الأحد 22 سبتمبر 2019 م - ٢٢ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / يوم عرفة يوم المباهاة

يوم عرفة يوم المباهاة

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني
أيها القراء الأكارم: يقول الرسول )صلى الله عليه وسلم(: (الحج عرفة).
لقد شرف الله سبحانه وتعالى جبل عرفة ووادي عرفة إذ جعلهما مثابة ومجتمعا لحجاج بيته .. وفي وقت معلوم من كل عام .. وذلك هو اليوم التاسع من ذي الحجة وليلة العاشر منه .. فمن أدرك عرفة في هذا الوقت فقد أدرك الحج, ومن فاتته عرفة فقد فاته الحج من عامه .. لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول :(الحج عرفة).
إن يوم عرفة هو ذلك اليوم الذي سماه الله (الحج الأكبر) في تفسير طائفة من الصحابة أو هو أحد أيام الحج الأكبر في تفسير طائفة أخرى .. ذلك اليوم هو اليوم الذي سجل فيه أعظم ذكرى .. وأحب بشرى .. فقد كان أعداء الاسلام والمسلمين يحاولون بكل الوسائل أن يطفئوا نور الله قبل أن ينتشر وأن يقتلوا الإسلام في مهده وما زال الصراع قائماً حتى انتصر الاسلام واستتب الأمر له في الجزيرة العربية وتطهر ما حوله من رجس الوثنية وأنصارها.
وفي يوم عرفة من حجة الوداع في ذلك العام نزل القرآن الكريم ليعلن أنه لا خوف على الاسلام بعد اليوم من أعدائه، قال تعالى:(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) ولقد كان دستور الشريعة الاسلامية وموادها تنزل فصولا وموادا متفرقة ونجوما متقاربة أو متباعدة وكان يخشى أن تختم حياة الرسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن تتم مواد الشريعة الاسلامية، فلما كان يوم عرفة من حجة الوداع أعلن القرآن الكريم أن أمر الشريعة قد أحكم وأبرم .. وأن هذا هو مسك الختام .. وأنه لن ينزل بعد التشريع شرع جديد بتحريم حلال أو تحليل حرام .. إنه يوم عرفة الذي قالت اليهود في شأنه لعمر: إنكم تقرأون في كتابكم آية لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيداً .. فقال عمر: وما تلك الآية؟ قالوا:(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً) قال عمر: والله إني أعلم في أي يوم أنزلت، وأين كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أنزلت ورسول الله قائم فينا يخطب ونحن وقوف وذلك عشية يوم الجمعة ألا إنهما لنا عيدان، صدق عمر ـ رضي الله عنه ـ فيوم الجمعة عيد أسبوعي ويوم عرفة يوم عيد يتلوه عيد سنوي.
فما هو يوم عرفة في حاضره؟
إن يوم عرفة يتجدد على الزمان قدره .. وإن فضله في كل عام يعود ويتردد .. إنه يوم مشهود .. تجتمع فيه أصحاب القلوب المؤمنة الموحدة, يلوحون في ثيابهم البيض كأنها أجنحة الملائكة, وقد تضامنوا وتلاصقوا حاسري الرؤوس حفاة الأقدام أو يكادون باسطي أيديهم إلى السماء .. رافعي أصواتهم بالتلبية والدعاء .. تدق قلوبهم بالخوف وتخفق بالرجاء .. يا له من موقف:(تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).
إنها لحظات التجرد عن المال والأهل والولد والمطامع .. إنها لحظات الفرار إلى الله والإقبال على الله .. إنها لحظة تحول في طبيعة الانسان المادي الروحي تنصهر ماديته انصهاراً وتذوب ذوباناً .. فإذا هو قد عاد عبداً لله خالصاً وروحاً نقياً طاهراً .. أولئك هم ملائكة الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء طوبى لهم ثم طوبى لهم إنهم يدعون في عرفات فلندع نحن ولنضرع إلى الله في الفلوات والخلوات .. إنهم يكبرون عند الجمرات فلنكبر نحن في أعقاب الصلوات, إنهم يذكرون اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام , ويأكلون منها, ويطعمون البائس الفقير.. كذلك فلنذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ونأكل منها ونطعم البائس الفقير هنا.
إخوتي وأخواتي في الله: إليكم عطاء الله لوفد الله في يوم عرفات الله، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة .. وما ذلك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام .. إلا ما رأى يوم بدر .. قيل وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ فقال: أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة هكذا)، ومعنى: أدحر أي: أبعد من الخير وأهون .. والأدحر المطرود المبعد من الخير المهان، وقوله: يزع الملائكة معناها يكف ويمنع, وهنا بمعنى يرتبهم ويصفهم للقتال, ومن يخرج عن ذلك يكفه ويمنعه .. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(المغفرة تنزل على أهل عرفة مع الحركة الأولى فإذا كانت الدفعة العظمى فعند ذلك يضع إبليس التراب على رأسه يدعوا بالويل والثبور. قال: فيجتمع إليه شياطينه فيقولون مالك؟ فيقول:قوم فتنتهم منذ ستين سنة وسبعين سنة غفر لهم في طرفة عين).
وقال الرسول (صلى الله عليه وسلم):(إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء ,يقول لهم انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم).
واعلموا إخوتي وأخواتي .. أن ليومكم هذا نفحات من ربكم فتعرضوا لها بالتوبة والاستغفار والدعاء وتقوى الله.. والعمل بكتاب الله وسنة رسوله المصطفى (صلى الله عليه وسلم) .. ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور .. واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون.

إلى الأعلى