الأربعاء 20 يونيو 2018 م - ٦ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / التمييز بين العلم واللاعلم .. دراسة في مشكلات المنهج العلمي

التمييز بين العلم واللاعلم .. دراسة في مشكلات المنهج العلمي

القاهرة – من حسام محمود:
يأتي كتاب “التمييز بين العلم واللاعلم” للمؤلف الدكتور محمد أحمد السيد ليسبر أغوار مشكلة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية هامة فمعظم المفكرين والباحثين في مجال فلسفة العلم بل وحتى المثقف العادي والجمهور من عامة الناس يؤمنون أن النظريات العلمية تختلف اختلافا جوهريا عن النظريات اللاعلمية أو الزائفة علميا وعن كافة أنماط الضروب الفكرية الأخرى التي يمكن أن توسم باللاعلم أو غير العلم . ونقصد بكلمة لا علم كل الأنشطة والفعاليات الفكرية التي لا تتفق مع العلم في منهجه أو في مقصده أو فيهما معا والتي لا يمكن إخضاع قضاياها للاختبار التجريبي وإعادة الاختبار . ومن هنا فإن هذا المصطلح يشمل الميتافيزيقا والإيدولوجيا والدين والسحر والتنجيم والأسطورة وغير ذلك من ألوان الفكر المشابهة .
جذور تاريخية
إذا أراد أي باحث العثور عن جذور موضوع التمييز بين العلم واللاعلم فعليه أن يرجع إلى محاولات فرانسيس بيكون وهيوم ومل في تحليل عناصر المنهج العلمي فلم تكن هذه المحاولات سوى صورة من صور محاولة صياغة معيار للتمييز بين العلم واللاعلم غير أن المحاولة الأولى الجادة الصريحة لصياغة معيار حاسم للتمييز هي محاولة الوضعيين المنطقيين فهي أكثر شمولا ودقة وتفصيلا بيد أن الوضعيين لم يحاولوا فقط التمييز بين العلم واللاعلم وغنما بين المعنى واللامعنى . وقد باءت محاولاتهم المبكرة في صياغة معيار التمييز بالفشل لأسباب منطقية وعلمية حتى جاء الزمن الذي باتت فيه محاولات التحدث عن مبدأ التحقق أو حتى عن هذه المدرسة برمتها كمن يحاول أن يمتطى صهوة جواد ميت كمثال للتنظير.
وإذا كان الوضعيون أنفسهم تخلوا عن معيار التمييز بل وتخلى بعضهم عن العديد من العقائد الأساسية لهذه المدرسة فإن علما آخر من أعلام الفكر الفلسفي في القرن العشرين ظل على العهد حتى نهاية عمره مدافعا عن مبدأ التمييز الذي صاغه منذ ما يربو على نصف قرن وهو الفيلسوف الألمعي الراحل كارل بوبر فقد ظل مؤمنا برأيه حتى رحيله برأيه عن الدفاع عن العقلانية العلمية والتمييز بين العلم واللاعلم الذي قدمه من خلال صياغته لمعيار القابلية للتكذيب ذلك المعيار الذي اعتقد كثيرون أنه الحصن الحصين أو الوصفة الجاهزة الناجحة التي يمكن استخدامها للتمييز بين العلم واللاعلم أو العلم الزائف . غير أن هذا المعيار لا يمكن أن يصلح بصورته المبدئية وينبغي تعديله جوهريا ليناسب مقتضيات العصر . ويقترح هيلارى بتنام أحد فلاسفة العلم المرموقين في الولايات المتحدة استخدام معايير بوبر ولكن بتعديلات عليها تفسر طبيعة النظريات العلمية ونشاط العلماء على مر التاريخ حيث يضع تعديلات جوهرية لتحليل بعض الاتجاهات المعاصرة في فهم معيار التمييز خاصة عند توماس كون وبول فيرابند وايمرى لاكا توش .
تمييز مطلوب
إن جميع هذه المحاولات تستهدف تقليص المسافات بين العلم وغيره من الايدولوجيات المختلفة خاصة أن هذه المحاولات بدأت في الفترة الأخيرة تكتسب زخما كبيرا وقوة دافعة تتزايد بزيادة المكانة الاجتماعية لأصحابها عند الناس دون التوقف أمام تساؤل مهم هو ما مدى اقترابها أو عدم اقترابها من شروط المعرفة العلمية ؟ ومن خلال آراء الخبراء يجمع الباحثون والفلاسفة على أهمية رسم حدود للعلم حتى إن لم يعترف البعض بمشروعية هذه الحدود في ضوء محاولات الزحف بنظريات علمية ولا علمية إلى داخل هذه الحدود التي من الصعب رسمها بقيود تحددها لتفصلها عن النظريات اللاعلمية . وكثير من العلماء ينظرون بتوجس شديد إلى محاولات فلاسفة العلم إقحام نفسهم في هذه الأمور بل ويذهب العديد منهم إلى عدم اتساق وجدوى محاولات إثبات أو تفنيد النظريات العلمية . فالعالم فيما يرى البعض يؤمن بفاعلية علمه وربما يميل إلى القول بأن فلسفة العلم شأنها في ذلك شأن الفلسفة بكافة فروعها تحاول فقط أن تزيد الأمور تعقيدا عن طريق جعل ما هو جلي واضح غامض مبهم . بل إن البعض يذهب لأبعد من هذا إلى أن الفلسفة لم ولن تحرز أي تقدم حقيقي إذ أنها مجرد طرح للمشكلات دون تقديم حلول لتمييز يضع خطوط حمراء حول العلم حتى لا تختلط أوراقه مع الخرافات والأكاذيب والأساطير وما يفوق مستوى القدرات العقلية والثوابت الطبيعية للكون . ولعل السبب في مثل هذا التشكيك هو أن الفلاسفة أنفسهم كثيرا ما يستخدمون نفس النهج والحجج المستمدة من الأمثلة التاريخية والنظريات العلمية للدفاع عن وجهات نظر متعارضة ومتباينة. ويكفى قراءة تفسيرات الفلاسفة كارل بوبر وتوماس كون لنظرية كوبرنيقس أو نيوتن لمعرفة كيف تختلف وجهات النظر حول الحدث الواحد.
معايير منطقية
هناك بعض الأسباب التي جعلت الفلاسفة يهتمون بمعايير الفصل بين العلم واللاعلم حيث تشمل هذه المسببات : أولا أهمية تأثير التصورات والمفاهيم العلمية على الممارسات الفعلية للعلماء حتى وان حدث ذلك بطريقة لا واعية أثناء هذه الممارسات. وهنا يأتي دور الفلاسفة من العلماء في توضيح هذه التصورات والمفاهيم الضمنية التي تساعد في عملية الوعي والفهم الذاتي لدى العلماء وتزداد أهمية هذه العملية لان العلماء أنفسهم نادرا ما يهتمون بهذه الموضوعات. ثانيا محاولات فلاسفة العلم صياغة معايير محددة ودقيقة لتحديد الأعمال والأشخاص الذين ينتمون إلى تاريخ العلم في مقابل أولئك الذين ينتمون إلى تاريخ الفن والأدب والدين والسحر والأسطورة. ويتضمن هذا الأمر أسئلة في غاية الأهمية والتعقيد فهل من الممكن على سبيل المثال اعتبار ممارسات الفراعنة من قدماء المصريين علما وهى تفوق الكثير من أنماط العلوم السائدة في هذا العصر في الفلك والطب والزراعة وغيرها وما الشروط المحددة للعلوم والعلماء وما هي ثوابت العلم المحددة له وهل تتغير بتغير العصور والأمور. ثالثا يحتاج العلماء في المجالات العلمية المختلفة إلى وجود معايير محددة للعلم لتطبيقها في أبحاثهم فعلماء اجتماع المعرفة مثلا يحتاجون إلى مثل هذه المعايير للتمييز بين ما يسمى مجتمعات العلماء وغيرها من المجتمعات كالمجتمعات الدينية والسياسية وغيرها .
رابعا من المعلوم أن نجاح فلاسفة العلم في صياغة معايير للتمييز بين العلم واللاعلم يساعد في بناء رؤية علمية عالمية تساهم في زيادة موضوعية صور العلم ذاته وتطبيقاتها في الحياة وبين الناس وداخل المجتمعات .

إلى الأعلى