الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أنباء من اللا مكان

أنباء من اللا مكان

أ.د. محمد الدعمي

”العرب غير مقتنعين بالشكل القائم لإقليم المفارقات الشرق أوسطي، الكرد في انتظار اللحظة السانحة لتصحيح خطأ بريطانيا وفرنسا عن طريق إعلان دولة كردية. سقوط الموصل بأيدي الإرهاب فتح شهيته لتأسيس “خلافة” لا تتفاهم مع أحد، بينما استرجع الأتراك شهيتهم لضم الموصل، بوصفها ولاية تركية، كانت قد اغتصبتها بريطانيا من بقايا “الرجل المريض” لضمها إلى العراق.”
ـــــــــــــ
من الطبيعي أن يشعر العراقيون بالمرارة وهم يرون بأعينهم ما يجري من إعمال للمعاول ولفؤوس الهدم وهي تخرب البيت الذي جمع هذه الأقوام المتنوعة والعقائد والديانات المتناقضة طوال 94 عاماً تحت سقف اسمه العراق. والعراق الذي عده ابناؤه الجدد، الذين جمعتهم بريطانيا وفرنسا من مختلف الأعراق والعقائد عبر أنواع الحدود الزئبقية العصية على الوضوح والثبات، وريثاً لبلاد الرافدين، حيث بدأت الحضارة الآدمية قبل آلاف السنين؛ نقول إن هذا العراق يقف اليوم على محك البقاء واختبار الوجود والعدم بأصعب وأشق اشكاله.
وإذا كنا قد أشرنا إلى بريطانيا وفرنسا، فإن المقصود ليس وضع اللوم على الوزيرين سايكس وبيكو اللذين، حسب اتفاقيتهما، شكلا الشرق الأوسط كما يبدو اليوم، شرقاً ينوء تحت أعباء الحروب والضغائن والأحقاد والطائفية الدموية، وإنما المقصود هو أن تخلخل جدار الشرق الأوسط، بسبب تفتت واحدة من أهم لبناته، لا يمكن أن يكون بلا تداعيات أو آثار سلبية تسلسلية تتناوب في فعلها على تماسك واتساق نسيج الشرق الأوسط الإقليمي الذي تركه السيدان سايكس وبيكو منذ بداية القرن الماضي، على ما هو عليه اليوم. بيد أن للمرء رؤية الأيام القادمة وهي تطوي بين جوانبها ما لا يمكن لمواطن شرق أوسطي أن يتوسله أو يتوسده اساساً للتيقن: لا المال ولا الثقافة ولا التربية الاجتماعية ولا الأنظمة الروحية، من بين سواها من أعمدة البقاء، للأسف.
والحق، فقد خدمت الأنظمة الروحية السائدة في “إقليم الكتاب المقدس”، الشرق الأوسط، باباً لتمرير ومرور اسباب التفكك وعوامل التنافس التي ستؤدي بما تبقى من جثمان “إقليم سايكس وبيكو”، المتفسخ، ذلك الإقليم الذي استحال إلى “إقليم مفارقات”، كما أطلقت عليه في كتابي (أسير حلم)Caught in a Dream، 2013. إقليم يمور بالعجائب وينوء تحت أعباء الآلام والأوجاع درجة أننا نشعر اليوم بأن هيكله يتفكك وينهار بسرعة مخيفة.
العرب غير مقتنعين بالشكل القائم لإقليم المفارقات الشرق أوسطي، الكرد في انتظار اللحظة السانحة لتصحيح خطأ بريطانيا وفرنسا عن طريق إعلان دولة كردية. سقوط الموصل بأيدي الإرهاب فتح شهيته لتأسيس “خلافة” لا تتفاهم مع أحد، بينما استرجع الأتراك شهيتهم لضم الموصل، بوصفها ولاية تركية، كانت قد اغتصبتها بريطانيا من بقايا “الرجل المريض” لضمها إلى العراق. إن الحلم التركي القديم بالموصل يستفيق اللحظة، بينما تتوافر دواعي ومبررات “إنقاذ الموصل” على الطريقة التركية بشكل سريع وكاف لإعلان التدخل، خاصة بعد أن منح رئيس وزراء إقليم كردستان العراق نفسه حق النبوءة عندما قال إن العراق “قد” لا يبقى على شكله الذي عرفناه، متناسياً أنه وابناء جلدته من إخواننا الكرد إنما يقفون مخنوقين بين عملاقين (إيراني وتركي) لا يمكن أن يسمحا للكرد بتغيير خارطة الإقليم من جانب واحد!

إلى الأعلى