الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إطعام الأسرى بالقوة ووصاياهم

إطعام الأسرى بالقوة ووصاياهم

د. فايز رشيد

”الأسرى المضربون عن الطعام لمدة طويلة لا يتناولون سوى الماء والملح. يصابون بحالة من الهزال الشديد وبأمراض مزمنة في كافة أجهزتهم الداخلية، ومن بينهم المرضى أصلاً (ومنهم من هو مصاب بالسرطان ورغم ذلك يشارك في الإضراب). أما طريقة إطعام الأسير المضرب بالقوة فتعرضه إلى إيجاد جروح في الجهاز الهضمي، وإلى مضاعفات أخرى شديدة وإلى خطر الموت.”
ـــــــــــــــــــ
أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الأولى والثانية مشروع قانون قدمته وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلي ينص على حق الوزارة في إطعام الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام، بالقوة. خلال هذا الأسبوع أوالقادم سيتم إقرار المشروع بالقراءة الثالثة، وبموجب ذلك يصبح قانوناً فعليًّا وسيتم العمل بموجبه. إسرائيل حضرت لتنفيذه قبل الإقرار، فنقلت 80 أسيراً من المضربين ووزعتهم على مستشفياتها، التي تتعامل معهم كثكنات عسكرية باضطهادهم: تكبلهم بأسرتهم، ويتعرضون لضغوطات نفسية من الطواقم الطبية التي لا تمارس رسالتها الإنسانية في التعامل معهم كما تقتضيه الأعراف والحقوق الإنسانية والقانون الدولي. وتمارس إهمالاً طبيًّا متعمداً بحقهم، هذا هو حال أسرانا فيما يسمى بالمستشفيات الإسرائيلية.
الأسرى الإداريون المضربون عن الطعام لليوم الخامس والخمسين على التوالي تين (حتى هذه اللحظة) موقوفون بموجب القانون الإداري، الذي هو من مخلفات عهد الاحتلال (الانتداب) البريطاني لفلسطين، وليس من دولة بين دول العالم تعمل بهذا القانون سوى إسرائيل. وبموجبه يتم توقيف المعتقل مدة ستة أشهر دون توجيه أية تهم إليه, وبعد انتهاء الشهور الستة يتم تمديدها إلى أمد غير محدود. الأسرى المضربون عن الطعام لمدة طويلة لا يتناولون سوى الماء والملح. يصابون بحالة من الهزال الشديد وبأمراض مزمنة في كافة أجهزتهم الداخلية، ومن بينهم المرضى أصلاً (ومنهم من هو مصاب بالسرطان ورغم ذلك يشارك في الإضراب). أما طريقة إطعام الأسير المضرب بالقوة فتعرضه إلى إيجاد جروح في الجهاز الهضمي، وإلى مضاعفات أخرى شديدة وإلى خطر الموت. ورغم عدم إقرار القانون في ذلك الوقت، قامت المستشفيات الإسرائيلية بإطعام مضربين فلسطينيين عن الطعام (في إضراب سابق)، وهو ما أدى إلى استشهاد ثلاثة أسرى منهم. هذه الطريقة محرمة في القانون الدولي وفي اتفاقيات جنيف وكافة الشرائع والقوانين الدولية، وهي تتناقض بشكل تام مع التقاليد والأعراف والأخلاق الطبية، وقد وقف ضد سن هذا القانون النواب العرب في الكنيست ونقابة الأطباء الإسرائيلية، ومجموعة قليلة من الليبرالينومن ينتمون إلى اليسار الإسرائيلي إضافة إلى بعض المنظمات الحقوقية الإسرائيلية.
أعلنت وزارة شؤون الأسرى والمعتقلين الفلسطينية أن عدد الأسرى الإداريين الفلسطينيين المضربين عن الطعام يبلغ 220 معتقلاً من بين ما يقارب 5200 معتقلاً ومعتقلة فلسطينيين . يضرب عن الطعام منهم 250 بشكل دوري وذلك تضامناً مع إضراب المعتقلين الإداريين. أكدت المتحدثة باسم مصلحة السجون الإسرائيلية سيفان وايزمان أن الإضراب الحالي هوأطول إضراب جماعي عن الطعام يخوضه أسرى فلسطينيون في إسرائيل. الأسرى رغم جوعهم وآلامهم بعثوا برسائل مؤثرة إلى شعبهم الفلسطيني وإلى أمتهم العربية وإلى كل الشرفاء والأحرار والمناضلين على الصعيد الدولي، يؤكدون فيها على مضيهم في الإضراب حتى تحقيق مطالبهم: بإلغاء القانون الإداري وإطلاق سراحهم.
من بين تلك الرسائل، رسالة إنسانية عاطفية مؤثرة أصدروها في الثامن من يونيو الحالي وأسموها “النداء الأخير” يقولون فيها: ” نوجه وصيتنا التي ربما آن الأوان لإعلانها قبل أن نلقى شهداء شعبنا منتصرين لكرامتنا. نداؤنا صوت، صوتنا، نبضاتنا، وصيتنا، نحن الأسرى الإداريين الداخلين صوب الخلود، الماضين لعناق شمس الكرامة كنهاية لمعركة الكرامة، نعلي صوتنا ليصل إلى شعبنا المنتفض وأمتنا وأحرار العالم: “لقد أوصى الأسرى المضربون قبل استشهادهم بما يلي: تكثيف إسناد الإضراب، إضراب الاسرى الذين لم يستشهدوا، فهؤلاء يستحقون وقفة وفاء تمنع استمرار نزيف الدم الذي لن ينضب حتى تحقيق مطالبهم العادلة. التوصية بالتبرع بأجهزتهم الصالحة بعد الموت للمحتاجين من المناضلين والفقراء والمضطهدين. الوفاء للأسرى والشهداء ممن سبقوهم “فالوفاء ليست كلمات عابرة بل ممارسة ثورية لا تعرف التردد أو الوهن”. التمسك بالحقوق التاريخية الفلسطينية وعدم التفريط بذرة من تراب فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، ” فالحقوق التاريخية الفلسطينية لا يمكن استردادها دون لغة القوة التي لا يفهم العدو الإسرائيلي سواها. عدم خذلان من سيتبقى خلفهم من الأسرى الأحياء ” فمن قدم حريته ثمناً لحرية شعبه يستحق الحرية لا الموت”. وختم الأسرى رسالتهم قائلين “يا شعبنا وامتنا يا أحرار العالم ومناضليه، سنسمع صرختنا رغم عتمة القبور لأموات العالم أجمع. إن شعبنا باقٍ على العهد وسينتصر. نودعكم مبتسمين، شهداء مع وقف التنفيذ”.
رسالة لا يمكن لكل من يقرأها إلا أن يقف شعر رأسه، وتغص عيناه بالدموع ويتأثر كثيراً. رسالة قوية فيها من العنفوان والشموخ والإنتماء للوطن وقضيته، والتضحية بالنفس في سبيله، الشيء الكثير، رسالة تضج سطورها بالعطاء في حالتي الحياة والموت، رسالة تنطق بالمواقف الصلبة رغم الجوع والآلام والجراح الكثيرة. هكذا هم أسرانا الفلسطينيون والعرب في سجون الاحتلال الصهيوني. أدنى حقوقهم علينا وأقل واجباتنا تجاههم : حمل رسالتهم وإيصالها إلى أكبر قطاع من الناس، وهذه خلفيتي كانت من الكتابة حول الموضوع لإرسالها للقراء الكرام عب صفحات هذه الجريدة العزيزة. التحية لأسرانا والمجد لهم.

إلى الأعلى