظة إلى معناها الآخر والمعبر عن الإغتيالات والتي اتصقت بدلالتها حتى اليوم.

في الفيلم الذي نتحدث عنه هنا كان التركيز على دلالة الولاء عند المقاتل. إلأ أن هذا الولاء لم يكن للشيخ الذي يكاد الفلم يخلو من أي ما يشير إليه ، ولكن الولاء الذي تم التركيز عليه ، هو الولاء للفكرة والدفاع عن العقيدة ولو كانت لمجموعة بسيطة تخالف فيها إرادة السلطة والكهنوت وجموع الشعب المغلوب على أمره. فكرة أهمية بقاء الإرادة الحرة في الإختيار دون إجبار من قوى تجد راحتها في خلو الساحة من المعارضين وأصحاب الآراء المخالفة.

إن الأوروبي إن وجد هذه القيم الإنسانية في الحشاشين فهو يجدها لأنه يحكم عليها بنظرة تتجرد من الإصطفاف والتحيز. فهو لا تعنيه صراع المذاهب والفرق ، ولا تعنيه خطط النزارية الإسماعلية ولا تمثل خطراً أو هاجساً له في حياته اليوم. تماما كشخصية روبن هود التي في وقتها لا يجرؤ أحد التصريح بأنها شخصية خيرة تنصر المظلومين ولكنها مع مرور الوقت وخلوه من السلطة التي كانت ترى فيه لصاً متمردا ً خارجاً عن القانون ، ترسخت الشخصية التي نراها اليوم بأنها محبة للغير وتمارس الإيثار الذي ندرسه اليوم لأطفالنا في المدارس .

كمسلمين لم تتقادم قصة الحشاشين لنرى فيها خيراً ما. هي مازلت عقيدة شيطانية لفرقة مارقة عن الدين. كما أن سياقها حاضر إلى اليوم بأشكال متعددة. فالمذاهب لا زالت تتناحر بأسماء أخرى وأسلحة أخرى . وإن كان ” الحشيش ” الذي تعاطاه الحشاشين وصمة العار الأبدية التي ألصقناها بهم ، فاليوم نرى حبوب الهلوسة والمنشطة تتعاطى من قبل فرق إسلامية متطرفة . فالسياق حاضر متجدد لا تستطيع العين المسلمة أن تراه بأنه قصة قديمه قد نستلهم منها بعض العبر. فالمخالف في عالمنا هو شر مطلق في الغالب وهذا ما يجعل أمر أن نجد فيه خيراً مهمة صعبة ، فالحق في الغالب يصطف مع فرق معينة تتوافر فيها سمات مشتركة : كغلبة العدد والقوة. تماماً كمعايير القوى بين المتحاربين. أما الفرق المخالفة قليلة النفر و الحيلة، فهي غالباً ما توصف بأنها فرق حادت عن الدين القويم بشطحاتها . وهكذا تلتصق بهذه الأقليات وصمات تكاد تكون أبدية لقوة وهيمنه من هم ضدها ولا يقبلون وجودها.

فكرة الفيلم : بذرة العصيان الأولى للبشر
تدور فكرة الفلم عن رغبة السلطة بالإستعانه بالعلم الحديث لإحتواء بذرة العصيان الأولى وتدميرها. هذه البذرة التي قامت جماعة الحشاشون بحمايتها منذ الأزل حيث إنها كانت تمثلهم وتعبر عن تمردهم على سلطة الدولة والكهنة الذين كانوا يرغبون في الملك خالصاً لهم ولأتباعهم ولا يعترفون بوجود عقائد ومذاهب أخرى وكل من يؤمن بغير معتقداتها فهو مهرطق يستحق الحرق إلى الموت.

نجد في هذه الحكبة أن من قام بتألفيها ليس على جهل بتاريخ الحشاشين ولكنه عَظم وَقدر فيهم ذلك الجانب المتعلق بقوة إيمانهم بما يعتنقونه من أفكار، والتضحيات الكبيرة التي قدموها في سبيل ما يؤمنون به ، رغم أن الخيار الأسهل هو إتباع الأغلبية مهما أختلفنا معها. فتبعية الجموع أسهل بكثير من التضحية من أجل فكرة تعارضهم.

من ينتصر؟

رغم اقتناع الكثيرين بأن القضاء على بذرة العصيان والمعارضة قد تجعل العالم أكثر سلاماً ووئاماً ، إلا أن من ينتصر في هذا الفلم هو حرية الإرادة والإختيار. فالتجريم لا يجب أن يتعرض لحقوق البشر ولطبيعتهم التي تحتم عليهم التفكير ومن ثم الإختيار الحر. وعلى الرغم من أن هذه الطبيعة البشرية ذكرت في القرآن عدة مرات من أهمها قوله تعالى : ( وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ) ورغم مقدرة الله أن يجعل من هذا الإنسان طائعاً لكل ما يؤتى إليه إلا أنه أبقى على هذه الفطرة بل دعاه إلى التفكر والتدبر. مقابل هذه الدعوة الإلهية نرى أن كل فرقة تسعى إلى تكوين اتباع لها يتبنون نفس الأفكار ويعارضون من يخالفهم فيها فنرى تخندق كل حزب في بوتقته الفكرية. وإن تدبر أصحاب هذا الفرق أفكار بعضهم البعض لوجدوا أفكاراً تروق لهم في مذهب الآخر وأفكار أخرى يمقتونها في مذهبهم ، ولكن للأسف تغلبهم العزة بالإثم وتسيطر عليهم ثقافة ( أنصر أخاك ظالما ً أو مظلوماً) هذه الأفكار التي توارثتها الثقافة العربية لم تلقى النقد الكافي والشافي الذي يجعل الفرد العربي يقف لوهله قبل أن يستلم إلى موجه الموروثات البالية.

ومن التعميم ما قتل

ما نعانيه في ثقافتها الإسلامية العربية هو إننا نرى في ما يحمل شيئاً من الخير إنه الخير كله ، وأن ما به شيء من شر هو الشر كله. وهذا الأمر جعلنا نؤله البعض ونشيطن البعض الآخر. وقد ظلمنا الكثير فيما سبق ولا زلنا نظلمهم لممارستنا لهذه التعاميم القاتلة. ولازالنا نبيح سفك الدم للقضاء على المخالف لمنهج الجماعة. إلا أن صيرورة الزمن تؤكد كل حين أن الفرق المتطرفة مهما طال بها العمر فمصيرها للزوال.

ماذا يرون في الاختلاف؟

يردد العربي أن الاختلاف رحمة بينما تدل غالب الممارسات أن الاختلاف نقمة في هذا الجزء من العالم. فقد إختلف الصحابة وأقتتلوا وتحزبوا وجسد النبي لم يفنى بعد ومازال الخلاف والقضاء على المعارضة قائماً إلى يومنا هذا. أما ” الديموقراطية” كما تراها الغالبية المهووسة بفكرة المؤامرة ،فهي شيطان دسه الغرب للقضاء على إستقرار الدول المسلمة ، على الرغم من أننا لم نعرف الإستقرار منذ القدم وقبل أن تظهر الديموقراطية بسبب التناحر الداخلي الدائم بيننا وبين كل مخالف.

أما الغربي فمن الطبيعي أنه قادر على استخلاص العبر وتحييد النظر في الأحداث الحالية والموروثات القديمة. بينما العربي يصفق للفيلم ولا يدري أن هذا البطل قادم من ثقافته وإن درى عنه فإنه في الغالب يحمل عنه فكرة لا أقول مغلوطة وإنما مطلقة. فالأفكار المطلقة كلفظة ” كافر ، مهرطق ، ملحد” هي التي استطاعت أن تجعل منا ما نحن عليه اليوم من أفراد مختارين لا يأتي الباطل من أمام فرقهم ولا من خلفها.

كتب ننصح بها حول فرقة الحشاشون

١- كتاب ( الحشاشون : فرقة ثورية في تاريخ الإسلام ) المؤلف : برنارد لويس
٢- كتاب (الإسماعيليون : تاريخهم وعقائدهم) المؤلف : فرهاد دفتري

الحشاشون في الأدب :

١- رواية ( آلموت ) فلاديمير بارتول
٢- رواية ( الحشاش) المؤلف :محمود آمين

إلى الأعلى